تعريف المماطلة لغة: تطلق المماطلة في اللغة على مدّ الشيء وإطالته (^١)، قال ابن فارس: "الميم والطاء واللام أصل صحيح يدل على مد للشيء وإطالته، ومطلت الحديدة أمطلها مطلًا مددتها" (^٢)، وقال ابن منظور: "والمطلُ في الحق والدين مأخوذ منه وهو تطويل العدة التي يضربها الغريم للطالب" (^٣).
والمماطلة اصطلاحًا: هي تأخير ما استحق أداؤه بغيرِ عذرٍ من قادرٍ على الأداء (^٤)، ومن هذه التعريف يتبين أن العاجز عن الأداء لا يُعد مماطلًا؛ لأنه معذور، قال ابن حجر (^٥): "يحرُم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة، لابن فارس ٥/ ٣٣١، كتاب الميم، فصل الميم والطاء وما يثلثهما، مادة مطل، لسان العرب، لابن منظور ١٣/ ١٣٤ باب الميم، مادة مطل، القاموس المحيط، للفيروز أبادي ٢/ ١٣٩٦، باب اللام، فصل الميم، مادة مطل، تاج اللغة، للجوهري ١/ ١٦٨، باب اللام، فصل الميم، مادة مطل.
(٢) معجم مقاييس اللغة، لابن فارس ٥/ ٣٣١، كتاب الميم، فصل الميم والطاء وما يثلثهما، مادة مطل.
(٣) لسان العرب، لابن منظور ١٣/ ١٣٤ باب الميم، مادة مطل.
(٤) انظر: حاشية الدسوقي ٤/ ١٨١، فتح الباري، لابن حجر ٤/ ٥٨٦، سبل السلام، للصنعاني ٥/ ١٥٨.
(٥) هو أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الشافعي ويُعرف بابن حجر، ولد في ٧٧٣ هـ في مصر، وحفظ القرآن وهو ابن تسع، شرح صحيح البخاري وسماه فتح الباري، لم يؤلف أحد مثله حتى أنه يقال" لا هجرة بعد الفتح" وله كثير من المصنفات توفي ﵀ سنة ٨٥٢ هـ. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي ٢/ ٣٦، البدر الطالع، للشوكاني ١/ ٨٧.
[ ٣٥ ]
استحقاقه بخلاف العاجز" (^١)، والمطلُ ليس خاصًا بالدَين، بل كل من تأخر عن أداء ما لزمه من حق بغير عذر، قال ابن الملقن (^٢): "يدخل في مطل الغني كل من عليه حق وهو قادر على القيام به، كالزوجين فيما يتعلق بكل منهما من الحق الذي عليه، وكذا الأصول، والفروع، والسادة، والمماليك، والحاكم، والناظر، وغير ذلك" (^٣).
وقد أجمع العلماء على أن المماطلة حرام (^٤)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٥)
وجه الدلالة من الآية: أن الله ﷾ أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، والديون من الأمانات التي أمر الله بأدائها، والمماطلة في أدائها مخالفة لأمر الله تعالى.
الدليل الثاني: عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (^٦).
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر ٤/ ٥٨٧.
(٢) هو عمر بن علي بن أحمد الأَنْصَارِي الشافعيّ، المعروف بابن الملقن، من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال، ولد سنة ٧٢٣ هـ، وله كثير من المصنفات، منها "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، و"التذكرة في علوم الحديث"، و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"، توفي ﵀ سنة ٨٠٤ هـ. انظر: طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة ٤/ ٤٣، الأعلام، للزركلي ٧/ ٥٧.
(٣) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن ٧/ ٣٧٤.
(٤) انظر: مراتب الإجماع، لابن حزم، ص ٩٨، أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ١٩٥، بدائع الصنائع، للكاساني ٧/ ١٧٣، حاشية الدسوقي ٤/ ١٨١، التمهيد، لابن عبد البر ١٨/ ٢٨٦، الزواجر عن اقتراف الكبائر، لابن حجر ١/ ٤١٤ - ٤١٥، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ١٨٦، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٩٢، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٤١٨، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٢٢٩. المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٦٧.
(٥) سورة النساء، الآية ٥٨.
(٦) رواه البخاري، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة، برقم ٢٢٨٧، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغنى وصحة الحوالة واستحباب قبولها إذا أحيل على مَلِيٍّ، برقم ١٥٦٤، واللفظ له.
[ ٣٦ ]
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نصَّ على أن المماطلة ظلم، والظلم محرم؛ قال ﷺ فِيمَا يرويه عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^١)، وقد أتى الوعيد الشديد للظالمين (^٢)؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (^٣).
