التطوع في مكة وقت النهي
اختلف العلماء في حكم صلاة التطوع في مكة في أوقات النهي على قولين:
الأول: أنها لا تكره وهذا هو المشهور عند الشافعية١.
الثاني: أنها تكره ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، وبه قال أبو حنيفة، ومالك٢، وأحمد فيما عدا ركعتي الطواف٣، وهو وجه عند الشافعية٤.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١- عن أبي ذر ﵁ أنه أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد الفجر حتى تطلع الشمس إلا بمكة إلا بمكة" ٥.
٢- عن جبيربن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا
_________________
(١) ١ انظر: المهذب ١/٩٣، المجموع ٤/٧٧ا-١٧٩، روضة الطالبين ١/ ١٩٤، حلية العلماء ٢/١٨٢. ٢ حيث سبق أنهما قالا بعدم جواز ركعتي الطواف في وقت النهي. ٣ أما ركعتا الطواف فيجوز فعلهما في المشهور عنه كما سبق ذلك ص ٢٦٧ وانظر قوله في منع الصلاة في مكة المغني ٢/٥٣٥، كشاف القناع ١/٤٥٣. ٤ انظر: روضة الطالبين ١/١٩٤، المجموع ٤/١٧٩، حلية العلماء ٢/١٨٢، مغني المحتاج ١/ ١٣٠. ٥ رواه أحمد واللفظ له انظر الفتح الرباني ٢/ ٢٩٩، والدارقطني في كتاب الصلاة باب جواز النافلة عند البيت في جميع الأزمان ٤٢٤/١-٤٢٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٦١ وضعفه، وضعفه أيضا ابن قدامة في المغني ٢/ ٥٣٥، والنووي في المجموع ٤/١٧٨.
[ ٢٨٢ ]
طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" ١.
واستدل أصحاب القول الثاني على مساواة مكة بغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي بعموم النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، وأنه معنى يمنع الصلاة فاستوت فيه مكة وغيرها كالحيض٢.
واستدل من استثنى ركعتي الطواف بحديث جبير بن مطعم وغيره مما سبق في تلك المسألة٣.
والذي أراه في المسألة هو القول بأن مكة كغيرها من البلدان في المنع من التطوع في أوقات النهي ماعدا ركعتي الطواف فيجوز فعلهما فيها لما سبق بسطه في حكم ركعتي الطواف في أوقات النهي، ولأن القائلين باستثناء مكة وهم الشافعية أصرح أدلتهم هو حديث أبي ذر ﵁ وهو ضعيف كما سبق قريبا في تخريجه.
وأما حديث جبير بن مطعم فالمقصود بالصلاة الواردة فيه ركعتا الطواف فيختص الحكم بهما٤ ولأن القول بالمنع أحوط والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص ٢٧٠. ٢ انظر: المغني ٢/ ٥٣٥، كشاف القناع ٢/٤٥٣ ٣ أي مسألة حكم ركعتي الطواف في وقت النهي التي سبقت ص ٢٦٧. ٤ انظر: المغني ٢/ ٥٣٥.
[ ٢٨٣ ]
الخاتمة
بعد أن من الله ﷾ علىّ بإتمام هذا البحث أحب أن أختمه بذكر أهم النتائج التي توصلت إليها من خلاله دراستي له وتتلخص في النقاط التالية:
١- ثبوت النهي عن التطوع في بعض الأوقات وأن أحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات محكمة لم يدخلها النسخ.
٢- أن أوقات النهي التي اشتهر ذكرها في كتب الفقه خمسة هي من بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى ترتفع، وإذا استوت حتى تزول، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، ومن حين تتضيّف للغروب حتى تغرب. ويمكن جعلها ثلاثة وذلك باعتبار ما بعد الفجر حتى ترتفع الشمس وقت واحد وما بعد العصر حتى تغرب الشمس وقت واحد أيضا ولعل هذا هو الأولى وأن من جعلها خمسة إنما نظر إلى ورود الأحاديث بذلك حيث ذكر حديث عقبة ثلاثة أوقات هي عند طلوع الشمس حتى ترتفع وحال استوائها حتى تزول وحين تتضيّف للغروب حتى تغرب وذكرت أحاديث أخرى وقتين هما بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
٣- إجماع العلماء على عدم جواز النفل المطلق في أوقات النهي وإجماعهم أيضا على جواز صلاة الجنازة بعد الصبح وبعد العصر.
٤- يجوز عند الحنفية قضاء الفرائض وسجدة التلاوة بعد الصبح وبعد العصر ولا يجوز في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة فعل شيء من الصلوات إلا عصر اليوم فيصلى عند الغروب.
أما المالكية فيجوز عندهم في أوقات النهي قضاء الفرائض، وإعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى وحده.
[ ٢٨٤ ]
وأما الشافعية وأحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية فيرون جواز جميع الصلوات التي لها أسباب لا أوقات النهي.
وأما الحنابلة فيجيزون في أوقات النهي قضاء الفرائض وركعتي الطواف وإعادة الصلاة مع الجماعة.
٥- عدم جواز ركعتي الإحرام في أوقات النهي لدى المذاهب الأربعة.
٦- ترجح لدي جواز قضاء الفرائض، وركعتي الفجر بعد الصلاة وقضاء الوتر بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة وجواز تحية المسجد، وركعتي الطواف، وصلاة الكسوف وإعادة الصلاة مع الجماعة، وعدم جواز الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر ﵁، وعدم جواز الصلاة على القبر والغائب في جميع أوقات النهي، وعدم جواز ركعتي الإحرام والوضوء، وصلاة الاستسقاء، وعدم جواز السجود للتلاوة وسجود الشكر، وعدم جواز فعل المنذورة إلا إذا خشي عدم فعلها في غير أوقات النهي، وعدم جواز صلاة الاستخارة وأن مكة كغيرها من البلدان في المنع من التطوع في أوقات النهي إلا ركعتي الطواف.
٧- الذي ورد تعليل النهي عن الصلاة فيه من هذه الأوقات هو وقت طلوع الشمس ووقت غروبها حيث جاء في حديث عمرو بن عبسة "أنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار" وفي الغروب كذلك١.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن من علل النهي عن النفل المطلق في بعض الأوقات ما فيه من اجمام النفوس من ثقل العبادة كما يجم بالنوم وغيره ومن تشويقها وتحبيب الصلاة إليها فإن العبادة إذا خصت ببعض الأوقات نشطت النفوس لها أعظم مما تنشط للشيء الدائم٢.
_________________
(١) ١ وقد سبق تخرج الحديث ص ٢٣٥. ٢ انظر مجموع الفتاوى٢٣/١٨٧.
[ ٢٨٥ ]