وبها احتج الشافعية:
قال الدارقطني١: حدثنا محمد بن عمرو٢، قال: حدثنا أحمد بن الخليل٣، قال: حدثنا الواقدي، قال: حدثنا داود بن خالد٤، ومحمد بن مسلم٥، عن المقبري٦ عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن
_________________
(١) ١ في كتاب الصيام ٢/١٥٧، رقم: ٦. وسيأتي الكلام عليه عند تخريجه في آخر السياق. ٢ محمد بن عمرو ابن البختري بن مدرك البغدادي الرزاز، أحد المحدثين، وثقه غير واحد من العلماء، مات سنة ٣٣٩هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ٣/١٣٢، سير أعلام النبلاء ١٥/٣٨٥، شذرات الذهب ٢/٣٥٠. ٣ أحمد بن الخليل البرجلاني، سمع من الواقدي، والأسود بن عامر، والحسن الأشيب، وثقه الخطيب البغدادي، وقال ابن حجر: صدوق. مات سنة ٢٧٩هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ٤/١٣٣، تهذيب التهذيب ١/٢٨، تقريب التهذيب ١/١٤. ٤ داود بن خالد بن دينار المدني، روى عن ربيعة، ومحمد بن المنكدر، وإبراهيم بن عبيد، وروى عنه ابن أبي فديك، ومحمد بن معين، والواقدي، قال ابن عدي: لا بأس به، ووثقه غيره. ترجمته في: الجرح والتعديل ٣/٤٠٩، الكامل لابن عدي ٣/٩٦٠، تهذيب التهذيب ٣/١٨٢. ٥ لم أقف على ترجمته. ٦ سعيد بن أبي سعيد كيسان الليثي، مولاهم المدني، المقبري، صاحب أبي هريرة، حدث عنه وعن عائشة، وسعد بن أبي وقاص ﵃، وروى عنه ولداه سعد وعبد الله، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، وغيرهم. قال عنه الإمام أحمد وابن معين: ليس به بأس، ووثقه غير واحد، وقال ابن سعد: ثقة لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين. مات سنة ١٢٥هـ. ترجمته في: الجرح والتعديل ٤/٥٧، ميزان الاعتدال ٢/١٣٩، تهذيب التهذيب ٤/٣٨، الشذرات ١/١٦٣.
[ ١٢٤ ]
صيام ستة أيام: اليوم الذي يشك فيه من رمضان، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق١. ورواه البزار٢.
وقال الترمذي: حدثنا [أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج٣، قال: حدثنا] ٤ أبو خالد الأحمر٥، عن عمرو٦ بن
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه الدارقطني كما سبق، وعبد الرزاق في كتاب الصيام ٤/١٦٠، رقم: ٧٣٢٠. والبيهقي في كتاب الصيام ٤/٢٠٨. وأخرجه البزار كما قال المصنف في كتاب الصيام، باب ما نُهي عن صيامه ١/٤٩٨، رقم: ١٠٦٦. وضعفه ابن حجر وغيره. وانظر التلخيص الحبير ٢/١٩٨، نصب الراية ٢/٤٤١. ٢ هو الإمام الحافظ أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، أبو بكر البزار، صاحب «المسند» رحل كثيرًا في طلب الحديث، وحدث في آخر عمره، قال عنه الدارقطني: ثقة يخطئ، ويتكل على حفظه، وقال الحاكم: يخطيء في الإسناد والمتن، وجرحه النسائي، وقال الذهبي: صدوق مشهور، مات سنة ٢٩٢هـ. ترجمته في: ميزان الاعتدال ١/١٢٤، طبقات الحافظ ٢٨٩، الشذرات ٢/٢٠٩، الأعلام ١/١٨٩. ٣ عبد الله بن سعيد بن حصين، الكندي أبو سعيد الأشج، الكوفي الحافظ المفسر، حدث عن أبي بكر ابن عياش، وأبي خالد الأحمر، وحفص بن غياث، وغيرهم، وحدث عنه أبو يعلى الموصلي وابن أبي حاتم، ويحيى بن محمد بن صاعد، وغيرهم، قال عنه أبو حاتم: ثقة صدوق، إمام أهل زمانه، وقال النسائي: صدوق، مات سنة ٢٥٧هـ. ترجمته في: الجرح والتعديل ٥/٧٣، تذكرة الحفاظ ٢/٥٠١، طبقات الحفاظ ٢٢٢، شذرات الذهب ٢/١٣٧. ٤ ما بين القوسين أسقط من (ك) . ٥ هو سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، حدث عن حميد الطويل، وهشام بن عروة، وليث بن أبي سليم، وآخرين، وروى عنه الإمام أحمد وأبو سعيد الأشج، وإسحاق بن راهويه، وثقه أبو حاتم وآخرون، وقال ابن معين صدوق وليس بحجة. مات سنة ١٨٩هـ. ترجمته في: الجرح والتعديل ٤/١٠٦، ميزان الاعتدال ٢/٢٠٠، تهذيب التهذيب ٤/١٨١، الشذرات ١/٣٢٥. ٦ في (ك): عمر.
