بالنظر إلى أقوال الفقهاء في حكم التنفل قبل صلاة العيد وبعدها يظهر أن أكثرهم قال بالكراهة مع اختلاف بينهم في التقييد، حيث ذهب المالكية والحنابلة إلى كراهة التنفل قبل صلاة العيد وبعدها، إلا أن المالكية قيدوا ذلك في المصلى حيث قالوا تكره النافلة قبل صلاة العيد وبعدها في المصلى دون المسجد٥، وقيده الحنابلة بموضع
_________________
(١) ٥ انظر التفريع ١/ ٢٣٤، الكافي ١/٢٢٦، القوانين الفقهية ص ٥٣.
[ ٢٤١ ]
الصلاة حيث قالوا يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها للإمام والمأموم في موضع الصلاة سواء كان في المصلى أو في المسجد١.
قال ابن قدامة: "وهو مذهب ابن عباس وابن عمر، وروى ذلك عن علي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الأكوع وجابر وابن أبي أوفى، وقال به شريح وعبد الله بن مغفل والشعبي ومالك والضحاك والقاسم وسالم ومعمر وابن جريج ومسروق، وقال الزهري: "لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر أن أحدا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها يعني صلاة العيد"٢. اهـ.
وقال الحنفية: ولا يتنفل قبل صلاة العيد، وأطلقه أكثرهم٣، وخصه بعضهم في المصلى٤.
وقال الشافعية: يكره للإمام أن يتنفل قبل صلاة العيد وبعدها ولا يكره للمأموم قبلها ولا بعدها٥.
ودليل الجميع على كراهة التنفل في هذا الوقت هو أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك مع حرصه على الصلاة٦ إذ روى ابن عباس ﵄: " أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها. ومعه بلال" ٧.
ولم أقف على دليل للمالكية للتفريق بين المصلى والمسجد، كما لم أقف على دليل للحنفية على جواز الصلاة بعد صلاة العيد، إلا أنهم ذكروا من الأدلة على المنع قبل
_________________
(١) ١ انظر المغني ٣/ ٢٨٠، الفروع ٢/ ٤٣ ١، الإنصاف ٢/ ٤٣١. ٢ ١ لمغني ٣/ ٢٨٠-١ ٢٨. ٣ انظر مختمر الطحاوي ص ٣٧، المبسوط ٢/ ٠ ٤، بدائع الصنائع١/٢٩٧، الأخيار لتعليل المختار ١/ ١ ٤. ٤ انظر الهداية ١/٨٥. ٥ روضة الطالبين ٢/٧٦، رحمة الأمة ص ٠ ٦، ونص الشربيني في مغني المحتاج ١/٣١٣: على أن عدم الكراهة قبل الصلاة يكون بعد ارتفاع الشمس. قلت: وهذا يكون في غير تحية المسجد، لأن الشافعية يرون كما سيأتي أن ذوات الأسباب تصلى في كل وقت. ٦ انظر بدائع الصنائع١/٢٩٧، الهداية للمرغيناني ١/ ٨٥، المغني ٣/ ٢٨١، الفروع٢/١٤٣، فتح الباري٢/٤٧٦ ٧ أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب العيدين باب الصلاة قبل العيد وبعدها ٢/ ١١-١٢، ومسلم في كتاب صلاة العيدين باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى ٦/١ ٠ ٦ حديث ٨٨٤.
[ ٢٤٢ ]
الصلاة أن المبادرة إلى صلاة العيد مسنونة والاشتغال بالتطوع تأخير لها وهذا مكروه١. فلعلهم رأو إباحة التطوع بعد صلاة العيد لأنه لا تأثير له عليها.
أما الحنابلة فمن أدلتهم على جواز التنفل في غير موضع الصلاة ما روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين" ٢.
وأما الشافعية فاستدلوا لكراهة التنفل للإمام بأن فيه اشتغاله بغير الأهم ومخالفة لفعل النبي ﷺ.
ولعدم الكراهة لغير الإمام بانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة٣.
والذي أراه في المسألة أن صلاة العيد لا سنة لها قبلها ولا بعدها٤، وأنه لا يجوز التنفل قبل الصلاة٥ ولا بعدها في موضع الصلاة- سواء كان في المصلى أو المسجد- وأما في غير موضع الصلاة فيجوز لوضوح الأدلة على ذلك والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ انظر بدائع الصنائع ١/٢٩٧. ٢ أخرجه ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها ١/٤١٠ حديث ١٢٩٣، وحسنه الألباني. انظر إرواء الغليل ٣/ ٠ ٠ ١، صحيح سنن ابن ماجة ١/٢١٧. ٣ وهذا إن كان بعد ارتفاع الشمس حيث قيد الشربيني عدم الكراهة بذلك. مغني المحتاج١/٣١٣. ٤ وممن نص على ذلك مجد الدين أبو البركات في المحرر ١٦٣/١، والحافظ ابن حجر في الفتح٢/٤٧٦. ٥ فيما عدا تحية المسجد التي سيأتي أن الراجح أنها تصلى في كل وقت.
[ ٢٤٣ ]