مقدمة المؤلف
القسم التحقيقي
بسم الله الرحمن الرحيم
[وبه ثقتي، وعلي توكلي] ١
[اللهم] ٢ لا آلاء إلا آلاؤك، يا ذا الآلاء لا إله إلا أنت، لا معونة إلا بك، الحمد لله ذي الطول والإحسان، [والعفو والغفران] ٣، والجود والإمتنان، الذي جعل عدة الشهور اثني عشر شهرًا من قديم الزمان، وجعل أعظمها، وأفضلها شهر رمضان، وأوجب صيامه، وسن قيامه على أهل الإيمان، أحمده سبحانه على ما منح من مزيد فضل وعرفان، وأشكره شكر معترف بنعمه، مغترف من بحر كرمه وموجه الهتان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ينزاح معها غيم الشك٤، ويلوح بها هلال الإيقان، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أفضل العالمين على الإطلاق، وسيد الأكوان، صلى الله وسلم عليه صلاة تملأ العرش والفرش والأركان، وعلى آله وأصحابه، [القائل كثير منهم: لأن أصوم يومًا من] ٥ شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان٦. صلاة وسلامًا دائمين متلازمين، لا يعتريهما نقصان، وسلم تسليمًا.
أما بعد: فيقول أحقر الورى، وأذل الفقراء، مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي: إن الأئمة العلماء المجتهدين٧، والسادة الفضلاء
_________________
(١) ١ زيادة من: (ك) . ٢ زيادة من: (ك) . ٣ أسقط من: (ك) . ٤ في (س): الشرك. ٥ ما بين القوسين: طمس في: (س) . ٦ سيذكر المصنف هذا الأثر مسندًا عن بعض الصحابة ﵃، وسيأتي تخريجه في مواضعه إن شاء الله تعالى. ٧ المجتهدين. طمست في (س) .
[ ٤٧ ]
الراسخين، قد اختلفوا في صوم يوم الشك قديمًا وحديثًا، ورووا بذلك آثارًا وحديثًا.
فمنهم من ذهب إلى وجوب صومه احتياطًا.
ومنهم من ذهب إلى تحريمه استباطًا.
ومنهم من ذهب إلى جواز صومه مع كراهة التنزيه.
ومنهم من ذهب إلى الجواز من غير كراهة ولا تمويه.
ولم يزل الناس في أمر صوم يوم الشك، كل عام يضطربون، ويحتارون في أنفسهم كيف يصومون؟ ولمن يقلدون؟
فلما رأيت ذلك، وشاهدت ما هنالك، أحببت أن أذكر في هذه المسألة بيان١ مذاهب الأئمة الأربعة٢ المجتهدين، وبيان أدلتهم في ذلك، ترغيبًا للمقلدين، ناحيًا في ذلك سبيل الإنصاف، مجانبًا طريق الميل والإعتساف، وسميته: (تحقيق الرجحان بصوم يوم الشك من رمضان)
فأقول وبالله التوفيق، ومنه أرجو الهداية إلى أقوم طريق:
_________________
(١) ١ بيان. أسقطت من (ك) . ٢ الأربعة. أسقطت من (س) .
[ ٤٨ ]
مقدمة
اعلم –وفقك الله تعالى- أن الشك عبارة عما استوى فيه طرف١ العلم والجهل٢، وذلك بأن يغم هلال رمضان، بنحو سحاب وقتر٣ في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فيقع الشك في اليوم٤ الثلاثين أنه من شعبان أو رمضان.
وهذه المسألة، قد اختلف فيها علماء السلف ومن بعدهم:
فمنهم من صام يوم الشك من رمضان٥ مطلقًا في الصحو والغيم٦ احتياطًا، وبعضهم كره صومه مطلقًا في الصحو والغيم٧ كراهة الزيادة في الشهر.
وبعضهم فرق /٨ بين الصحو والغيم، لظهور العدم في الصحو دون الغيم، فالذين صاموه احتياطًا إنما صاموه لجواز أن يكون قد رآه غيرهم فيقضونه فيما بعد، وأما لو علموا أنه لم يره أحد لم يصوموا٩.
_________________
(١) ١ في (س): طفر. ٢ انظر: التعريفات ١٢٨، المطلع ٢٦، ١٥٥، تحرير التنبيه ٣٦، الدر النقي ٢/١٠٠، تهذيب الأسماء واللغات ٣/١٦٦، القاموس المحيط ٣/٣١٩، الصحاح ٤/١٥٩٤، معجم لغة الفقهاء ٢٦٥. ٣ القتر: الغبار. ٤ في (ك): يوم. ٥ رمضان: أسقطت من (ك) . ٦ في (س): لا الغيم. ٧ في الصحو والغيم. أسقطت من (ك) . ٨ نهاية ل ٢، من (س) . ٩ سيبين المصنف هذا عند بيان أقوال الفقهاء بعد قليل.
