[ ٩٧ ]
المراد بجدولة الديون: هي أن يكون على شخص دين مؤجل، مقسط بمبالغ محددة، وعلى أوقات زمنية معينة، وقد يرغب الشخص المدين في تمديد وقت السداد، مع تخفيض مقدار الدفعات المسددة، وفقًا لإمكانياته المالية، فيوافق الدائن على ذلك، ويعد جدولًا جديدًا لسداد المديونية مقابل الزيادة على مقدار الدين، وهذه الطريقة هي المطبقة غالبًا في البنوك الربوية، وقد تجدول الديون دون زيادة في مقدارها كما يقع بين الأفراد بعضهم مع بعض، أو بينهم وبين المؤسسات المالية التي تتعامل بأحكام الشريعة فهذه مباحة بلا خلاف، وليس الكلام عنها هنا.
وقد أجمع العلماء على أن جدولة الديون محرمة (^١)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: الآيات الكثيرة الدالة على تحريم الربا ومنها:
قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ
_________________
(١) انظر: الاجماع، لابن المنذر ص ١٣٦، تبيين الحقائق، للزيلعي ٤/ ٨٥، مشكل الآثار، للطحاوي ٤/ ٢٤٨، المبسوط، للسرخسي ١٢/ ١٠٩، بداية المجتهد، لابن رشد ٢/ ١٢٨، الكافي، لابن عبد البر ٢/ ٦٣٣، المنتقى، للباجي ٥/ ٦٦، الأم، للشافعي ٣/ ١٥، المجموع، للنووي ٩/ ٤٨٧، نهاية المحتاج، للرملي ٣/ ٤٢٣، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٥، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٥٢، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٧٤، المحلى، لابن حزم ٧/ ٤٠٢.
[ ٩٩ ]
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (^١)
وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٢)
وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٣).
وجه الدلالة من الآيات: أن في الآيات نصًا على تحريم الربا، وأن الله توعد من فعله بعد علمه بالتحريم بعذاب النار، وأن آكل الربا مخالف لأمر الله، محارب لله ورسوله ﷺ، وجدولة الديون هي الربا الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية إذا حل أجل الدين يقول الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر (^٤)، والعبرة بالحقائق وإن اختلفت المسميات (^٥).
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (^٦)
وجه الدلالة من الآية: أن الله بيَّن أن الدائن لا يستحق على مدينه إلا رأس ماله، وأن جدولة الديون فيها أخذ أكثر من رأس المال، وفي ذلك ظلم للمدين، وكما أن المدين يجب عليه أن يؤدي ما أخذ كاملًا، وأن نقصه من رأس المال يُعد ظلمًا، فكذلك أخذ الزيادة عليه يُعد ظلما له (^٧).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان ٢٧٥ - ٢٧٦
(٢) سورة البقرة، الآيتان ٢٧٨ - ٢٧٩
(٣) سورة آل عمران، الآية ١٣٠
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٢/ ١١٧، الكافي، لابن عبد البر ٢/ ٦٣٣.
(٥) انظر: البيع المؤجل، لعبد الستار أبو غدة، ص ٧٣.
(٦) سورة البقرة، جزء من آية ٢٧٩.
(٧) انظر: جامع البيان في تأويل آي القرآن، للطبري ٦/ ٢٨.
[ ١٠٠ ]
النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (^١).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على تحريم الربا ووجوب الابتعاد عنه؛ لأنه من الموبقات التي عدها رسول الله ﷺ، وجدولة الديون من الربا الذي نهى الحديث عنه؛ لإنها زيادة في الدين مقابل التأخير في الأجل.
الدليل الخامس: عن جابر ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ» (^٢)
وجه الدلالة من الحديث: أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وهذا يدل على تحريم أكل الربا والمعاونة عليه؛ لأن اللعن لا يكون إلا على شيء محرم، وجدولة الديون دفع زيادة مقابل التأخير في السداد وهذه حقيقة الربا فتكون داخلة في اللعن الوارد على لسان الرسول الله ﷺ.