[ ١٢٥ ]
قيس١، عن أبي إسحاق٢، عن صلة بن زفر٣، قال: كنا عند عمار بن ياسر، فأتى بشاة مصلية٤، فقال: كلوا فتنحى بعض القوم، فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم٥.
وروى الخطيب٦ عن جماعة أنهم نهوا عن صيام يوم الشك /٧ منهم عمار٨، وحذيفة٩، وابن عباس.
فعن ابن عباس: من صام اليوم الذي
_________________
(١) ١ عمرو بن قيس الملائي البزاز، أبو عبد الله الكوفي، حدث عن الحكم بن عتيبة، وأبي إسحاق السبيعي، وعكرمة، وغيرهم، وحدث عنه الثوري، وأبو خالد الأحمر، وسعد بن الصلت، وآخرون، أثنى عليه الثوري، ووثقه أبو زرعة، مات بعد سنة ١٤٠هـ. ترجمته في: حلية الأولياء ٥/١٠٠، التاريخ الكبير ٦/٣٦٣، سير أعلام النبلاء ٦/٢٥٠، التقريب ٢/٧٧. ٢ هو أبو إسحاق السبيعي، عمرو بن عبد الله، من أئمة التابعين بالكوفة وأثباتهم، وكان من العلماء العاملين، طلابة للعلم، كبير القدر، وثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وغيرهم، مات سنة ١٢٧هـ. وقيل غير ذلك. ترجمته في: طبقات ابن سعد ٦/٣١٣، الجرح والتعديل ٦/٢٤٢، طبقات الحفاظ ٥٠، الشذرات ١/١٧٤. ٣ صلة –بكسر أوله وفتح اللام الخفيفة- ابن زفر العبسي، أبو العلاء الكوفي، أحد كبار أعلام التابعين، حدث عن علي، وابن مسعود وعمار ﵃، وحدث عنه أبو إسحاق السبيعي، وأيوب السختياني، وغيرهما، ثقة جليل، مات سنة ٧٠ من الهجرة. ترجمته في: طبقات ابن سعد ٦/١٩٥، الجرح والتعديل ٤/٤٤٦، تاريخ بغداد ٩/٣٣٥، التقريب ١/٣٧٠. ٤ أي: مشوية. ٥ الحديث سبق تخريجه في أول الكتاب، انظر ص ٥٤. (الخطيب): أسقطت من (س) . ٧ نهاية ل ١٦ من (س) . ٨ خبر عمار سبق ذكره قبل قليل. ٩ أخرجه عن حذيفة ابن أبي شيبة في كتاب الصيام ٣/٧١، والبيهقي في كتاب الصيام ٤/٢٠٩.
[ ١٢٦ ]
يشك فيه فقد عصى الله ورسوله، رواه الخطيب١ في تاريخ بغداد٢.
