الاستصناع لغة: الألف والسين للطلب، والصنع: الفعل، فالاستصناع لغة: طلب الفعل (^١)، قال ابن منظور في لسان العرب: "يقال: اصطنع فلان خاتمًا إذا سأل رجلًا أن يصنع له خاتمًا" (^٢).
والاستصناع اصطلاحًا: "عقد على مبيع في الذمة شُرِطَ فيه العمل" (^٣).
والاستصناع عقد مستقل يعقد فيه على العين والعمل جميعًا، فالعمل ومادة الشيء المصنوع كلها من عند الصانع، ولا يشترط فيه تعجيل الثمن، فيكون حسب اتفاق المتعاقدين. فهو يشبه السلم؛ من حيث أنه موصوف في الذمة، ويختلف عنه من حيث أنه يشترط فيه العمل، ولا يشترط في المصنوع أن يوجد في الأسواق. ويشبه الإجارة؛ من حيث عمل الصانع في المعقود عليه، ويختلف عنها من حيث كون المواد من الصانع (^٤).
_________________
(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور ٧/ ٤١٩، باب الصاد، مادة صنع، القاموس المحيط، للفيروز أبادي ١/ ٩٩١، باب العين، فصل الصاد، مادة صنع، تاج اللغة، للجوهري ٣/ ١٢٤٥، باب العين، فصل الصاد، مادة صنع.
(٢) لسان العرب، لابن منظور ٧/ ٤١٩، باب الصاد، مادة صنع.
(٣) بدائع الصنائع، للكاساني ٥/ ٢. وانظر: المبسوط، للسرخسي ١٥/ ٨٤، مجمع الأنهر، لزاده ٢/ ١٠٦ حاشية ابن عابدين ٥/ ٤٢٣، الفتاوى الهندية ٤/ ٥١٧، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية، لنزيه حماد ص ٥٥.
(٤) انظر: بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة، للقرة داغي ص ١١٦، عقد الاستصناع، لمحمد الأشقر ضمن بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ١/ ٢٣٠، الاحتراف في المعاملات المالية، لياسر النشمي، ص ٤٩٤ - ٤٩٥، المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص ١٨٣.
[ ١٠٧ ]
وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستصناع، على قولين:
القول الأول: جواز عقد الاستصناع.
وهو مذهب الحنفية (^١).
القول الثاني: عدم جواز عقد الاستصناع.
وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، والظاهرية (^٥)، وقول عند الحنفية (^٦).
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق، للزيلعي ٤/ ٥٩، المبسوط، للسرخسي ١٥/ ٨٤، بدائع الصنائع، للكاساني ٥/ ٢، درر الحكام، لمنلا خسرو ٢/ ١٩٨. وقد صدر بجواز الاستصناع قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة، حيث جاء فيه: "١ - إن عقد الاستصناع وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة ملزم للطرفين، إذا توافرت فيه الأركان والشروط. ٢ - يشترط في عقد الاستصناع ما يلي: أ - بيان جنس المستصنع، ونوعه، وقدره، وأوصافه المطلوبة. ب - أن يحدد فيه الأجل. ٣ - يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة" مجلة مجمع الفقه الإسلامي، قرار المجمع بشأن الاستصناع، العدد السابع ٢/ ٧٧٧ - ٧٧٨.
(٢) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ٨٧، حاشية الدسوقي ٣/ ١٩٥، التاج والإكليل، للمواق ٦/ ٤٩٩.
(٣) انظر: الأم، للشافعي ٣/ ٩٥، تحفة المحتاج، للهيتمي ٥/ ٤، مغني المحتاج، للشربيني ٣/ ٤.
(٤) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ١٩٧، الإنصاف، للمرداوي ٤/ ٣٠٠، الفروع، لابن مفلح ٤/ ١٨٣.
(٥) انظر: المحلى، لابن حزم ٨/ ٤٦
(٦) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني ٥/ ٢، حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٢٤.
[ ١٠٨ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: الأحاديث التي وردت في صنع النبي ﷺ للخاتم، وصنع الصحابة للخواتم، منها: عن عبد الله بن عمر ﵄: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَقِيَ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ، وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ» فَنَبَذَهُ، فَنَبَذَ النَّاسُ" (^١).
وعن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ» (^٢).
وعن أنس بن مالك ﵁: "صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا، قَالَ: «إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا، وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ» " (^٣).
