إعادة الصلاة مع الجماعة
اختلف العلماء في حكم إعادة الصلاة مع الجماعة في أوقات النهي كأن يصلى الرجل صلاة الفجر أو العصر ثم يدرك جماعة هل له أن يصلى معهم أولا؟
فذهب الجمهور- المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن له ذلك- بل قال الشافعية والحنابلة يستحب له إعادة صلاته مع الجماعة التي أدركها- لكن اختلفوا فيمن له الإعادة: فرأى المالكية أنه من صلى وحده فقط أما من صلى في جماعة فلا يعيد، وهو قول للشافعية.
والأصح عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة أنه يعيد وإن صلى في جماعة وشرط الحنابلة للإعادة أن تقام وهو في المسجد أو يدخل المسجد وهم يصلون، ومنهم من شرط أن تكون مع إمام الحي، والمذهب أنه يعيد سواء كان مع إمام الحي أم مع غيره١. وذهب الحنفية إلى أنه ليس له الإعادة، لأن الصلاة المعادة نافلة لصاحبها، والنفل بعد الفجر والعصر مكروه مطلقا٢.
واستدل الجمهور بما يأتي:
١- عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: "شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال عليّ بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما٣، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالا: يا رسول الله إنا كنا
_________________
(١) ١ انظر: موطأ الإمام مالك ١٣٣/١، التفريع ١/٢٦٣، روضة الطالبين ١/ ٤ ٣٤، كفاية الأخيار ١/١٣٢، مغنى المحتاج ١/٢٣٣، الهداية لأبي الخطاب ١/٤٢، المغنى ٢/٥١٩، الفروع ١/ ٥٧٤، شرح الزركشي ٢/٥٥، الإنصاف ٢/ ٥ ٢٠، كشاف القناع ١/٤٥٢، الروض الندى ص ٩٧. ٢ انظر: البناية ٢/ ٦٠٤-٦٠٥، مجمع الأنهر ١/ ١٤١. ٣ الفرائص: جمع فريصة وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف عند منبض القلب. ومعنى ترعد فرائصهما أي ترجف من الخوف. انظر: النهاية ٣/ ٤٣١-٤٣٢، لسان العرب ١/ ٦٤، معالم السنن ١/٣٨٧، نيل الأوطار ٣/٩٣.
[ ٢٧٧ ]
قد صلينا في رحالنا، قال: "فلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة" ١.
٢- عن بسر بن محجن عن أبيه محجن أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ فأذن بالصلاة فقام رسول الله ﷺ فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه لم يصل معه، فقال له رسول الله ﷺ: "ما منعك أن تصلي مع الناس؟ " ألست برجل مسلم؟ " فقال: بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلي فقال له رسول الله ﷺ: "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت " ٢.
٣- عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: "صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة".
وفي لفظ: "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قال ما تأمر؟ قال: "صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك فإذا أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل ".
وفي لفظ آخر: "صل الصلاة لوقتها فإن أدركتك الصلاة معهم فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي "٣.
وجه الدلالة من هذه الأحاديث هو: أن حديث يزيد بن الأسود صريح في الموضوع لأن فيه مشروعية الإعادة بعد صلاة الفجر وهو وقت نهي.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي واللفظ له في أبواب الصلاة باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة ١/٤٢٤ حديث ٢١٩ وقال: "حديث حسن صحيح"، وأبو داود في كتاب الصلاة باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلى معهم ١/٣٨٦ حديث ٥٧٥، والنسائي في كتاب الإمامة باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده ٢٥/١١٢، وأحمد في مسنده ٤/ ١٦٠، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود ١/١١٥، وصحيح سنن الترمذي ١/ ٧٠. ٢ أخرجه الإمام مالك واللفظ له في كتاب صلاة الجماعة باب إعادة الصلاة مع الإمام ١/١٣٢، والنسائي في كتاب الإمامة باب إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه ٢/١١٢، وأحمد في مسنده ٤/ ٣٤، وصححه الألباني. انظر: صحيح سنن النسائي ١/١٨٦. ٣ أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب كراهة تأخير الصلاة عند وقتها وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام ١/٤٤٨ -٤٤٩ حديث ٦٤٨.
[ ٢٧٨ ]
أما حديثا محجن وأبي ذر فدلا بعمومهما على مشروعية الإعادة ولم يفرقا بين وقت وآخر ولا بين صلاة وأخرى فيشمل ذلك الإعادة في أوقات النهي.
قال ابن قدامة بعد ذكره للأحاديث المذكورة: "وهذه الأحاديث بعمومها تدل على محل النزاع، وحديث يزيد بن الأسود صريح في إعادة الفجر، والعصر مثلها"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن حديث أبي ذر بعد ذكره بكل ألفاظه ما نصه: "وهذه النصوص تتناول صلاة الفجر والعصر قطعا فإنهما هما اللتان كان الأمراء يؤخرونهما بخلاف الفجر فإنهم لم يكونوا يصلونها بعد طلوع الشمس وكذلك المغرب لم يكونوا يؤخرونها، ولكن كانوا يؤخرون العصر أحيانا إلى شروع الغروب، وحينئذ فقد أمره أن يصلي الصلاة لوقتها ثم يصليها معهم بعد أن صلاها ويجعلها نافلة وهو في وقت نهي، لأنه قد صلى العصر، ولأنهم قد يؤخرون العصر إلى الاصفرار فهذا صريح بالإعادة في وقت النهي "٢ اهـ.
ومن رأى أن الإعادة تكون لمن صلى وحده فقط نظر إلى ما جاء في حديث جابر بن يزيد بن الأسود "صلينا في رحالنا"٣، وإلى أن المصلى في جماعة حصل فضيلة الجماعة فلا معنى للإعادة٤.
ومن شرط أن تكون مع إمام الحي نظر إلى أن قضية النص في حديثي جابر وبسر بن محجن وردت في ذلك٥.
والذي أراه في المسألة هو جواز الإعادة مطلقا سواء كان المدرك للجماعة سبق أن صلى وحده أو في جماعة وسواء كانت الإعادة مع إمام الحي أم مع غيره، لأن الأحاديث السابقة تدل بإطلاقها على ذلك، وقوله ﷺ: "إذا صليتما في رحالكما" عام يشمل الصلاة فرادى وجماعة وكذلك ما جاء في حديث بسر بن محجن "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت ".
وأما دليل الحنفية فيمكن الجواب عنه بأنه قياس في مقابلة النص والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ ١لمغني ٢/٥٢١. ٢ مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٩٠. ٣ انظر المغني ٢/ ٥١٩. ٤ مغني المحتاج ١/٢٣٣. ٥ انظر: شرح الزركشي ٢/٥٥.
[ ٢٧٩ ]