والجواب عن هذه الأحاديث التي احتج بها القائل بحرمة الصوم:
أما٣ الحديث الأول: فراويه الواقدي، قال الإمام أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب٤. [وقال يحيى: ليس بشيء٥] ٦.
وقال البخاري: متروك الحديث٧.
وذكر أبو حاتم الرازي٨، وأبو عبد الرحمن النسائي٩: أنه كان يضع الحديث.
وقال ابن عدي١٠: أحاديثه غير محفوظة، والبلاء منه١١.
_________________
(١) ١ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي، محدث الشام والعراق، كان من كبار الشافعية، وآخر الأعيان، معرفة وحفظًا وإتقانًا، وضبطًا للحديث، وتفننًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه، وهو أحد المكثرين من التصنيف، ومن أشهر مصنفاته (تاريخ بغداد)، مات سنة ٤٦٣هـ. ترجمته في: وفيات الأعيان ١/٩٢، طبقات الحفاظ ٤٣٣، هدية العارفين ١/٧٩، الأعلام ١/١٧٢. ٢ تاريخ بغداد ٢/٣٩٧، وهو ضعيف. انظر: التلخيص الحبير ٢/١٩٧، نصب الراية ٢/٤٤٢. ٣ في (س): وأما. ٤ ميزان الاعتدال ٣/٦٦٣، سير أعلام النبلاء ٩/٤٦٢. ٥ التاريخ ليحيى بن معين ٢/٥٣٢، وسير أعلام النبلاء الصفحة السابقة. ٦ ما بين القوسين أسقط من (ك) . ٧ الضعفاء للبخاري ١٠٤. ٨ الجرح والتعديل ٨/٢١. ٩ الضعفاء للنسائي ٩٣. ١٠ الحافظ، عبد الله بن عدي بن عبد الله، أبو أحمد الجرجاني، أحد كبار المحدثين، العالمين بالحديث ورجاله، أخذ العلم عن أكثر من ألف شيخ، لم يكن في زمانه مثله، من مصنافته «الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة»، و«الانتصار»، و«أسماء الصحابة»، وكان ضعيفًا في العربية قد يلحن، مات سنة ٣٦٥هـ. ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٣/٩٤٠، هدية العارفين ١/٤٤٧، شذرات الذهب ٣/٥١، الأعلام ٤/١٠٣. ١١ الكامل لابن عدي ٦/٢٢٤٧.
[ ١٢٧ ]
وأما الحديث الثاني، وما رواه الخطيب فعنه جوابان:
أحدهما: أن خبر عمار وابن عباس موقوف فلا يعارض الأحاديث المرفوعة.
الثاني: أنه محمول على أن المراد به الشك في الصحو، وقد فسر الإمام أحمد١ الشك، فقال: الشك: أن يشهد برؤيته /٢ واحد فيرد الحاكم شهادته، أو أن تكون السماء مصحية ويتقاعد الناس عن طلب الهلال.
قال ابن الجوزي: وجميع ما روي في النهي عن صوم [يوم] ٣ الشك فمحمول على ذلك، ونحن لا نسمي يوم الغيم شكًا٤، ومن سماه شكًا فللتعريف، وبيان هذا أن الشك تردد بين أمرين لا مزية لأحدهما عن الآخر٥، وهاهنا مزية وهي٦/٧ أن الأصل في الشهور، تسعة وعشرون بدليل ما سبق من الأحاديث.
