اختلفت عبارات الفقهاء في قضاء السنن الراتبة في أوقات النهي، حيث ذهب إلى جواز قضائها الشافعي٣ وأحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية٤، لأن الأصل عندهم جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، والسنن الراتبة منها. واختار ابن قدامة في المغنى جواز قضائها بعد العصر، واختار في العمدة جواز القضاء بعد الفجر وبعد العصر٥.
واحتج لجواز القضاء بعد العصر بما ثبت أن النبي ﷺ قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر٦ وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها٧.
_________________
(١) ٣ انظر المهذب ١/٩٢، روضة الطالبين ١/ ١٩٣، المجموع ٤/ ١٧٠، مغني المحتاج ١/١٢٩. ٤ انظر الإنصاف ٢/ ٢٥٨، الاختيارات الفقهية ص ٦٦. ٥ المغني ٢ /٥٣٣، عمدة الفقه ص ١٨. ٦ وذلك في حديث أم سلمة الذي فيه: "يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر. إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان " أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما االنبي ﷺ بعد العصر١/ ٥٧١-٥٧٢ حديث ٨٣٤. ٧ وذلك ما روى الإمام مسلم أيضا في الكتاب والباب السابقين ١/ ٥٧٢ حديث ٨٣٥ عن أبي سلمة أنه- سأل عائشة ﵂ عن السجدتين اللتين كان رسول الله كثر يصليهما بعد العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر ثم أنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصرثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة أثبتها.
[ ٢٥٦ ]
ولعل حجته لجواز القضاء بعد الفجر ما سبق من الأدلة على جواز قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة وقياس بقية السنن الرواتب عليهما.
والمشهور من مذهب الإمام أحمد وما عليه أكثر الأصحاب أنها لا تقضى في أوقات الهي. قال المرداوى: "قال في الواضح أنه اختيار عامة المشايخ١. اهـ.
قلت: وبالمنع قال المالكية أيضا٢، وهو الظاهر من مذهب الحنفية، لأن الفرائض عندهم لا تقضى في أوقات النهي الثلاثة الواردة في حديث عقبة وتقضى بعد الفجر وبعد العصر، لكنهم أجازوا ذلك لأنهم رأوا أن النهي فيهما لمعنى في غير الوقت فلا يظهر تأثيره في الفرض٣ أما في النفل فإنه ظاهر، كما أن الأصل عندهم في السنن أنها لا تقضى٤.
والذي أراه في المسألة عدم جواز قضاء السنن في أوقات النهي٥ لعموم الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، ولأن قضاء السنن مندوب وترك المحرم أولى من فعل المندوب٦، وما جاء من فعل النبي ﷺ من الصلاة بعد العصر قيل إنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم٧. وإن لم يثبت ذلك فهو خاص فيما بعد العصر من الأوقات ولا يشمل بقية أوقات النهي والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ الإنصاف ٢/٢٠٨، وانظر أيضا كشاف القناع ١/٤٥٣. ٢ انظر: الكافي ١/ ١٦٥، مواهب الجليل ١/ ٤١٦. ٣ كما سبق ذلك ص ٢٤٩. ٤ انظر: الهداية ١/٧٢. ٥ إلا ركعتي الفجر فقد سبق في المطلب الثاني أن الصحيح أنها تقضى بعد الصلاة لإقراره مج! حيه من فعل ذلك. ٦ انظر: المغني ٢/ ٥٣٤، كشاف القناع ١/٤٥٣. ٧ انظر: كشاف القناع ١/٤٥٣.
[ ٢٥٧ ]