المطلب السادس
بعد صلاة الجملة في المسجد
نص ابن جزي على أن من النفل المنهي عنه التنفل بعد صلاة الجمعة في المسجد، وذكر أن ذلك هو مذهب الإمام مالك خلافا لغيره حيث قال: "الفصل الثالث في أوقات النهي عن الصلاة وهي عشرة ومنها التنفل بعد الجمعة في المسجد فيمتنع في المذهب خلافا لأبي حنيفة وغيره " (٦) ٦.
_________________
(١) ٦ القوانين الفقهية ص٥٣.
[ ٢٤٣ ]
وفي المدونة١: "وقال مالك من سلم إذا كان وحده أو وراء إمام فلا بأس أن يتنفل في موضعه أو حيث أحب من المسجد إلا يوم الجمعة".
وقالت القيرواني٢: "وأحب إلينا أن ينصرف بعد فراغها ولا يتنفل في المسجد" قال الشارح٣: "والنهي للكراهة".
قلت: ولعلهم استدلوا بفعل النبي ﷺ وذلك ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته ثم قال: " كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك."
وفي لفظ: أنه وصف تطوع صلاة رسول الله ﷺ قال: " فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته" ٤.
ولم أقف على قول لغير المالكية بكراهة التنفل بعد الجمعة في المسجد. فقد قال ابن الهام٥: " فهذا البحث يفيد أن السنة بعدها ست وهو قول أبي يوسف وقيل قولهما، وأما أبو حنيفة فالسنة بعدها عنده أربع أخذا بما روى عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا قاله الترمذي في جامعه وإليه ذهب ابن المبارك والثوري ". وفي المجموع٦: "فرع في سنة الجمعة بعدها وقبلها تسن قبلها وبعدها صلاة وأقلها ركعتان قبلها وركعتان بعدها والأكمل أربع قبلها وأربع بعدها هذا مختصر الكلام فيها".
_________________
(١) ١ ١/٩٨. ٢ في الرسالة المطبوعة مع تنوير المقالة ٢/ ٤٧٠. ٣ في تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة ٢/ ٤٧٠. ٤ أخرجه مسلم واللفظ له في كتاب الجمعة باب الصلاة بعد الجمعة ١/ ٠ ٠ ٦ حديث ٨٨٢، وأخرجه البخاري في كتاب الجمعة باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها ١/٢٢٥ بلفظ: " أن رسول الله ﷺ كان يصلى قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد العشاء ركعتين وكان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين." ٥ في شرح فتح القدير ٢/٣٩. ٦ ٤/٩.
[ ٢٤٤ ]
وقال ابن قدامة١: "قال أحمد: إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء صلى أربعا وفي رواية وإن شاء ستا، وكان ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي يرون أن يصلى بعدها أربعا".
وهذا يدل بعمومه على أنهم لا يرون كراهة التنفل بعد الجمعة في المسجد، لأنهم لو رأوا ذلك لبينوه.
ومما جاء في إثبات السنة بعد الجمعة ما ثبت عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:
قال رسول الله ﷺ: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلي بعدها أربعا".
وفي لفظ: "إذا صليتم الجمعة فصلوا أربعا" وزاد عمرو في روايته: "فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت ".
وفي لفظ آخر: "من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا" ٢.
والذي يترجح والله أعلم هو القول بعدم كراهة التنفل بعد الجمعة في المسجد، لأن ما جاء عن النبي ﷺ من الأمر بالصلاة بعد الجمعة لم يقيد بكونه خارج المسجد بل جاء في زيادة عمرو النص على الصلاة في المسجد.
وفعل النبي ﷺ وهوأنه لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته الذي يحتمل أنه دليل المالكية يجاب عنه بأنه لا يدل على كراهة التنفل بعد الجمعة في المسجد وإنما يدل على أن الأولى فعل ذلك في المنزل كسائر النوافل
_________________
(١) ١ في المغني٣/ ٢٤٨-٢٤٩. ٢ أخرجه ذلك كله الإمام مسلم في كتاب الجمعة باب الصلاة بعد الجمعة ١/ ٦٠٠ حديث ٨٨١.
[ ٢٤٥ ]