وأما حديث النهي عن الصوم بعد نصف شعبان، فراويه العلاء بن عبد الرحمن٨، وهو ثقة٩، لكن قال الإمام أحمد: العلاء ثقة لا ينكر
_________________
(١) (الإمام أحمد) أسقطت من (س) . ٢ نهاية ل ٩ من (ك) . ٣ زيادة من (ك) . ٤ انظر: التحقيق لابن الجوزي ٢١٣/ب. ٥ انظر: التعريفات ١٢٨، المطلع ٢٦، ١٥٥، القاموس المحيط ٣/٣١٩، الدر النقي ٢/١٠٠، ٢٣٨. ٦ في (ك): وهو. ٧ نهاية ل ١٢ من الأصل. ٨ العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أبو شبل المدني، حدث عن أنس بن مالك، ووالده عبد الرحمن وغيرهما، وروى عنه مالك وشعبة وإسماعيل بن جعفر وآخرون، قال عنه الإمام أحمد: ثقة، لم أسمع أحدًا يذكره بسوء، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مات سنة ١٣٨هـ. ترجمته في: الجرح والتعديل ٦/٣٥٧، تقريب التهذيب ٢/٩٢، الشذرات ١/٢٠٧. ٩ سير أعلام النبلاء ٦/١٨٧.
[ ١٢٨ ]
من١ حديثه إلا هذا٢.
وقال أيضًا: ليس هو٣ بمحفوظ٤.
قال: وسألنا عنه عبد الرحمن بن مهدي فلم يصححه، ولم يحدثني به، وكان يتوقاه٥، أو أنه محمول على نفي الاستحباب كحديث: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصيام يوم أو يومين" ٦.
قال الخصم: وقد روي في هذه المسألة حديث فيه كفاية عما سواه٧، ثم ذكر بإسناده إلى يعلى بن الأشدق٨، عن عبد الله بن جراد٩، قال: أصبحنا يوم الثلاثين صيامًا، وكان الشهر قد أغمي١٠ علينا، فأتينا النبي ﷺ فأصبناه مفطرًا، فقلنا يا نبي الله، صمنا اليوم، قال: "أفطروا، إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه، لأن أفطر يومًا من رمضان
_________________
(١) ١ من أسقطت من (س) . ٢ مختصر سنن أبي داود ٣/٢٢٤، فتح الباري ٤/١٢٩، نيل الأوطار ٤/٢٦٠. ٣ في (ك): هذا. ٤ نصب الراية ٢/٤٤١. ٥ نصب الراية ٢/٤٤١. ٦ سبق تخريجه. انظر ص ٥٥. ٧ المجموع ٦/٤٢٤. ٨ يعلى بن الأشدق العقيلي، أبو الهيثم الجزري، الحراني، حدث عن عمه عبد الله بن جراد، ورقاد بن ربيعة، وكليب بن جري، وغيرهم، وروى عنه عمر بن إسماعيل، وإسماعيل بن عبد الله قاضي دمشق، وأيوب الوزان، وغيرهم، كان سائلًا يسأل الناس، ضعفه غير واحد، وذكروا أنه يروي أحاديث كثيرة منكرة. مات بعد ١٨٠هـ. ترجمته في: التاريخ الكبير ٨/٤١٩، كتاب المجروحين ٣/١٤٢، الجرح والتعديل ٩/٣٣٠، ميزان الاعتدال ٤/٤٥٦. ٩ عبد الله بن جراد، مجهول لا يصح خبره، ولا يعرف، وهو ضعيف الحديث، كذا قال عنه أبو حاتم الرازي وغيره. وانظر: الجرح والتعديل ٥/٢١، ميزان الاعتدال ٢/٤٠٠. ١٠ في (س): عمي.
[ ١٢٩ ]
يتمارى فيه، أحب إلي من أن أصوم يومًا من شعبان ليس منه"، يعني ليس من رمضان١.
وهذا الحديث كما قال ابن الجوزي: لا أصل له عن رسول الله ﷺ، ولا ذكره أحد من الأئمة الذين جمعوا السنن، وترخصوا في ذكر الأحاديث الضعاف، وإنما هو مذكور في نسخة يعلى بن الأشدق، عن ابن جراد، وهي نسخة موضوعة٢/٣.
قال أبو زرعة الرازي٤: يعلى بن الأشدق ليس بشيء٥.
وقال البخاري: يعلى لا يكتب حديثه٦.
وقال أحمد بن عدي الحافظ: روى يعلى بن الأشدق عن٧ عمه عبد الله ابن جراد، عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمه غير معروفين٨.
