اختلف العلماء في عد هذه الأوقات أوقات نهي على أربعة أقوال:
الأول: أن الأوقات الخمسة كلها أوقات نهي وهي من بعد الفجر١ حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى ترتفع، وإذا استوت حتى تزول، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، ومن حين تتضيف للغروب حتى تغرب.
وبه قال الحنفية٢، والحنابلة٣، وكذا الشافعية إلا أنهم استثنوا وقت الزوال يوم الجمعة٤، وروى الترخيص يوم الجمعة عن طاوس والحسن ومكحول والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق وأبي يوسف٥، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية٦، وقال ابن مفلح في الفروع:٧ "وظاهر الجواز ولو لم يحضر الجامع ".
ومن هؤلاء من جعل الأوقات الخمسة ثلاثة حيث جعل من بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح وقت ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس وقت، وهذا هو الذي حكاه ابن قدامة في المغني عن الإمام أحمد حيث قال: "اختلف أهل العلم في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى أنها من بعد الفجر حتى ترتفع
_________________
(١) ١ ويأتي في المبحث الثاني اختلاف العلماء في تعلق النهي هل هو بطلوع الفجر أو بصلاة الفجر. ٢ مختصر الطحاوي ص ٢٤، الهداية ١/ ٤٠- ا ٤، الاختيار لتعليل المختار ١/ ٤٠- ا ٤، اللباب في شرح الكتاب ١/٨٨-٨٩ ٣ انظر الهداية ١/ ١ ٤، المقنع ص ٣٥، الفروع ١/٥٧٢، الإنصاف ٢/ ١ ٢٠-٢٠٣، الإقناع ١ /١٥٧، شرح منتهى الإرادات ١/٢٤٢ ٤ انظر المهذب ١/٩٢-٩٣، روضة الطالبين ١/١٩٤، كفاية الأخيار ١/١٣٠- ا ١٣، مغنى المحتاج ١/١٢٨. ٥ انظر الأوسط ٤/ ١ ٩، السنن الكبرى ٢/ ٤٦٥، معرفة السنن والآثار ٣/ ٤٣٩، المغني ٢/ ٥٣٦، بدائع الصنائع ١/ ٢٩٦. ٦ انظر الاختيارات الفقهية: ص ٦٦، الإنصاف ٢/ ٢ ٢٠. ٧ ١ / ٥٧٢.
[ ٢٢٧ ]
الشمس قدر رمح وبعد العصر حتى تغرب الشمس وحال قيام الشمس حتى تزول، وعدها أصحابه خمسة أوقات من الفجر إلى طلوع الشمس وقت ومن طلوعها إلى ارتفاعها وقت وحال قيامها وقت ومن العصر إلى شروع الشمس في الغروب وقت وإلى تكامل الغروب وقت "١ أهـ.
وممن جزم بأن الأوقات ثلاثة من الحنابلة مرعي بن يوسف في دليل الطالب حيث قال: "فصل في أوقات النهي وهي من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح ومن العصر إلى غروب الشمس وعند قيامها حتى تزول "٢.
ومن الشافعية النووي حيث قال: "وتكره الصلاة عند الاستواء إلا يوم الجمعة وبعد الصبح حتى ترتفع الشمس كرمح والعصر حتى تغرب "٣.
القول الثاني: أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أربعة، وهي الأوقات التي ذكرها أصحاب القول الأول عدا وقت الزوال مطلقا أي بدون فرق بين يوم الجمعة وغيره، وبه قال المالكية٤.
الثالث: أنها أربعة أيضا وهي المذكورة في القول الأول كذلك، عدا بعد العصر
وبه قال بعض العلماء٥. وممن رخص في الصلاة بعد صلاة العصر علي وعائشة والزبير وابنه وتميم الداري والنعمان بن بشير وأبو أيوب الأنصاري ﵃ أجمعين٦. الرابع: أنها ثلاثة فقط وهي المذكورة في حديث عقبة بن عامر ﵁ وهي حين تطلع الشمس حتى ترتفع وعند استوائها حتى تزول وحين تتضيف للغروب حتى تغرب وبه قال ابن المنذر٧.
