حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر معسرًا عاجزًا.
أجمع العلماء على وجوب إنظار المدين المعسر إذا تأخر عن أداء دينه الحال، وعدم جواز مطالبته بالدين (^١)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٢).
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على وجوب إنظار المدين المعسر، ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ خبر بمعنى الطلب، أي: فأخروه إلى ميسرته، والأصل في الأمر الوجوب، وإذا كان الإنظار واجبًا، فمطالبته حينئذ محرمة (^٣).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (^٤).
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على أن المعسر العاجز عن الأداء
_________________
(١) انظر: فتح القدير، لابن الهمام ٩/ ٢٧٦، الفتاوى الهندية، للجنة علماء برئاسة نظام الدين البلخي ٥/ ٦٣، غمز عيون البصائر، للحموي ١/ ٤٤٨، شرح مختصر خليل، للخرشي ٦/ ٣٠، الفروق، للقرافي ٢/ ١٠، منح الجليل، لعليش ٦/ ٥٤، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ١٨٦، مغني المحتاج، للشربيني ٣/ ١٥، طرح التثريب، للعراقي ٢/ ١٦٣، الزواجر، للهيتمي ١/ ٣٧٥، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٩٠، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٥٨، مطالب أولي النهى، للرحيباني ٣/ ٣٧١، المحلى، لابن حزم ٨/ ٢٤٧.
(٢) سورة البقرة، جزء من الآية ٢٨٠.
(٣) انظر: شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٧١ - ١٧٢.
(٤) سورة الطلاق، جزء من الآية ٧.
[ ١٧٧ ]
لا يكلف بما لا يقدر عليه، وإذا لم يكن مكلفًا بالأداء حال عسرته، فيجب إنظاره حتى يقدر على الأداء (^١).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (^٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول الله ﷺ لم يجعل المطل ظلمًا إلا بالغنى، فإذا كان معسرًا، فهو ليس ممن عليه سبيل إلا أن يوسر (^٣).
الدليل الرابع: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» " (^٤).
وجه الدلالة من الحديث: أن في قول النبي ﷺ: «وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» دلالة على تحريم مطالبة المعسر العاجز عن الوفاء بما بقى من دينه بعد أخذ ماله الموجود، ووجوب إنظاره حتى يقدر على الوفاء (^٥).
الدليل الخامس: إجماع العلماء على وجوب إنظار المدين المعسر، العاجز عن الوفاء إلى وقت يتيسر له الأداء فيه. قال ابن رشد الحفيد (^٦): "وأما المفلس
_________________
(١) المحلى، لابن حزم ٩/ ٢٦١، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٧٤
(٢) سبق تخريجه
(٣) انظر: الأم، للشافعي ٣/ ٢٠٦، المنثور في القواعد، للزركشي ١/ ١٠٣، شرح ميارة ٢/ ٢٣٣.
(٤) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، برقم ١٥٥٦.
(٥) انظر: حاشية السندي على النسائي ٧/ ٢٦٥، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٥٨، مطالب أولي النهى، للرحيباني ٣/ ٣٧٢.
(٦) هو محمد بن أحمد بن رشد، أبو الوليد المالكي، ولد سنة ٥٢٠ هـ، عني بالفلسفة وبمنطق أرسطو، كان متواضعا، منخفض الجناح، قيل عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه. أبرز مصنفاته: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، توفي سنة ٥٩٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ٢١/ ٣٠٧، الأعلام، للزركلي ٥/ ٣١٨.
[ ١٧٨ ]
الذي لا مال له أصلًا، فإن فقهاء الأمصار مجمعون على أن العدم له تأثير في إسقاط الدين إلى وقت ميسرته" (^١)، وقال القرافي: "أجمعت الأمة على أن صاحب الدين على المعسر مخير بين النظرة والإبراء وأن الإبراء أفضل في حقه وأحدهما واجب حتما وهو ترك المطالبة والإبراء ليس بواجب" (^٢)، وقال ابن تيمية: "المعسر يجب إنظاره، ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين" (^٣).
فضلًا عن الأدلة الكثيرة التي تحث صاحب الدين على التجاوز عن المعسر، منها: عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ، قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿: تَجَوَّزُوا عَنْهُ» (^٤)، وعن عبد الله بن أبي قتادة ﵁: " أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» " (^٥).
فإذا وجب إنظار المدين بسبب إعساره في دينه الحال، فمن باب أولى أن يبقى دينه المؤجل إلى أجله، وألا يسقط هذا الأجل بسبب الإعسار؛ لأنه إذا كان سبب التأخير هو العجز عن أداء القسط الحال فكيف يمكن إلزامه بأداء بقية الأقساط (^٦)؟!
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد، لابن رشد ٢/ ٢٩٣
(٢) انظر: الفروق، للقرافي ٢/ ١٠
(٣) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٧٤
(٤) رواه البخاري، كتاب الاستقراض، باب حسن التقاضي، برقم ٢٣٩١، ومسلم، كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر، برقم ١٥٦٠، واللفظ له.
(٥) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر، برقم ١٥٦٣.
(٦) انظر: بيع التقسيط وأحكامه، للتركي ص ٣٤٢
[ ١٧٩ ]