وقال أبو حاتم ابن حبان الحافظ: لا تحل الراوية عنه بحال، ولا الإحتجاج به٩.
_________________
(١) ١ رواه ابن الجوزي في التحقيق، ورقة ٢١٣/ب، وانظر نصب الراية ٢/٤٤٠. ٢ انظر: التحقيق ورقة ٢١٣/ب، ونصب الراية ٢/٤٤٠. ٣ نهاية ل ١٧ من (س) . ٤ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد المخزومي، مولاهم أبو زرعة الرازي، أحد الأئمة الأعلام، ومن كبار حفاظ الحديث، قال عنه الإمام أحمد: ما جاوز الجسر أحفظ منه، وثقه غير واحد من المحدثين، مات بالري سنة ٢٦٤هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ١٠/٣٢٦، طبقات الحنابلة ١/١٩٩، طبقات الحفاظ ٢٥٣، شذرات الذهب ٢/١٤٨. ٥ ميزان الاعتدال ٤/٤٥٧. ٦ المصدر السابق، والتاريخ الكبير ٨/٤١٩. ٧ في (س): وعن. ٨ الكامل لابن عدي ٧/٢٧٤٢. ٩ كتاب المجروحين لابن حبان ٣/١٤٢.
[ ١٣٠ ]
فإذا كان كذلك، فكيف يقول الخصم عن١ حديث يعلى: فيه كفاية عما سواه، ويعيب من يأخذ بحديث صحيح قد فسّره صحابي، وينسبه إلى الهوى؟
وكيف يجوز أن يقول: قال رسول الله ﷺ: "لأن أفطر يومًا من رمضان يُتمارى فيه، أحبّ إليّ من أن أصوم يومًا من شعبان"؟.
أما علم أنه قد ورد في الحديث الصحيح، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من روى عني حديثًا يرى٢ أنه كذب، فهو أحد الكذابين ٣"٤.
وبالجملة فالأدلة والمناقشة في هذه المسألة مما يطول ذكرها، وكأن المالكية والحنفية لما تعارضت عليهم أدلة النهي عن صوم الشك، وأدلة الوجوب، لا سيما حديث "سرر الشهر"، قالوا بجواز صوم يوم الشك من غير حرمة٥.
قال في المواهب٦، للحنفية: في حديث "سرر شعبان" هذا: يقيد استحبابه –يعني الصوم- لا وجوبه، لأنه معارض بنهي التقدم بصيام يوم أو يومين٧ - انتهى.
وبعضهم يحمل التقدم على صوم٨ رمضان جمعًا بين الأدلة.
والكلام مما يطول وفيما ذكرناه كفاية المتبصر، والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ١ في (س): من. (يرى) بضم الياء، هذا هو المشهور، وذكر بعضهم جواز فتحها، قال النووي: وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء فمعناه: يظن، وأما من فتحها فظاهر ومعناه: وهو يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يظن أيضًا. وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١/٦٤-٦٥. ٣ هذه اللفظة أخرجها أحمد في المسند ٥/٢٠، من حديث سمرة بن جندب، وأما اللفظة الواردة في صحيح مسلم فهي (الكاذبين) بكسر الباء. ٤ أخرجه مسلم في صحيحه في المقدمة ١/٩، عن المغيرة بن شعبة ﵁. ٥ بدائع الصنائع ٢/٧٨، مجمع الأنهر ١/٢٣٥، التفريع ١/٣٠٤، حاشية العدوي ١/٣٩١. ٦ لمن أقف على هذا الكتاب. ٧ انظر: حاشة مراقي الفلاح ٤٣٠-٤٣٣، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١/٣٧. ٨ في (س): بصوم.
[ ١٣١ ]
خاتمة
العاقل من ترك الإعتراض على الأئمة، لأنهم قد مهدوا مذاهبهم، ونقحوا أدلتهم، واستنبطوا الأحكام من الكتاب والسنة، بعد بذل الجهد مع ذكاء القرائح، ورب دليل مرجوح١ عند مجتهد، راجح عن آخر، ورب حديث صحيح عند قوم، ضعيف عند آخرين.
