اختلف العلماء في حكم قضاء سنة الفجر بعد الفرض على قولين:
الأول: جواز ذلك وبه قال الشافعي٢ وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار وابن جريج، وروى عن ابن عمر أنه كان يصليهما بعد الصبح٣، وروى عن الإمام أحمد أنه اختار أن يقضيهما من الضحى وقال إن صلاهما بعد الفجر أجزأ٤. وجزم ابن قدامة بجواز القضاء حيث قال: "فأما سنة الفجر بعدها فجائز"٥ وبه قال قوم من أهل مكة٦.
الثاني: عدم الجواز وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف٧، ومالك٨ وحكاه الزرقاني
عن أكثر العلماء٩ ورواه عن الإمام أحمد ابنه عبد الله١٠، والمذهب وما عليه أكثر الأصحاب أن السنن الراتبة لا تقضى في أوقات النهي١١ ومعلوم أن ركعتي الفجر
_________________
(١) ٢ انظر الأم ١/١٤٩، المهذب١/٩٢. ٣ انظر شرح السنة ٣/ ٣٣٤، معالم السنن ٢/ ١ ٥، المغني ٢/ ٥٣١، شرح الزرقاني على الموطأ١/٢٦٢. ٤ حكى ذلك ابن قدامة في المغني ٢/ ٥٣١. والقول بالجواز يوافق ما روى عنه من أن ماله سبب من الصلوات يصلى في أوقات النهي ومن ذلك قضاء السنن الرواتب، وركعتي الفجر من الرواتب كما هو معلوم. ٥ المغني٢/٥٣١. ٦ حكى ذلك الترمذي في السنن ٢/٢٨٥. ٧ المبسوط ١/ ١٦١، الهداية ١/ ٤٠، ٧١. ٨ انظر المدونة ١/ ٢٤ ١، التفريع ٢٦٨/١، الاستذكار١/١٤٧. ٩ في شرح موطأ الإمام مالك١/٢٦٢. ١٠ حيث قال في المسائل ص ١٠٤:أسألت أبي عن رجل جاء إلى المسجد وقد أقيمت الصلاة الغداة فتقدم فصلى مع الإمام بصلاته؟ فقال أبي:" لا يصلي ركعتي الفجر حتى ترتفع الشمس. فقلت حكى عنك رجل أنك تقول يصليهما إذا فرغ من صلاة الغداة قبل طلوع الشمس قال: ما قلت هذا قط ". قلت وروى نحوها عنه ابن هاني في المسائل ١/١٠٣-١٠٤ في المسألتين رقم ٥١٥، ٥١٧. ١١ كما سيأتي ذلك ص ٢٥٧.
[ ٢٥١ ]
منها١- وفي مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح٢ "وقال من فاتته ركعتا الفجر فإنه يقضيهما إذا أضحى بعد طلوع الشمس وهو مذهبه " وروى الإمام مالك٣ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر فاتته ركعتا الفجر فقضاهما بعد أن طلعت الشمس، وروى عن القاسم بن محمد أنه صنع مثل الذي صنع ابن عمر.
وإليه ذهب سفيان الثوري وابن المبارك والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور٤.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١- ما روى عن قيس بن عمرو أنه قال: رأى النبي ﷺ رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله ﷺ: "أصلاة الصبح مرتين؟ " فقال الرجل: أني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلها فصليتهما الآن قال: فسكت رسول الله ﷺ ٥، قالوا: وسكوت النبي ﷺ يدل على الجواز٦.
٢- أنها صلاة ذات سبب فأشبهت ركعتي الطواف٧.
واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
_________________
(١) ١ وقد نص البهوتي في كشاف القناع ١/ ٤٥٣على عدم جواز فعلهما. وانظر أيضا: نيل المآرب ١/ ١٦٨. /١ ٢ ٤٣٥ مسألة رقم ٤٢٤. ٣ في الموطأ ١/ ١٢٨. ٤ انظر سنن الترمذي ٢/ ٢٨٨، شرح السنة ٣/ ٣٣٥، معالم السنن ٢/ ١ ٥. ٥ أخرجه أحمد في مسنده واللفظ له ٥/٤٤٧، وأبو داود في كتاب الصلاة باب من فاتته متى يقضيهما ٢/ ٥١ حديث ٢٦٧ ١، والترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء فيمن تفوته الركعتان يصليهما بعد صلاة الفجر ٢/٨٤ حديث ٤٢٢ وقال: إسناد هذا الحديث ليس بمتصل محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس، وأخرجه أيضا ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن فاتته الركعتان قبل صلاة الفجر متى يقضيهما ١/٣٦٥ حديث ١١٥٤. وقال البنا في بلوغ الأماني ٢/٣١٢: "وسنده جيد وحسنه العراقي " قلت: وصححه الألباني. انظر صحيح سنن ابن ماجة ١/ ١٩٠. ٦ انظر المغني ٢/ ٥٣٢. ٧ المصدر السابق.
[ ٢٥٢ ]
١- عموم الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة بعد الفجر١.
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يصل ركعتي الفجرفليصلهما بعد ما تطلع الشمس " ٢.
والذي أراه في المسألة هو جواز قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة، لأنه لو لم يجز ذلك لما سكت النبي ﷺ عمن رآه يفعلهما، وحديث أبي هريرة يحمل على أن الأفضل صلاتهما بعد طلوع الشمس، وقد قال ابن قدامة٣ بعد ذكر القولين وأدلتهما: "وإذا كان الأمر هكذا كان تأخيرهما إلى وقت الضحى أحسن لنخرج من الخلاف " اهـ. لكن إن لم يخش الرجل نسيانهما فالأولى له تأخيرهما إلى طلوع الشمس. وقد روى عن الإمام أحمد أنه يجوز قضاء الوتر والسنن الراتبة في وقت النهي لمن خاف إهمالها٤.
_________________
(١) ١ انظر الهداية ١/ ٧١، الاستذكار ١/ ٤٧ ١، المغني ٢/٥٣٢. ٢ أخرجه الترمذي واللفظ له في أبواب الصلاة، باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس ٢/ ٢٨٧. حديث ٤٢٣ وقال هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه أي من حديث عمرو بن عاصم الكلابي. وأخرجه الحاكم ١/ ٣٠٧ وصححه ووافقه الذهبي. وصححه الألباني. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة٥ / ٤٧٨ حديث ١ ٢٣٦، صحيح سنن الترمذي١ /١٣٣ ٣ في المغني ٢/٢٣٢. ٤ انظر الإنصاف ٢/ ٢٠٩.
[ ٢٥٣ ]
المبحث الثالث