_________________
(١) ١ المغنى ١/٥٢٣. ٢ دليل الطالب ص ٤١، وانظر أيضا منار السبيل ١/١١٦. ٣ انظر المنهاج مع مغني المحتاج ١/١٢٨. ٤ انظر الكافي ١/١٦٥، بداية المجتهد ١/١٢٧، القوانين الفقهية ص ٥٣، مختمر خليل ص ٢٤. ٥ حكى ذلك ولم ينسبه لأحد ابن عبد البر في الاستذكار ١٤٩/١، وابن رشد في بداية المجتهد ١٢٧/١. ٦ انظر المغنى ٢/٥٢٧. ٧ انظر الإقناع لابن المنذر ١/٨٣، المغنى ٢/ ٥٢٤.
[ ٢٢٨ ]
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول على أن أوقات النهى خمسة:
بالأحاديث السابقة في حكم أوقات النهى حيث دلت على خمسة أوقات نهى عن الصلاة فيها.
واستدل الشافعية ومن معهم على استثناء يوم الجمعة بما يأتي:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة ١.
٢- عن أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال: "إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة ٢.
٣- أن النعاس يغلب في هذا الوقت فيطرد بالتنفل خوفا من انتقاض الوضوء، لأن الخروج من المسجد فيه مشقة٣.
٤- أن الناس ينتظرون الجمعة في هذا الوقت وليس عليهم قطع النوافل، لأن النبي ﷺ استحب التبكير إلى الجنة ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء٤.
واستدل أصحاب القول الثاني على استثناء وقت الزوال: بعمل أهل
_________________
(١) ١ أخرجه الشافعي في مسنده ص ٦٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/٤٦٤، والبغوي في شرح السنة ٣/ ٣٢٩، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/١٨٨ "وإسحاق وإبراهيم ضعيفان.. ورواه الأثرم بسند فيه الواقدي وهو متروك ". ٢ رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال١/٦٥٣حديث ١٥٨٣ وقال هو مرسل مجاهد أكبرمن أبي الخليل وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ١٨٩: "وفيه ليث بن أسلم وهو ضعيف "، ورواه أيضا البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٦٤ وقال: وله شواهد وإن كانت أسانيدها ضعيفة!. وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار ٣/٤٣٨: "ورواية أبي هريرة وأبي سعيد في إسنادها من لا يحتج به ولكنها إذا انضمت إلى رواية أبي قتادة أخذت بعض القوة". وضعف النووي في المجموع ١٧٥/٤ حديث الرخصة في الصلاة يوم الجمعة عند الزوال. ٣ انظر المهذب ١/٩٣، كفاية الأخيار ١/ ١٣١. ٤ انظر السنن الكبرى ٢/ ٤٦٥، المغني ٢/ ٥٣٦، المجموع ٤/ ١٧٥- ١٧٦.
[ ٢٢٩ ]
المدينة، حيث لم يجد الإمام مالك العمل عندهم باعتبار وقت الزوال وقت نهى فاعتقد أن النهى منسوخ بعلمهم١.
واستدل أصحاب القول الثالث على استثناء ما بعد العصر بما يأتي:
ا- ما ثبت من فعل النبي ﷺ لذلك كما في حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قط " ٢.
٢- عن عائشة ﵂ أنها قالت وهم عمر إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها ٣.
٣- عن علي ﵁ أن النبي ﷺ: " نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة" ٤.
واستدل أصحاب القول الرابع بما يأتي:
أ- حديث عقبة بن عامر الذي فيه: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا.. الحديث٥.
٢- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" ٦.
٣- حديث عائشة وعلي ﵄ السابقين قريبا في أدلة أصحاب القول الثالث.
_________________
(١) ١ انظر بداية المجتهد ١/١٢٨. ٢ أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي ﷺ بعد العصر ١/٥٧٢ حديث ٨٣٥. ٣ أخرجه مسلم في الكتاب السابق باب لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ١/٥٧١ حديث ٨٣٣. ٤ أخرجه أبو داود واللفظ له في كتاب الصلاة باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة ٥٥/١ حديث ١٢٧٤، والنسائي في كتاب المواقيت باب الرخصة في الصلاة بعد العصر ١/ ٢٨٠. وقال النووي في المجموع٤/١٧٤: "إسناده حسن " وصححه الألباني، انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢٣٧. ٥ سبق تخريجه ص ٢٢٥ ٦ سبق تخريجه ص ٢٢٤.
[ ٢٣٠ ]
الترجيح:
من دراسة الأقوال في المسألة وأدلتها يتبين أن الراجح والله أعلم القول الأول وهو أن الأوقات الخمسة كلها أوقات نهى لدلالة الأحاديث الصحيحة على ذلك، ويمكن جعلها ثلاثة لأن حال الطلوع إلى الارتفاع متصل بما بعد الفجر وحين تتضيف الشمس للغروب داخل في النهى بعد العصر إلى الغروب، فلعل الذين جعلوها خمسة نظروا إلى الأحاديث حيث ذكرتها كذلك.
