الصلاة على الجنازة
اتفق العلماء على جواز الصلاة على الجنازة بعد الصبح وبعد العصر١، واختلفوا في حكم الصلاة عليها في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر ﵁ وهي: عند طلوع الشمس وعند زوالها وحين تتضيف للغروب على قولين:
الأول: عدم الجواز وبه قال أكثر أهل العلم روى ذلك عن جابر وابن عمر وبه قال الثوري والأوزاعي وإسحاق٢ وأبو حنيفة٣ وأحمد في المشهور٤ ومالك٥ فيما عدا الزوال٦.
الثاني: أنها تجوز وبه قال الشافعي٧ وأحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية٨.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١- عن عقبة بن عامر الجهني قال: " ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين
_________________
(١) ١ انظر: الأم ١/ ٤٩ ١، المغني ١٨/٢ ٥، المجموع ٤/ ١٧٢، مجموع فتاوي شيخ الإسلام ٢٣/ ١٩١، المبدع٢/ ٣٦. ٢ انظر: المغني ١٨/٢ ٥، المجموع ٤/ ١٧٢. ٣ انظر: المبسوط ١/ ١٥٢، الهداية ١/ ٤٠، ألاختيار ١/ ٤٠. ٤ انظر: المغني ٥١٨/٢، الإنصاف ٢٠٦/٢، كشات القناع ٤٥٢/١. ٥ انظر: الكافي ٢٣٨/١، مواهب الجليل ٨/١ ١ ٤. ٦ لأن الزوال ليس وقت كراهة عنده كما سبق ذلك ص ٢٢٧ وانظر أيضا التفريع ٢٦٧/١. ٧ انظر: المهذب ١/ ٩٢، روضة الطالبين ١٩٣/١، كفاية الأخيار ١/ ١٣١. ٨ انظر: الهداية لأبي الخطاب ١/ ٤٢، مجموع فتاوي شيخ الإسلام ١٢/ ١٩١، الفروع ١/ ٥٧٤، الإنصاف٢٠٦/٢.
[ ٢٥٨ ]
يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب" ١.
ووجه الدلالة من الحديث أن ذكر النبي ﷺ للصلاة مقرونا بالدفن دليل على إرادة صلاة الجنازة٢.
٢- أنها صلاة من غير الصلوات الخمس فلم يجز فعلها في هذه الأوقات كالنوافل المطلقة٣.
وأما أصحاب القول الثاني:
فإنني لم أقف على دليل من كتب الشافعية التي أطلعت عليها يخص صلاة الجنازة بالجواز في الأوقات المذكورة وإنما يذكرونها ضمن ذوات الأسباب التي يجوز فعلها في جميع الأوقات كقضاء الفوائت وسجود التلاوة وصلاة الكسوف ونحوها ويجملون الأدلة وليس فيها ما يخص صلاة الجنازة٤.
ولكن ابن قدامة عند ذكره للرواية الثانية عن الإمام أحمد التي تجيز صلاة الجنازة في هذه الأوقات قال: "وهذا مذهب الشافعي لأنها صلاة تباح بعد الصبح والعصر فأبيحت في سائر الأوقات كالفرائض "٥.
وأجيب عن ذلك بأنه لا يصح قياس الأوقات الثلاثة على الوقتين الآخرين وهما ما بعد الفجر وما بعد العصر، لأن الأوقات الثلاثة زمنها أقصر فلا يخاف على الميت فيها من التغير أما الوقتين الآخرين فإن مدتهما تطول وتأخير الصلاة على الميت إلى انتهائها يخاف منه على الجنازة من التغير فأبيحت الصلاة عليها فيهما، وكذا لا يصح قياس صلاة الجنازة على الفرائض التي تصح في جميع الأوقات، لأن الفرائض آكد٦.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص ١٧٩. ٢ انظر: المغني ٥١٨/٢. ٣ المرجع السابق. ٤ أما ما عداها فورد ما يخصها كما يتضح ذلك عند دراسة كل مسألة منها. ٥ المغني ٥١٨/٢. ٦ المصدر السابق.
[ ٢٥٩ ]
فمن ذلك يترجح والله أعلم: عدم جواز الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة، وهو ما قال به أكثر أهل العلم، لقوة الدليل على ذلك، ولأنه لا ضرر في تأخيرها، أما إن تحقق الضرر فيصلى عليها. قال المرداوى: "محل الخلاف في الصلاة على الجنازة إذا لم يخف عليها أما إذا خيف عليها فإنه يصلى عليها في هذه الأوقات قولا واحدا"١.
فرع: في الصلاة على القبر والغائب في أوقات النهي:
الصحيح من مذهب الإمام أحمد وما عليه أكثر الأصحاب تحريم الصلاة على القبر والغائب في جميع أوقات النهي.
وصحح ابن الجوزي جواز الصلاة على القبر في الوقتين الطويلين وهما بعد العصر وبعد الفجر٢.
ولم أقف على نص في المسألة لبقية المذاهب لكن الظاهر عدم الجواز عند الإمامين أبي حنيفة ومالك لأنه سبق قريبا عدم جواز الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة عند أبي حنيفة وعدم جوازها أيضا عند مالك عند طلوع الشمس وعند غروبها، فعدم جواز الصلاة على القبر والغائب عندهما في هذه الأوقات من باب أولى.
كما أنه لا تجوز عندهما الصلاة على الغائب، ولا الصلاة على القبر إلا أن يكون دفن الميت قبل أن يصلى عليه٣.
أما الشافعية فيحتمل عندهم صحة الصلاة على القبر والغائب في أوقات النهي قياسا على الجنازة التي تصح الصلاة عليها عندهم في كل وقت، ويحتمل عدم الجواز قياسا على الصلاة المتأخر سببها التي لا تصلى في أوقات النهي على الأصح عندهم٤. وعلى تحية المسجد التي تكره إن كان دخوله للمسجد لقصد فعلها فقط٥.
_________________
(١) ١ الإنصاف ٢/ ٦ ٠ ٢، وانظر أيضا التفريع ١/ ٣٦٧. ٢ انظر: الفروع ١/ ٥٧٤، الإنصاف ٢/ ٢٠٦، كشاف القناع ١/٤٥٢. ٣ انظر: الهداية ١/٩٢، اللباب في شرح الكتاب ١/ ١٣٠، القوانين الفقهية ص ٩٣، رحمة الأمة ص ٦٨. ٤ كما سيأتي ذلك في ركعتي الإحرام وصلاة الاستخارة. ٥ كما سيأتي في الصفحة التالية.
[ ٢٦٠ ]
والذي أراه في المسألة والعلم عند الله هو عدم جواز الصلاة على القبر والغائب في جميع أوقات النهي، لأنه لا حاجة لاختيار هذه الأوقات للصلاة على القبر أو الغائب بل يسهل على الإنسان اختيار غيرها من الأوقات، بخلاف الجنازة إذا حضرت فإنه قد يضطر إلى الصلاة عليها خشية تغيرها.
[ ٢٦١ ]