حكم السَّلم
السَّلم في اللغة التسليم والتقديم، سمي بذلك؛ لأن فيه تقديمًا لرأس مال السلم وتسليما له في مجلس العقد (^١)، والسلم والسلف بمعنى واحد، ولكن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق (^٢).
والسَّلم في الاصطلاح: "عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد" (^٣)، وسمي هذا العقد بالسلم والسلف"لكونه معجلًا على وقته فإن أوان البيع ما بعد وجود المعقود عليه في ملك العاقد وإنما يقبل السلم في العادة فيما ليس بموجود في ملكه فلكون العقد معجلًا على وقته سمي سلمًا وسلفًا" (^٤).
وقد أجمع العلماء على جواز السَّلم (^٥)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
_________________
(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور ٦/ ٣٤٣، معجم مقاييس اللغة، لابن فارس ٣/ ٩٠، القاموس المحيط، للفيروزأبادي ٢/ ١٤٧٧، مجمل اللغة، لابن فارس ٢/ ٤٦٩.
(٢) انظر: تكملة المجموع، للمطيعي ١٢/ ١٧٤، عون المعبود، للصديقي أبادي ٩/ ١٨٣.
(٣) الإقناع، للحجاوي ٢/ ١٣٣.
(٤) المبسوط، للسرخسي ١٢/ ٢٤
(٥) انظر: الإجماع، لابن المنذر ص ١٣٤، المبسوط، للسرخسي ١٢/ ١٢٤، تحفة الفقهاء، للسمرقندي ٢/ ٨، فتح القدير، لابن الهمام ٧/ ٧٠، المنتقى، للباجي ٤/ ٢٩٢، الذخيرة، للقرافي ٥/ ٢٤٨، مواهب الجليل، للحطاب ٤/ ٥١٤، الأم، للشافعي ٣/ ٩٤، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ١٢٢، مغني المحتاج، للشربيني ٢/ ٨، المغني، لابن قدامه ٤/ ١٨٥، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٨٤، المحرر، لابن تيمية ١/ ٤٨٣، المحلى، لابن حزم ٨/ ٣٩.
[ ١٣١ ]
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^١).
وجه الدلالة من الآية: أن هذه الآية أباحت الدين، والسلم نوع من أنواع الديون، قال ابن عباس-﵄ قال: "أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّهُ وَأَذِنَ فِيهِ" ثم قرأ هذه الآية (^٢).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: "قدم النبي ﷺ المدينة والناس يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال ﷺ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (^٣).
وجه الدلالة من الحديث: أن في أمر النبي ﷺ أن يكون السلم إلى أجل معلوم، ووزن معلوم، وكيل معلوم، دليلًا على مشروعيته.
الدليل الثالث: عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، ﵄، قالا: «كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى» (^٤).
_________________
(١) سورة البقرة، جزء من آية ٢٨٢.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب البيوع والأقضية، السلف في الطعام والتمر برقم ٢٢٧٥٨، واللفظ له، وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب البيوع، باب لاسلف إلا إلى أجل مسمى، برقم ١٤٠٦٤، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢٨٦، كتاب التفسير، من سورة البقرة، برقم ٣١٣٠. والأثر من رواية قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس ﵄، وأبو حسان الأعرج فيه خلاف بين المحدثين فمنهم من ضعفه كالبخاري ومنهم من وثقه كابن معين، والأكثر على أن حديثه من قبيل الحسن، وقد تفرد في رواية هذا الأثر عن ابن عباس مع كثرة أصحاب ابن عباس وشهرتهم إلا أن ليس في متنه نكارة وتشهد له أدلة السلم الأخرى. انظر: الضعفاء، لأبي زرعة ٣/ ٩٥٩، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٧/ ١٦٦، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٨/ ٢٠١، تهذيب الكمال، للمزي ٣٣/ ٢٤٢، ميزان الاعتدال، للذهبي ٤/ ١٠٨.
(٣) رواه البخاري، كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم، برقم ٢٢٤٠، واللفظ له، ومسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب السلم، برقم ١٦٠٤.
(٤) رواه البخاري، كتاب السلم، باب السلم إلى أجل معلوم، برقم ٢٢٥٤.
[ ١٣٢ ]
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على مشروعية السلم؛ حيث تعامل به الصحابة ﵃ في عصر النبي ﷺ، ولم ينهَ النبي ﷺ عن ذلك، بل أمر أن يكون معلوم الوزن، والكيل، والأجل.
الدليل الرابع: إجماع العلماء على جواز السلم. قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل صاحبه في طعام معلوم، موصوف … " (^١)، وقال ابن قدامة "وأما الإجماع، فقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز" (^٢)، وقال النووي: " أجمع المسلمون على جواز السلم " (^٣).
_________________
(١) الإجماع، لابن المنذر ص ١٣٤.
(٢) المغني، لابن قدامه ٤/ ١٨٥،
(٣) شرح صحيح مسلم، للنووي ١١/ ٤٢
[ ١٣٣ ]