وجه الدلالة من الأحاديث: أن النبي ﷺ استصنع الخاتم، والصحابة استصنعوا الخواتم مما يدل على جواز الاستصناع، وأما إلقاؤه للخاتم فلأنه كان من الذهب وقد حرم على الرجال التزين بالذهب (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب من جعل فص الخاتم في بطن كفه، برقم ٥٨٧٦، واللفظ له، ومسلم، كتاب اللباس، باب طرح خاتم الذهب، برقم ٢٠٩١.
(٢) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب خاتم الفضة، برقم ٥٨٦٨، واللفظ له، ومسلم، كتاب اللباس، باب في طرح الخواتم، برقم ٢٠٩٣.
(٣) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب الخاتم في الخنصر، برقم ٥٨٧٤، واللفظ له، ومسلم، كتاب اللباس، باب لبس النبي ﷺ خاتما من ورق نقشه محمد رسول الله، ولبس الخلفاء له من بعده، برقم ٢٠٩٢.
(٤) انظر: تبيين الحقائق، للزيلعي ٤/ ١٢٣، فتح القدير، لابن الهمام ٧/ ١١٥، الفقه الإسلامي، للزحيلي ٥/ ٣٦٤٦.
[ ١٠٩ ]
نوقش: بأنه من المحتمل أن النبي ﷺ وصحابته قد دفعوا الثمن في مجلس العقد، فيكون سلمًا، أو دفعوا المادة الخام للخاتم، فيكون العقد إجارة لا استصناعًا وهو جائز عند الجميع (^١).
أجيب: بأنه يبعد أن يدفع النبي ﷺ الثمن أو يأتي بالمواد الخام من عنده ولا يُنقل ذلك حيث نقل ما هو أقل أهمية من هذا (^٢).
الدليل الثاني: عن سهل ﵁، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا" (^٣).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ طلب من المرأة أن تأمر غلامها بصنع المنبر، مما يدل على مشروعية الاستصناع ..
نوقش: بأن المرأة ابتدأت بالسؤال متبرعة بدليل ما جاء عن جابر ﵁: " أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتِ» فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ" (^٤). فلما قبل النبي ﷺ ذلك أمكن أن يبطئ
_________________
(١) انظر: المعاملات المالية، للشبيلي، ١/ ١٤٧، موقع الشبيلي www.shubily.com، عقد الاستصناع، لسعود الثبيتي، بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السابع ٢/ ٦٥٩.
(٢) انظر: عقد الاستصناع، لسعود الثبيتي، بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السابع ٢/ ٦٥٩، الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٤٢٤.
(٣) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، برقم ٩١٧، واللفظ له، ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، برقم ٥٤٤.
(٤) تمام الحديث: " فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا، حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: «بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ» " رواه البخاري، كتاب البيوع، باب النجار، برقم ٢٠٩٥.
[ ١١٠ ]
الغلام بعمله فأرسل يستنجزها إتمامه لعلمه بطيب نفسها بما بذلته، ويمكن إرساله إليها ليعرفها بصفة ما يصنعه الغلام من الأعواد وأن يكون ذلك منبرًا، وعلى ذلك فليس الحديث في الاستصناع (^١).
الدليل الثالث: الإجماع العملي، فلا يكاد يخلو عصر إلى يومنا هذا، إلا وأهل العلم وغيرهم يتعاقدون بالاستصناع على عمل شيء مما يحتاجونه من أثاث وغيره دون نكير من أحد، وهو من أقوى الأدلة على جوازه (^٢).
الدليل الرابع: أن عقد الاستصناع فيه معنى عقدين جائزين، فيه معنى عقد السلم؛ لأنه عقد على مبيع في الذمة، وفيه معنى عقد الإجارة؛ لأنه يشترط من الصانع العمل في المستصنع، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا (^٣).
الدليل الخامس: أن الحاجة تدعو إلى وجود الاستصناع، فليس كل ما يباع جاهزًا مناسبًا، بل ليس كل ما يحتاجه المرء يجده جاهزًا، خاصة وأن الباعة لا يصنعون ما يقل شراؤه؛ لما في ذلك من الخسارة بكساد البضاعة وعدم وجود مشتر لها، فيحتاج الناس إلى من يصنع ما يحتاجونه حال طلبهم وبالصفة التي يريدونها وهذا هو عقد الاستصناع، ولو لم يجز الاستصناع لوقع الناس في الحرج (^٤).
نوقش: بأن الحاجة تزول بما أباحه الله من العقود، كالسلم (^٥).
_________________
(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر ١/ ٧٠٣.