وأما أدلة الشافعية ومن معهم على استثناء يوم الجمعة فيجاب عنها بما يأتي:
١- حديثا أبى هريرة وأبي قتادة ضعيفان كما سبق ذلك في تخريجهما، وعلى فرض صحتهما فإنهما لا يقويان على معارضة حديث عقبة بن عامر الذي دل بعمومه على النهي عن الصلاة وقت الزوال بدون تفريق بين الجمعة وغيره.
٢- قولهم إن النعاس يغلب في هذا الوقت فيطرد بالتنفل، اجتهاد مع النص لاسيما أن هذا يصلح لمن حضر الجمعة، والأصح عندهم جواز التنفل في هذا الوقت مطلقا سواء حضر الجمعة أولا١.
٣- قولهم إن الناس ينتظرون الجمعة وليس عليهم قطع النوافل، لأن النبي ﷺ رغب فيها إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء يمكن الجواب عنه بأنه اجتهاد مع النص، ويجب قطع النوافل، إذا حضر وقت النهي لأن ترغيب النبي ﷺ المقصود به الحث على فعل النوافل وعموم ذلك مخصوص بأحاديث النهى.
وأما استدلال أصحاب القول الثاني على استثناء وقت الزوال مطلقا بعمل أهل المدينة واحتمال أن النهى منسوخ بعلمهم فغير مسلم. لاسيما أنه روى عن بعض الصحابة ﵃ أنهم استثنوا من أوقات النهى ما بعد العصر حيث رخصوا
_________________
(١) ١ انظر روضة الطالبين ١/١٩٤، مغني المحتاج ١/١٢٨.
[ ٢٣١ ]
في الصلاة بعدها١، ولم ينقل عنهم الرخصة في غيرها فدل ذلك على أن النهى عند الزوال باق عندهم.
وأما أدلة أصحاب القول الثالث فأجيب عنها بما يأتي:
١- فعل النبي ﷺ للركعتين بعد العصر من خصائصه صلى الله عليه وسلم٢، لأن ذكوان مولى عائشة روى أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال ٣.
ولما روى أبو سلمة أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر فقالت كان يصليهما قبل العصر ثم انه شغل عنهما أونسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة أثبتها ٤.
٢- رد عائشة خبر عمر ﵄ الدال على النهى عن الصلاة بعد العصر فيه نظر، لأن عمررضي الله عنه مثبت لروايته عن النبي ﷺ ورواه غيره من الصحابة أبو سعيد وعمرو بن عبسه وأبو هريرة وابن عمر والصنابحي وأم سلمة، وعائشة ﵂ لعلها قالت برأيها٥. وعلى القول بروايتها أن النبي ﷺ إنما نهى أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها فإن أكثر ما فيه إثبات النهي في هذين الوقتين والنهي بعد العصر ثبت بالأحاديث الأخرى.
٣- حديث علي ﵁ دل على جواز الصلاة بعد العصر إذا كانت الشمس مرتفعة بالمفهوم والأحاديث الأخرى دلت على المنع بمنطوقها والمنطوق مقدم على المفهوم.
_________________
(١) ١ كما سبق ذلك في القول الثالث. ٢ انظر كشاف القناع ١/٤٥٣. ٣ أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة ١/٥٩، حديث ١٢٨٠ وضعفه الألباني. في ضعيف سنن أبي داود ص ١٢٥ وقال في إرواء الغليل ٢/ ١٨٩:" ورجال إسناده ثقات ولكن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه " اهـ. وأحاديث النهي عن الوصال في الصوم صحيحة. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٧/ ٢١١- ٢١٥. ٤ أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب معرفة الركعتين كان يصليهما النبي ىسيم بعد العصر ١/٥٧٢ حديث ٨٣٥. ٥ انظر المغني ٢/ ٥٢٥.
[ ٢٣٢ ]
وأما أدلة أصحاب القول الرابع: فأكثر ما فيها إثبات النهي في تلك الأوقات الثلاثة وليس فيها ما يدل على الإباحة فيما عداها، فبقية الأحاديث أثبت بقية أوقات النهي الخمسة والله أعلم بالصواب.
[ ٢٣٣ ]
المبحث الثاني