اختلف العلماء في حكم ركعتي الطواف في أوقات النهي على قولين:
الأول: جواز فعلهما وبه قال الشافعي١، وأحمد قال أبو الخطاب رواية واحدة،
ولم يذكرفي المغنى وكشاف القناع غير الجواز، وقال المرداوي عن ذلك أنه الصحيح من المذهب٢، وقال الزرقاني٣: "قال ابن المنذر رخص بالصلاة بعد الطواف في كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم ". اهـ.
وممن روى عنه أنه طاف بعد الصبح والعصر وركع ركعتي الطواف ابن عمر وابن عباس وابن الزبير والحسن والحسين وعطاء وطاوس ومجاهد والقاسم بن محمد، وروى عن عروة بن الزبير بعد الصبح٤، وحكاه ابن عبدا لبرعن الإمام أبي ثور بعد الفجر وبعد العصر٥
الثاني: عدم جواز ركعتي الطواف في أوقات النهي وبه قال أبو حنيفة٦ ومالك٧وأحمد في رواية٨.
_________________
(١) ١ انظر: الأم ١/١٤٩، روضة الطالبين ١/١٩٣، المجموع ٤/ ١٧٠، مغني المحتاج ١/١٢٩. ٢ انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية- المناسك والكفارات ص ٣٤٩، الهداية لأبي الخطاب ١/ ٢ ٤، المغني ١٧/٢ ٥، المبدع ٢/٣٧ -٣٨، الإنصاف ٢/ ٥ ٠ ٢، كشاف القناع ٢/١ ٤٥. ٣ في شرح الموطأ ٢/٣٥٨- ٣٠٩. ٤ حكى ذلك ابن قدامة في المغني ٢/٥١٧، وذكر ابن عبد البر في الاستذكار ١/ ١٥٠ أنه روى ذلك عنهم بعد العصر ثم قال وبعضهم بعد الصبح أيضا. وانظر أيضا مصنف عبد الرزاق ٥/ ٦١. ٥ الاستذكار ١/ ٤٩ ١ وانظر أيضا المصدر نفسه ص ٠ ٥ ١، المغني ١٧/٢ ٥، فقه الإمام أبي ثور ص ١٨٨. ٦ انظر: مختصر الطحاوي ص ٢٤، المبسوط ١/١٥٣، الهداية ١/ ٤٠، اللباب في شرح الكتاب ١/ ٨٩. ٧ انظر: الكافي ١/ ١٦٥، الاستذكار ١/ ١٥٠، شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٣٠٩. ٨ ذكرها المرداوي في الإنصاف ٢/ ٢٠٥، ٢٠٦.
[ ٢٦٧ ]
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١- عن جبيربن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" ١.
٢- أن الطواف جائز في كل وقت مع كونه صلاة٢، فكذلك ركعتاه تبعا له، لأنه إذا أبيح المتبوع ينبغي أن يباح التبع٣.
واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
١- عموم أحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات.
٢- ما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه طاف بعد صلاة الصبح فلم يصل وخرج من مكة حتى نزل بذي طوى٤ فصلى بعدما طلعت الشمس٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي واللفظ له في كتاب الحج باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف٣/ ٢٢٠ حديث ٨ ٦ ٨ وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود في كتاب المناسك باب الطواف بعد العصر ٢/ ٤٤٩ حديث ١٨٩٤، والنسائي في كتاب مناسك الحج باب إباحة الطواف في كل الأوقات ٢٢٣/٥، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت ١/٣٩٨ حديث ٤ ٢٥ ١- وصححه الألباني. انظر إرواء الغليل ٢/٢٣٨، صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٠ ١ ٢. ٢ لقول النبي ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة ولكن الله أحل فيه النطق " وقد أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في السنن الكبرى ٨٧/٥ وبلفظ آخر: "الطواف بالبيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه ". وأخرجه أيضا الترمذي في كتاب الحج ٣/٢٩٣ حديث ٩٦٠ بلفظ: "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه " وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا عن حديث عطاء بن السائب والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/١٥٤، وصحح النووي في المجموع ٤/١٧٨ وقفه على ابن عباس ﵄. ٣ انظر: المهذب ١/٩٣، المغني ١٧/٢ ٥، كشاف القناع ١/٤٥٢. ٤ طوى: أحد أودية مكة، وبئر طوى معروفة اليوم، بجرو ل بين القبة وريع أبى لهب. انظر: معا أمكة التاريخية لعاتق البلادى ص ٦٨ا-١٦٩. ٥ ذكره بهذا اللفظ الترمذي في كتاب الحج باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف ٣/ ٢٢١، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥/ ٩١ بسنده عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عبد القاري أخبره أنه طاف مع عمر بن الخطاب ﵁ بعد صلاة الصبح بالكعبة فلما قضى عمر ﵁ طوافه نظر فلم ير الشمس فركب حتى أناخ بذي طوى فسبح ركعتين.
[ ٢٦٨ ]
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحجة مع المجوزين من وجوه منها:
أ- أن قوله "لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" عموم مقصود في الوقت فكيف يجوز أن يقال إنه لم يدخل لا ذلك المواقيت الخمسة.
ب- أن هذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا إجماع وحديث النهي مخصوص بالنص والإجماع، والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص.
ج- أن النبي نسميه وأصحابه ﵃ كانوا يطوفون بالبيت ويصلون عنده ولو أن ركعتي الطواف منهي عنهما في بعض الأوقات لبين النبي كبيه ذلك ولنقل إلينا١.
والذي أراه في المسألة جواز ركعتي الطواف في كل وقت لما يأتي:
١- صحة الحديث الدالة على ذلك كما هو واضح في تخريجه.
٢- أن أحاديث النهي عامة وقد خصصت بالأحاديث الدالة على جواز قضاء الفرائض٢ فكذلك يمكن تخصيصها بهذا الحديث.
٣- أن فعل عمر ﵁ ليس فيه ما يدلي صراحة على عدم جواز الركعتين في ذلك الوقت بل يحتمل أنه فعل ذلك احتياطا.
٤- أن الأولى في الطواف أن يؤتى بركعتيه بعده، وفي منع فعلهما في بعض الأوقات بدون دليل صريح تأخير لهما، وإذا كان بعد الطواف سعى فالأمر أشد.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٨٥. ٢ انظر: المغنى ٢/٥١٧.
[ ٢٦٩ ]
المبحث الثالث