(٢) انظر: بدائع الصنا ئع، للكاساني ٥/ ٢، المبسوط، للسرخسي ١٥/ ٨٤، تبيين الحقائق، للزيلعي ٤/ ١٢٣.
(٣) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني ٥/ ٣.
(٤) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني ٥/ ٣، تبيين الحقائق، للزيلعي ٤/ ٥٢، البحر الرائق، لابن نجيم ٦/ ١٨٦، فتح القدير، لابن الهمام ٦/ ٤٢٨.
(٥) انظر: المعاملات المالية، للشبيلي ١/ ١٤٧، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السابع ٢/ ٦٦١.
[ ١١١ ]
أجيب: بأن السلم لا يكفي للوفاء بحاجة المجتمع لكونه يشترط لصحته تعجيل الثمن وفيه من المخاطر الشيء الكثير الذي قد يجعل المستصنع في جهد ومشقة بحيث يخشى على ماله المدفوع من الإنكار، ويخشى الغش في المصنوع، وقد تعددت سبل الاحتيال والتزوير والغش في المصنوع مما يجعل المال في خطر، والحاجة إلى الاستصناع قائمة؛ لأنه يحمي المستصنع من كل هذه الأخطار (^١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:: عن حكيم بن حزام ﵁، قال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ ﷺ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» " (^٢)
_________________
(١) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السابع ٢/ ٦٦١.
(٢) رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، برقم ٣٥٠٣، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، برقم ١٢٣٢، والنسائي، كتاب البيوع، بيع ما ليس عند البائع، برقم ٤٦١٣، والطبراني في المعجم الكبير ٣/ ٢٠٧. والحديث ضعيف، فقد روي من عدة أوجه عن حكيم بن حزام، وكلها معلولة، وأصحها من رواية يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام، ويوسف بن ماهك لم يسمع من حكيم بن حزام، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة، وقد جاء النهي عن بيع ماليس عند البائع من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب فيه خلاف بين المحدثين؛ فقد ضعفه يحيى القطان، وابن معين في رواية، وأحمد، وأبو داود، وذكره البخاري في الضعفاء الصغير وذكر أن مما يعاب عليه أنه كان لا يسمع بشيء إلا حدث به، وقال عنه ابن معين: " ليس بذاك"، وقال أحمد: " له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا". ولعل تضعيف هؤلاء الأئمة له منصب على روايته عن أبيه عن جده؛ فأكثر مروايته هي عن أبيه عن جده، وسلسة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حصل خلاف بين الأئمة فيها، والراجح أنها ضعيفة؛ وممن نص على ضعفها ابن معين، وابن المديني، وابن حبان، وابن عدي. انظر: التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة ١/ ١٥٧ - ١٥٨، جامع التحصيل، للعلائي، ص ٣٠٥، بيان الوهم والإيهام، لابن القطان ٢/ ٣١٨، ٢/ ٣٢٠، الضعفاء الصغير، للبخاري، ص ٨٤، سنن الترمذي ٣/ ٥٢٧، تهذيب الكمال، للمزي ٢٢/ ٦٤، ميزان الاعتدال، للذهبي ٢/ ٤٦١، ٣/ ٢٦٣، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٥/ ٣٢٢، ٨/ ٤٨.
[ ١١٢ ]
وجه الاستدلال من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند البائع، وعقد الاستصناع ليس عند البائع وقت العقد، فلا يصح بيعه لهذا الحديث (^١).
نوقش: بأن النهي عن بيع ما ليس عند البائع، إذا كان المبيع عينًا معينة يبيعها وهي ليست ملكه بل ملك غيره ثم يسعى في تحصيلها، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه فيكون من بيع الغرر، أما الاستصناع فليس كذلك إذ هو بيع آجل موصوف في الذمة ويغلب على الظن إمكان إيجاده وقت طلبه (^٢).
الدليل الثاني: أجمع أهل العلم على تحريم بيع الدين بالدين (^٣)، وعقد الاستصناع فيه تأجيل البدلين فهو دين بدين، فلا يجوز (^٤).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم بهذا الإجماع؛ لأنه مبني على حديث ضعيف (^٥)، ولوجود الخلاف فيه قال الدكتور الصديق الضرير: "وأرى جواز بيع الدين
_________________
(١) انظر: الإنصاف، للمرداوي ٤/ ٣٠٠، الفروع، لابن مفلح ٤/ ٢٣، حاشية الروض المربع، لابن قاسم ٥/ ٢٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٠/ ٥٢٩، إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٢٧٠، عقد الاستصناع، لبدران، ص ٤٧.