[ ٤٩ ]
كما أن الجمهور الذين كرهوا صومه، لم يلتفتوا إلى هذا الجواز، إذ الحكم ممدود إلى وقوع الرؤية لا إلى جوازها١.
واختلف هؤلاء، هل يجوز صومه أو يكره أو يحرم أو يستحب أن يصام بنية غير رمضان إذا لم يوافق عادة؟
على أربعة أقوال: هذا يجوزه، وهذا يستحبه حملًا للنهي عن صوم رمضان، وهذا يكرهه، وهذا يحرمه لنهيه عن التقدم، ولخوف الزيادة، ولمعان أخر٢.
ثم إذا صامه بغير نية رمضان، أو بنية المكروه، فهل يجزئه إذا تبيّن من رمضان، أو لا يجزئه، بل عليه القضاء؟ قولان للأئمة٣.
وإذا لم يتبين أنه رؤي إلا من النهار، فهل يجزئه إنشاء النية من النهار؟ قولان للأئمة٤.
ولو تبين أنه رؤي في مكان آخر، فهل يجب القضاء أم لا يجب مطلقًا؟
أم يجب إذا كان دون مسافة قصر؟
أم إذا كانت الرؤية في الإقليم؟
أم إذا كان العمل واحدًا؟ ٥.
وهل تثبت الرؤية بقول الواحد أو الإثنين مطلقًا؟ ٦، أم لا بد في
_________________
(١) ١ سيبين المصنف هذا عند بيان أقوال الفقهاء بعد قليل. ٢ سيبين المصنف هذا عند بيان أقوال الفقهاء بعد قليل. ٣ سيبين المصنف هذا عند بيان أقوال الفقهاء بعد قليل. ٤ إذا ثبت أنه لم يُر إلا نهارًا: فعند المالكية والحنابلة يلزمه الإمساك ويقضي. وقال الحنفية: يمسك بقية يومه، ويصح صومه إن نوى ذلك قبل الزوال، ولا قضاء عليه. وقال الشافعية: يلزم القضاء. وفي الإمساك قولان لهم. أصحهما: أن الإمساك يلزمه. وانظر: بدائع الصنائع ٢/٧٩، ٨٥، الشرح الصغير للدردير ١/٢٤٢، المهذب ١/١٧٩، حلية العلماء ٣/١٧٩، المقنع ١/٣٦٠. ٥ انظر: الاختيار ١/١٢٩، الشرح الكبير للدردير ١/٥١٠. روضة الطالبين ٢/٣٤٨، حلية العلماء ٣/١٥٠. الكافي لابن قدامة ١/٣٤٨، الإفصاح ١/٢٤٥. ٦ مطلقا. أسقطت من (ك) .
[ ٥٠ ]
الصحو من عدد كثير؟ ١.
خلاف بين الأئمة كل ذلك مبسوط في كتب الفقه، والذي يخصنا هنا مجرد٢ بيان مسألة صوم يوم الشك، (والله ﷾ أعلم) ٣.
_________________
(١) ١ خلاصة الخلاف في هذه المسألة: هو أنه تقبل شهادة الواحد العدل إن كانت السماء مغيمة. أما إذا لم تكن مغيمة فلا تقبل إلا بشهادة جمع يقع العلم بخبرهم. وفي رواية: يكفي أن يشهد اثنان فقط، هذا عند الحنفية. وأما عند المالكية: فلا بد من شاهدين صحوًا كانت السماء أو مغيمة. والأصح عند الشافعية أنه يكفي عدل واحد مطلقًا، وقيل لا بد من اثنين. وأما عند الحنابلة فالمشهور ثبوت رؤية هلال رمضان بشهادة عدل واحد مطلقًا. وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يثبت الصوم إلا بشهادة اثنين. وانظر: تحفة الفقهاء ١/٣٤٦، مجمع الأنهر ١/٢٣٥، المنتقى ٢/٣٦، التفريع ١/٣٠١، المجموع ٦/٢٧٧، ٢٨٢، مغني المحتاج ١/٤٢٠، المغني ٣/١٥٧، المحرر ١/٢٢٨. ٢ مجرد. أسقطت من (ك) . ٣ زيادة من (ك) و(س) .
[ ٥١ ]