والموجب لاجتهاد٢ الأئمة، أو مخالفة بعضهم بعضًا، إنما هو تعارض الأدلة، وورود الأحاديث من طرق مختلفة بمعاني مختلفة كما مر في هذه المقدمة.
فالسعيد من سلم، وقلد من شاء، ولم يتكلم، لا سيما وقد قرر الأئمة على أحد القولين أن كل مجتهد مصيب، وأن المذاهب كلها صواب، [وأنها من باب جائز وأفضل، لا من باب صواب] ٣ وخطأ٤.
ورجح كثير من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تعالى في كل واقعة تابع لظن المجتهد، وهو أحد القولين للأئمة الأربعة٥، ورجحه القاضي
_________________
(١) ١ في (س): مرجوع. ٢ في (س): الإجتهاد. ٣ ما بين القوسين أسقط من (س) . ٤ انظر: كشف الأسرار ٤/١٨، نشر بنود ٢/٣٢٨، التمهيد للأسنوي ٥٣٢، العدة ٥/١٥٤٩. ٥ انظر: تيسير التحرير ٤/٢٠٢، شرح تنقيح الفصول ٤٣٨، البرهان ٢/١٣١٩، التمهيد لأبي الخطاب ٤/٣١٢-٣١٣، أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٢٧٠، شرح مختصر ابن الحاجب ٣/٣١٠.
[ ١٣٢ ]
أبو بكر١، وقال: الأظهر من كلام الشافعي (رضي الله تعالى عنه) ٢، والأشبه بمذهبه ومذهب /٣ أمثاله من العلماء: القول بأن كل مجتهد مصيب٤.
وقال به٥ ابن سريج٦، والقاضي أبو حامد٧، وأكثر العراقيين٨.
_________________
(١) ١ هو محمد بن الطيب بن محمد البصري، القاضي أبو بكر ابن الباقلاني، من كبار علماء الكلام، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، جيد الاستنباط، سريع الجواب، وكان ثقة إمامًا بارعًا، وله مناظرات مع علماء النصارى بين يدي أحد ملوكهم. من مصنفاته الكثيرة: إعجاز القرآن، والإنصاف، ومناقب الأئمة، والتمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والخوارج والمعتزلة. مات ببغداد سنة ٤٠٣هـ. ترجمته في: وفيات الأعيان ٤/٢٦٩، سير أعلام النبلاء ١٧/١٩٠، الديباج المذهب ٢٦٧، الأعلام ٦/١٧٦. ٢ أسقط من (ك)، (س) . ٣ نهاية ل ١٣ من الأصل. ٤ انظر: البرهان ٢/١٣٢٧، الإبهاج ٣/٢٥٩، نهاية السول ٤/٥٦٠. ٥ في (س): له. ٦ أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العباس القاضي، فقيه الشافعية في زمنه، ولي القضاء بشيراز، وقام بنصرة المذهب الشافعي، فنشره في معظم الآفاق، وكان يلقب بالباز الأشهب، ومن جيد كلامه قوله: ما رأيت من المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه، ولا يصل إلى معرفة الكلام، له نحو أربعمائة مصنف، منها: الودائع لمنصوص الشرائع، وطبقات الفروق في الفروع، مات ببغداد سنة ٣٠٦هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ٤/٢٨٧، طبقات السبكي ٣/٢١، هدية العارفين ١/٥٧، الأعلام ١/١٨٥. ٧ محمد بن محمد محمد بن أحمد الطوسي، القاضي، أبو حامد الغزالي الفقيه، الأصولي، صاحب التصانيف، برع في المذهب الشافعي، وفي الأصول، والخلاف والجدل، وغيرها، وكان شديد الذكاء قوي الإدراك، ذا فطنة ثاقبة وغوص على المعاني، من مصنفاته العديدة: إحياء علوم الدين، والمستصفى، والبسيط، والوسيط، والوجيز، مات سنة ٥٠٥هـ. ترجمته في: وفيات الأعيان ٤/٢١٦، طبقات السبكي ٦/١٩١، سير أعلام النبلاء ١٩/٣٢٢، الأعلام ٧/٢٢. ٨ انظر: الإبهاج ٣/٢٥٨، نهاية السول ٤/٥٦٠، المستصفى ٢/٣٦٤.
