اختلف العلماء في حكم تحية المسجد لمن دخله في أوقات النهي على قولين:
الأول: جوازها وبه قال الشافعية١ وأحمد في رواية اختارها أبو الخطاب في الهداية وشيخ الإسلام ابن تيمية وحكى المرداوي اختيارها عن ابن عقيل وابن الجوزي والسامرى وصاحب الفائق ومجمع البحرين٢.
الثاني: أنها لا تصلى في أوقات النهي وبه قال الحنفية٣ والمالكية٤، وهو المشهور
من مذهب الإمام أحمد وما عليه أكثر الأصحاب فيما عدا حال خطبة الجمعة٥.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأولى بما يأتي:
١- عن أبي قتادة السلمي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " ٦.
وفي لفظ لمسلم٧: "فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين".
_________________
(١) ١ هذا إن كان دخوله لغرض كاعتكاف أو درس علم أو انتظار صلاة أو نحو ذلك، أما إن كان دخوله لا لحاجة بل ليصلى التحية فقط فوجهان أرجحهما الكراهة كما لو تعمد تأخير الفائتة ليقضيها في أوقات النهي. انظر: روضة الطالبين ١٩٣/١، المجموع ٤/ ١٧٥، كفاية الأخيار ١/ ١٣٢. ٢ انظر: الهداية لأبي الخطاب ١/ ٤٢، المغني ٥٣٣/٢، مجموع الفتاوى ٢٣/ ١ ١٩، الإنصاف ٢٠٨/٢. ٣ انظر: مختصر الطحاوي ص ٢٤، رؤوس المسائل ص ١٦١، الهداية ١/ ٤٠. ٤ أنظر: الكافي ١/ ١٦٥، بداية المجتهد ١/ ٢٩ ١، تنوير المقالة ١٩٧/٢، مواهب الجليل ١٧/١ ٤ ٥ أما في حالة الخطبة فإنها تصلى. انظر لعدم الجواز: المغني ٥٣٣/٢، مجموع الفتاوى ٢٣/ ١ ٩ ١، الإنصاف٢/ ٢٠٩، وانظر لاستثناء حال الخطبة: المغني ١٩٢/٣، الفروع ١٢٣/٢، الإنصاف ٢/ ٢٠٩. ٦ أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين ١١٤/١، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقمرها باب استحباب تحية المسجد بركعتين وكراهة الجلوس قبل صلاتهما وأنها مشروعة في جميع الأوقات ٤٩٥/١ حديث ٧١٤. ٧ في الموضع السابق.
[ ٢٦٢ ]
وجه الدلالة من الحديث: أن فيه الأمر بركعتين قبل أن يجلس الداخل للمسجد، والنهي عن أن يجلس حتى يركعهما، وهو عام في كل وقت عموما محفوظا لم يخص منه صورة بنص ولا إجماع١.
٢- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال بينا النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال له النبيصلى الله عليه وسلم: "أصليت يا فلان ". قال: لا. قال: "قم فاركع ".
وفي لفظ: "ثم قال إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" ٢.
وجه الدلالة من الحديث: أنه فيه الأمر بصلاة تحية المسجد أثناء الخطبة وهو وقت نهي، بل إن هذا الوقت أشد نهيا من غيره لأنه منهي فيه عن كل ما يشغل عن الاستماع إلى الخطبة حيث ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قلت لصاحبك انصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " ٣، فإذا كان قد أمر بتحية المسجد في هذا الوقت فهو في سائر الأوقات أولى٤.
واستدل أصحاب القول الثاني:
بعموم النهي عن الصلاة في تلك الأوقات ومن ذلك:
أ- حديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" ٥.
ب- حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ الذي فيه: "ثلاث ساعات كان رسول الله جميع ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا " الحديث٦.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٩٢، المجموع ٤/ ١٧٣ -١٧٤. ٢ أخرج الحديث بعدة ألفاظ الإمام مسلم في كتاب الجمعة باب التحية والإمام يخطب ١/ ٥٩٦-٥٩٧ حديث ٨٧٥. ٣ سبق تخريجه ص ١٩٧. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٩٣، المجموع ٤/ ١٧٤. ٥ هذا اللفظ للإمام مسلم وقد سبق تخريجه ص ١٧٦. ٦ سبق تخريجه ص ١٧٩.
[ ٢٦٣ ]
وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النهي فيها عن الصلاة في تلك الأوقات للتحريم والأمر بتحية المسجد للندب وترك المحرم أولى من فعل المندوب١.
قلت: وأحاديث النهي عن الصلاة في بعض الأوقات وأحاديث الأمر بالصلاة
عند دخول المسجد كلها صحيحة وبينها عموم وخصوص حيث أن أحاديث النهي عامة في الصلوات خاصة في بعض الأوقات وأحاديث الأمر بالصلاة عند دخول المسجد عامة في الأوقات خاصة في بعض الصلوات مما جعل بعض العلماء يتوقف في الترجيح في المسألة كالشوكاني الذي قال: "وما كان بينه وبين أحاديث الباب- أي باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها- عموم وخصوص من وجه كأحاديث تحية المسجد وأحاديث قضاء الفوائت فلاشك أنه أعم من أحاديث الباب من وجه وأخص منها من وجه وليس أحد العمومين أولى من الآخر يجعله خاصا لما في ذلك من التحكم والوقف هو المتعين حتى يقع الترجيح بأمر خارج " ٢ اهـ.
ورجح النووي الجواز حيث قال: "فإن قيل حديث النهي عام في الصلوات خاص في بعض الأوقات وحديث التحية عام في الأوقات خاص في بعض الصلوات فلم رجحتم تخصيص حديث النهي دون تخصيص التحية؟ قلنا حديث النهي دخله التخصيص بالأحاديث التي ذكرناها في صلاة العصر وصلاة الصبح وبالإجماع الذي نقلناه في صلاة الجنازة وأما حديث تحية المسجد فهو على عمومه لم يأت له مخصص، ولهذا أمر النبي ﷺ الداخل يوم الجمعة في حال الخطبة بالتحية" (٣) اهـ.
ووافقه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث ذكر عدة مرجحات للجواز منها:
١- أن حديث تحية المسجد عام محفوظ لا خصوص فيه وأحاديث النهي ليس فيها حديث واحد عام بل كلها مخصوصة فوجب تقديم العام الذي لا خصوص فيه.
_________________
(١) ١ انظر: المغني ٢/ ٥٣٤، كشاف القناع ١/٤٥٣. ٢ نيل الأوطار ٣/ ٨٩، وأنظر أيضا بلوغ الأماني ٢/ ٢٧٩، العدة على إحكام الأحكام ٢/ ٤٧١-٤٧٢. ٣ المجموع ٤/٧٣ا-١٧٤، وانظر أيضا مغني المحتاج ١/ ١٣٠
[ ٢٦٤ ]
٢- "أنه قد ثبت أن النبي ﷺ أمر بصلاة تحية المسجد للداخل عند الخطبة والنهي عن الصلاة في هذا الوقت أشد بلا ريب، لأنه منهي عن كل ما يشغل عن الاستماع وفى الحديث: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " فإذا كان قد أمر بتحية المسجد في وقت الخطبة فهي في سائر الأوقات أولى "١.
فمن ذلك يظهر والله أعلم بالصواب أن القول بجواز تحية المسجد في كل وقت هو الأولى.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ٩٢ ا-١٩٩، ٠ ٢١- ا ٢٢.
[ ٢٦٥ ]