الدليل السادس: عن جابر ﵁ في قصة حجة الوداع أن النبي ﷺ قال: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ» (^٣)
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ وضع ربا الجاهلية، وهذا يدل على تحريمه ومنعه؛ لأنه لو كان مباحًا لما حَرَمَ الرسول ﷺ عمه من حقه المباح، وجدولة الديون محرمة وموضوعة؛ لأنها كربا الجاهلية الذي وضعه النبي ﷺ.
_________________
(١) سبق تخريجه
(٢) سبق تخريجه
(٣) سبق تخريجه
[ ١٠١ ]
الدليل السابع: أن العلماء أجمعوا على تحريم الربا، قال ابن قدامة: "وأجمعت الأمة على أن الربا محرم" (^١)، وقال النووي (^٢): "أجمع المسلمون على تحريم الربا، وأنه من الكبائر" (^٣)، والربا زيادة في الأجل مقابل الزيادة في مقدار الدين، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن المسلف إذا شرط عُشر السلف هدية، أو زيادة فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة ربا" (^٤)، وهذا ما يحصل في جدولة الديون، أنهم يزيدون في الأجل مقابل الزيادة في مقدار الدين، فتكون جدولة الديون محرمة بالإجماع، ولا فرق في ذلك بين أن يزاد في الدين مباشرة، أو يغطى بعقود صورية ظاهرها الصحة وباطنها التحايل على الربا، مثل فسخ البيع السابق صوريًا وعقده مرة أخرى؛ ليتضمن اتفاقًا جديدًا في مقدار الدفعات أو آجالها مع تضمنها زيادة مقابل الأجل، أو الأخذ من الدائن - مع عقد المداينة- وكالة من المدين بشراء سلعة عنه بالتقسيط، ثم يتولى بيعها عنه، ويقبض ثمنها حالا، فيستوفى دينه من ثمنها، والمدين يقسطه مؤجلا بزيادة ونحوه من الحيل المحرمة على الربا (^٥).
ومما تقدم يتبين أن جدولة الديون محرمة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
_________________
(١) المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٥.
(٢) هو محيي الدين أبو زكريا يحي بن شرف بن مري النووي الدمشقي، ولد في نوى في سنة ٦٣١ هـ، شافعي المذهب، وله عدة تصانيف منها: "رياض الصالحين"، و"الأذكار"، و"روضة الطالبين وعمدة المفتين"، و"المنهاج في شرح صحيح مسلم"، و" المجموع شرح المهذب " وغيرها، توفي سنة ٦٧٦ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي ٨/ ٣٩٥، طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة ٢/ ١٥٣.
(٣) المجموع، للنووي ٩/ ٤٨٧.
(٤) الإجماع، لابن المنذرص ١٣٦.
(٥) انظر: المماطلة في الديون، للدخيل ص ٥٢١
[ ١٠٢ ]
وقد صدر بذلك عدد من القرارات من المجامع، والهيئات العلمية (^١)، منها:
١ - أنه جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشر والخاصة ببيع الدين ما يلي:
"ثانيا: من صور بيع الدين غير الجائزة: بيع الدين للمدين بثمن مؤجل أكثر من مقدار الدين؛ لأنه صورة من صور الربا، وهو ممنوع شرعًا، وهو ما يطلق عليه (جدولة الديون) " (^٢).
٢ - وجاء في معيار المرابحة للآمر بالشراء المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما نصه: "لا يجوز تأجيل موعد أداء الدين مقابل زيادة في مقداره (جدولة الدين) سواء كان المدين موسرًا أم معسرًا" (^٣).
٣ - وجاء في فتاوى ندوة البركة الثامنة ما نصه: "لا يجوز جدولة ديون المرابحة أو غيرها بزيادة مقدار الدين وزيادة الأجل" (^٤).
_________________
(١) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ٣٣١ - ٣٣٢. قرارات الهيئة الشرعية بشركة الراجحي ٣/ ٣٧٧ المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص ١٢٦ فتاوى ندوة البركة ص ١٣٧
(٢) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ٣٣١ - ٣٣٢.
(٣) المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص ١٢٦.
(٤) فتاوى ندوة البركة ص ١٣٧.
[ ١٠٣ ]