[ ١٣٣ ]
ومن الحنفية أبو يوسف، ومحمد بن الحسن١، وأبو زيد٢ الدبوسي٣.
قال العلامة المازري٤: إن قول من قال: إن الحق في طرفين، هو قول أكثر أهل التحقيق من العلماء والمتكلمين، وهو مروي عن الأئمة الأربعة [رضوان الله وسلامه عليهم] ٥، وإن حكي عن كل اختلاف فيها٦.
قال القاضي عياض٧: القول بتصويب المجتهدين هو الحق، والصواب
_________________
(١) ١ محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، صاحب أبي حنيفة، أخذ عنه الفقه، وعن أبي يوسف، وأخذ عنه الشافعي، وأبو عبيد وغيرهما، ولي القضاء للرشيد، وكان مع تبحره في الفقه شديد الذكاء، لينه النسائي وغيره من قبل حفظه، وضعفه آخرون. مات بالري سنة ١٨٩هـ. ترجمته في: الفوائد البهية ١٦٣، الجرح والتعديل ٧/٢٢٧، كتاب المجروحين ٢/٢٧٥، ميزان الاعتدال ٣/٥١٣. ٢ عبد الله بن عمر بن عيسى البخاري، أبو زيد الدبوسي، من كبار فقهاء الحنفية، وأول من وضع علم الخلاف، وأبرزه للناس، وكان من الأذكياء، من مصنفاته: تقويم الأدلة، والأسرار، والأمد الأقصى. مات سنة ٤٣٠ هـ ببخارى. ترجمته في: الجواهر المضية ٢/٤٩٩، الفوائد البهية ١٠٩، هدية العارفين ١/٦٤٨، الأعلام ٤/١٠٩. ٣ كشف الأسرار ٤/١٨، تيسير التحرير ٤/٢٠٢، فواتح الرحموت ٢/٣٨٠. ٤ هو محمد بن علي بن عمر التميمي، أبو عبد الله المازري، نسبته إلى مازر، بجزيرة «صقلية»، وهو أحد فقهاء المالكية، وأحد الأئمة الأعلام الذين يعول عليهم في حفظ الحديث، والإشتغال به، وكان بارعًا في الفقه، فلم يكن في زمنه من المالكية أفقه منه، وكان عارفًا بالطب والحساب والآداب وغيرها. من مصنفاته: المعلم بفوائد مسلم، وشرح التلقين، وغيرهما. مات سنة ٥٣٦هـ. ترجمته في: الديباج المذهب ٢٧٩، وفيات الأعيان ٤/٢٨٥، هدية العارفين ٢/٨٨، الأعلام ٦/٢٧٧. ٥ ما بين القوسين أسقط من (س)، (ك) . ٦ انظر كلام المازري في فتح الباري ١٣/٣٢٠. ٧ القاضي عياض بن موسى بن عياض، أبو الفضل اليحصبي، المالكي عالم المغرب، وإمام أهل الحديث في وقته، كان بارعًا متفننًا متمكنًا في شتى العلوم، وكان من أعلم الناس بكلام العرب، وأنسابهم وأيامهم، من مصنفاته: ترتيب المدارك، إكمال العلم، مشارق الأنوار، مات سنة ٥٤٤هـ. ترجمته في: الديباج ١٦٨، طبقات الحفاظ ٤٧٠، الأعلام ٥/٩٩.