(٣) انظر: الإجماع، لابن المنذر ص ١٣٦.
(٤) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ٦٩، التاج والإكليل، للمواق ٦/ ٤٧٦.
(٥) وهو ما جاء عن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» رواه الدارقطني في سننه، كتاب البيوع، برقم ٣٠٦٠، والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٥، برقم ٢٣٤٢. والحديث منكر؛ فيه موسى بن عبيده أنكر الأئمة حديثه. وقال الشافعي عن هذا الحديث: "أهل الحديث يوهنون هذا الحديث"، وقال أحمد بن حنبل: "وليس في هذا حديث صحيح". انظر: العلل، للدارقطني ١٣/ ١٩٣، تهذيب الكمال، للمزي ٢٩/ ١٠٩، التلخيص الحبير، لابن حجر ٣/ ٧١، الجامع لعلوم الإمام أحمد ١٥/ ١٣ - ١٤.
[ ١١٣ ]
مطلقًا، أعني سواء بيع للمدين أو لغيره بنقد أو بدين ما دام خاليًا من الربا؛ لأنه لم يرد نص يُعتمد عليه في منع أي صوره من هذه الصور … وأما دعوى الإجماع على منع بيع الدين بالدين فغير مسلمة، فقد جوزه المالكية في بعض صوره" (^١)، وهناك مسائل متعددة استثناها بعض العلماء من تحريم الدين بالدين (^٢)؛ مما يدل على عدم ثبوت هذا الإجماع.
الوجه الثاني: على فرض التسليم بهذا الإجماع فلعل الصورة المجمع على منعها هي ما كان فيه الدين من الأموال الربوية (^٣)، أو هي ما لم يكن للناس به حاجة، كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز لأن الذمتين تنشغلان بغير فائدة، فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة، وهذا بخلاف الاستصناع فإن الحاجة ماسة لتأخير العوضين، لا سيما في هذا العصر (^٤)، ومتى ما كان هناك فائدة ومصلحة فإن الصحيح هو جواز تأجيل البدلين (^٥).
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز عقد الاستصناع؛ وذلك لقوة أدلته، والإجابة على المناقشة الواردة عليها، وضعف أدلة القول الثاني، بما ورد عليه من
_________________
(١) الغرر، للصديق الضرير ص ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) انظر: الغرر، للصديق الضرير ص ٣٣١، الربا، للسلطان، ص ٨١ - ٩٥.
(٣) انظر: الغرر، للصديق الضرير ص ٣٣٥.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٤٧١، إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٣٥١، دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٤٥، ٢٧١.
(٥) انظر: تأجيل البدلين في عقود المعاوضات، لياسر النشمي، ص ٣٠٨.
[ ١١٤ ]
مناقشة، ولأن منع الاستصناع يوقع الناس في حرج شديد، خاصة أن الناس في هذا العصر ليسوا كالسابق يستصنعون سيفًا أو آنيةً أو خفًا، بل توسعت دائرة الاستصناع بحيث شملت كل الصناعات الثقيلة، والخفيفة، والمتوسطة، البرية، والبحرية، والجوية، كالسيارات والمعدات، والسفن والطائرات ونحوها، فالناس محتاجون للاستصناع، "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر" (^١)، "وقد أباح الشارع أنواعًا من الغرر للحاجة" (^٢)، "كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق وكما أباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر وذلك اشتراء قبل بدو صلاحها؛ لكنه تابع للشجرة وأباح بيع العرايا بخرصها. فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر" (^٣)، ومفسدة الغرر التي في عقد الاستصناع أقل من مفسدة منعه، "والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم" (^٤)، قال ابن تيمية: "وسر الشريعة أن الفعل إذا اشتمل على مفسدة منع إلا إذا عارضها مصلحة راجحة كما في إباحة الميتة للمضطر وبيع الغرر ونهى الله عنه لأنه نوع ميسر من كونه أكل مال بالباطل فإذا عارضه ضرر أعظم من أباحة دفعا لأعظم الفسادين باحتمال أدناهما" (^٥)، وقال: "ومفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا" (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٢٢٧.
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٢/ ٢٣٦.
(٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٢٢٧.
(٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٤٩.
(٥) مختصر الفتاوى المصرية، لابن تيميةص ٣٣٨.
(٦) القواعد النورانية، لابن تيمية، ص ١٧٢.
[ ١١٥ ]