قبل الكلام عن حكم قضاء الوتر في أوقات النهي أحب أن أشير إلى أن العلماء قد اختلفوا أصلا في حكم قضاء الوتر٥. فذهب الحنفية إلى وجوب قضائه وذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب القضاء وعدم وجوبه، وذهب المالكية والشافعي في قول وأحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الوتر لا يقضى٦.
_________________
(١) ٥ وليس المقام هنا بسط الكلام في المسألة، وقد بسطه د. فيحان في كتابه إسعاف أهل العصر بما ورد في أحكام الوتر ص ٤٠-٤٨. ٦ انظر الهداية ١/ ٦٥، الاختيار ١/ ٤ ٥، البحر الرائق ١/ ٢٦٥، المدونة١/١٢٧-١٢٨، الكافي ١/ ٢١٨، الأم ١ /٤٣ ١، المجموع٤ / ٤٢، الإنصاف ٢/ ١٧٨، نيل المآرب ١/ ١٥٩.
[ ٢٥٣ ]
أما حكم قضائه في أوقات النهي:
فإن مقتضى مذهب الحنفية أنه لا يجوز قضاؤه في الأوقات الثلاثة التي ورد ذكرها في حديث عقبة بن عامر ويجوز في الوقتين الآخرين وهما بعد الفجر وبعد العصر لأن الوتر عندهم واجب فحكمه في القضاء كحكم قضاء الفرائض، وقد سبق١ أنه لا تقضى عندهم في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة وتقضى في الوقتين الآخرين.
وروى عن كثير من الصحابة جواز فعل الوتر بعد طلوع الفجر وبه قال بعض الفقهاء:
قال ابن قدامة: "المنصوص عن أحمد ﵀ في الوتر أنه يجوز فعله قبل صلاة الفجر" إلى أن قال: "وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد وعائشة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وعمرو بن شرحبيل، وقال أيوب السختياني وحميد الطويل إن أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر وبه قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي "٢ ٠ اهـ.
أما بعد هذا الوقت فمقتضى مذهب مالك أنه لا يفعل لأن الوتر عنده لا يقضى٣، إنما جاز في هذا الوقت لأن وقته الضروري يمتد إلى صلاة الصبح٤، ونص الزرقاني٥ على عدم جواز قضائه بعد صلاة الصبح عند الإمام مالك حيث قال: "وقال الأكثرون ومنهم مالك لا يقضى بعد صلاة الصبح ". اهـ.
ومقتضى مذهب الإمام أحمد أنه لا يقضى في بقية أوقات النهي، لأنه روى عنه جواز قضائه قبل صلاة الفجر٦ فدل ذلك على عدم جوازه بعدها ويقاس بقية أوقات النهي على ما بعد صلاة الفجر، كما أن المذهب وما عليه أكثر الأصحاب أنه لا يجوز قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي٧ والوتر لا يخرج عن كونه من السنن.
_________________
(١) ١ في ص ٢٤٨. ٢ المغني ٢/ ٥٢٩- ٥٣٠ وانظر أيضا الأشراف ق ٤٧، نيل الأوطار ٣/٤٨. ٣ كما سبقت الإشارة إلى ذلك قريبا. ٤ انظر المدونة ١/١٢٨، الكافي ١/ ١٨ ٢، شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ٠ ٣٦. ٥ في شرح الموطأ ١/ ٢٦٠. ٦ انظر مسائل الإمام أحمد رواية أي داود ص ٧١، الفروع ١/٥٧٣ -٥٧٤، الأنصاف ٨/٢ ٠ ٢. ٧ كما سيأتي ذلك في المطلب الرابع.
[ ٢٥٤ ]
أما مقتضى مذهب الشافعية فهو جواز قضاء الوتر في أوقات النهي، لأن المذهب عندهم جواز فعل جميع الصلوات التي لها سبب في أوقات النهي، والوتر داخل في الصلوات المذكورة.
والذي اختاره في المسألة هو جواز قضاء الوتر بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة وعدم قضائه في بقية أوقات النهي لما يأتي:
١- أن جواز فعله قبل صلاة الصبح روى عن كثير من الصحابة ﵃ أجمعين واتفقت عليه مذاهب الأئمة الأربعة كما يظهر ذلك من تحرير المسألة.
٢- أن النهي عن الصلاة بعد الفجر أخف من النهي عنها في بقية الأوقات فإن من العلماء من يرى أن النهي إنما يكون بعد صلاة الفجر١، ولأن من العلماء من يرى أن وقت الوتر يمتد إلى قبل صلاة الصبح٢.
٣- لا يجوز فعله في بقية أوقات النهي لعموم الأحاديث الدالة على منع الصلاة فيها حيث إن النهي فيها للتحريم على الصحيح من أقوال العلماء٣ والوتر غير واجب على الصحيح أيضا٤ فلا يقضى في أوقات النهي لأن ترك المحرم أولى من فعل المندوب.
وإن قيل ينبغي أن يقضى الوتر في كل وقت لأن أبا سعيد الخدري ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره " ٥.
_________________
(١) ١ كما سبق ذلك ص ٢٣٣. ٢ وهم المالكية والشافعي في قول وأحمد في رواية. انظر شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ٢٦٠، حاشية الدسوقي على الشرح االكبير١/٣١٧، المجموع ٤/٤ ١، الفروع ١/٥٣٩. ٣ انظر روضة الطالبين ١/ ١٩٥، المجموع ٤/ ١٨٠، كشاف القناع ١/٤٥٢. ٤ انظر المغني ٢/ ٥٩١-٥٩٤، إسعاف أهل العمر بما ورد في أحكام الوتر ص ٢١-٢٦. ٥ أخرجه أبو داود واللفظ له في كتاب الصلاة باب في الدعاء بعد الوتر١٣٧/٢ حديث ٤٣٠ ١، والترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه ٢/ ٣٣٠ حديث ٤٦٥، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة باب من نام عن وتره أو نسيه ١/٣٧٥حديث ٨٨ ١ ١، والحاكم في المستدرك ٢/١ ٠ ٣ وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ". وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٣/٤٧:! وإسناد الطريق التي أخرجه منها أبو داود صحيح ". قلت: وصححه الألباني. انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢٦٨، صحيح سنن الترمذي ١/١٤٥، صحيح سنن ابن ماجة ١ /١٩٦.
[ ٢٥٥ ]
ولأن الوتر صلاة فيدخل في عموم قوله ﷺ: "من نسى صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها".
وفي لفظ: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها" ١. فالجواب أن القضاء فرع عن الأداء وأداء الوتر غير واجب على الصحيح من أقوال العلماء٢ فلا يقضى في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، لأن النهي للتحريم وترك المحرم أولى من فعل المندوب والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص ٢٤٣. ٢ كما سبقت الإشارة إلى ذلك قريبا.
[ ٢٥٦ ]
المبحث الرابع