[ ١٣٤ ]
عندنا١/٢ فالموفق من تدبر ما قررناه، وعذر الأئمة في تعارض الأدلة، وترك التعصب، وحمية الجاهلية، وترك الوقوع في أعراض العلماء.
فقد قال الحافظ٣ ابن عساكر٤: لحوم العلماء مسمومة، وهتك أستار منتقصهم معلومة، وقال أيضًا: لحوم العلماء سم، من شمها مرض، ومن ذاقها مات.
وقد أطلت الكلام على هذا في كتابنا: «تنوير بصائر المقلدين في مناقب الأئمة المجتهدين٥»، رضوان الله /٦ عليهم أجمعين.
فراجعه تعرف مقدار الأئمة، وعظمة جلالتهم، وانظر فيه إلى مدح بعضهم بعضًا، يحصل لك بذلك تنوير البصيرة في حقهم، جعلنا الله تعالى فيهم من المعتقدين٧، وبأقوالهم من المتمسكين، ولما اجتنبوه من المجتنبين،
_________________
(١) ١ أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٢٧٠، نشر البنود ٢/٣٢٨. ٢ نهاية ل ١٨ من (س) . ٣ هو الحافظ علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم ثقة الدين ابن عساكر الدمشقي، المؤرخ الرحالة، محدث الشام، كان من كبار الحفاظ المتقنين، ومن أهل الخير والصلاح، غزير العلم، كثير الفضل، جمع بين معرفة المتن والإسناد. من مصنفاته الكثيرة: تبيين كذب المفتري، الإشراف على معرفة الأطراف، تاريخ بدمشق سنة ٥٧١هـ. ترجمته في: وفيات الأعيان ٣/٣٠٩، طبقات الحفاظ ٤٧٥، الأعلام ٤/٢٧٣. ٤ انظر قول ابن عساكر في كتابه: تبيين كذب المفتري ٢٩. ٥ لا يزال الكتاب مخطوطًا، ومنه نسخة في دار الكتب المصرية برقم: (٧٧٢٩/خ)، وفي الجامعة الإسلامية نسخة مصورة للكتاب برقم: (١٢٥٢/ف) . ٦ نهاية ل ١٠ من (ك) . ٧ لعل قصد المؤلف هنا: اعتقاد الصلاح فيهم، وعلو منزلتهم العلمية، وحسن سيرتهم، واحترامهم وتقديرهم لبعضهم، وأنهم أهل لكل خير وعمل صالح. وأما إن كان قصده غير ذلك، فلا يقبل منه هذا بحال، وهذا اللفظ وأمثاله له احتمالات عدة، والأولى اجتناب مثل تلك العبارات لئلا تدخل المرء في أشياء مخالفة للشرع الإسلامي الحنيف.
[ ١٣٥ ]
محمد١ وآله، آمين، آمين، آمين.
قال مؤلفه العبد الفقير إلى الله تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي: قد فرغت من وضع هذه المقدمة بالجامع الأزهر، نهار الأربعاء سادس شهر شعبان، سنة ألف وثلاث وعشرين، والله الموفق والمعين.
وكان الفراغ من كتابة هذه المقدمة، على يد العبد الفقير: عبد الرحمن ابن يوسف بن غنايم بن عنايا الحنبلي، المقدسي، الأزهري، الشامي، سنة ١١٥٤، ألف ومائة في شهر الله المحرم، نهار سادس وعشرين، نهار الخميس، سنة ألف ومائة وأربعة وخمسين.
_________________
(١) ١ إن أراد التوسل به ﷺ فهذا لا يجوز بعد وفاته ﵊، بل هو من الشركيات، إذ التوسل لا يصح إلا بالله تعالى، فهو النافع الضار، والتوسل بغير شرك، وإن أراد به الحلف فلا يجوز أيضًا، ففي كلا الحالين، لا يصح استعمال مثل هذه العبارة، والأولى التمسك بالكتاب والسنة، واختيار الألفاظ الواردة فيهما، والدارجة على ألسنة السلف الصالح، والله تعالى أعلم.
[ ١٣٦ ]