الدليل الثالث: عن الشريد بن سويد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (^٤).
وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على حِلّ عِرض المماطل الغني القادر على الوفاء، وعقوبته، وهما محرمان لا يحلان إلا بارتكاب محرم أكبر منهما، وهو هنا المطل (^٥).
الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (^٦).
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم ٢٥٧٧.
(٢) انظر: التمهيد، لابن عبد البر ١٨/ ٢٨٦، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ٦/ ٢، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٥/ ٤٠٢.
(٣) سورة طه، جزء من الآية ١١١.
(٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة التمريض في كتاب "في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس"، باب: لصاحب الحق مقال، وأبو داود، كتاب الأقضية، باب في الحبس في الدين وغيره، برقم ٣٦٢٨، والنسائي، كتاب البيوع، باب مطل الغني، برقم ٦٢٨٨، وابن ماجة، كتاب الصدقات، باب الحبس في الدين والملازمة، برقم ٢٤٢٧، وأحمد، حديث الشريد بن سويد الثقفي، برقم ١٧٩٤٥. والحديث ضعيف؛ فهو من طريق محمد بن عبد الله بن ميمون بن مسيكة، عن عمرو بن الشريد عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي، ومحمد بن عبد الله بن ميمون بن مسيكه مجهول الحال. قال بن المديني: "مجهول لم يروِ عنه غير وبرة". انظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٨/ ٨٠، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩/ ٢٨١.
(٥) انظر: التمهيد، لابن عبد البر ١٨/ ٢٨٦، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٩٢.
(٦) رواه البخاري، كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها، برقم ٢٣٨٧.
[ ٣٧ ]
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ توعد من أخذ أموال الناس يريد المماطلة بها، وعدم أدائها، بأن يتلفه الله ﷿ (^١)، وهذا دليل على ارتكابه لفعل محرم.
الدليل الخامس: أن العلماء أجمعوا على أن المماطلة من المحرمات، قال ابن حزم (^٢): "وأجمعوا على أن كل من لزمه حق في ماله، أو في ذمته لأحد، ففرض عليه أداء الحق لمن هو له عليه إذا أمكنه ذلك" (^٣)، وقال: "فإن كان الطالب محقًا، فحرام على المطلوب بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام أن يمنعه حقه، أو يمطله، وهو قادر على إنصافه " (^٤).
والمماطلة من كبائر الذنوب، والأدلة على ذلك:
الدليل الأول: عن الشريد بن سويد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (^٥).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أحلَّ غيبة المدين المماطل،
_________________
(١) قال ابن حجر في الفتح ٥/ ٦٨ - ٦٩: "ظاهرُه أن الإتلاف يقع له في الدنيا، وذلك في معاشه أو في نفسه وهو علم من أعلام النبوة لما نراه بالمشاهدة ممن يتعاطى شيئًا من الأمرين وقيل المراد بالإتلاف: عذاب الآخرة".
(٢) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، ولد سنة ٣٨٤ هـ، وكانت له الوزارة وتدبير المملكة، فانصرف عنها إلى التأليف والعلم، كان حافظًا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة على طريقة أهل الظاهر، بعيدًا عن المصانعة حتى شُبه لسانه بسيف الحجاج، من مصنفاته: "الإحكام في أصول الأحكام"، و"المحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار"، طاردَه الملوك حتى توفي مبعدًا عن بلده سنة ٤٥٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٨/ ١٨٤، البداية والنهاية، لابن كثير ١٥/ ٧٩٥.
(٣) مراتب الإجماع، لابن حزم ص ٩٨.
(٤) المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٦٧.
(٥) سبق تخريجه
[ ٣٨ ]
وعقوبته، وغيبة المسلم، وعقوبتة لا تستحلان إلا لفعل كبيرة، وهي هنا المطل في الدَين.
الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (^١).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ توعد من لم يؤدِ أموال الناس بأن يتلفه الله، وهذا الوعيد لا يكون إلا لفعل كبيرة من الكبائر.
الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبى ﷺ قال: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، إِلَّا الدَّيْنَ» (^٢).
الدليل الرابع: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ" (^٣).
وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ لا يدع الصلاة على ميت مسلم إلا لارتكابه ذنبًا كبيرًا، وفي عدم مغفرة الدين للشهيد دلالة على عظم هذا الذنب، ولا يُحمل الحديثان على عموم الدين؛ لأن الدَين جائز، وقد يتأخر المدين في الأداء لكونه معسرًا، وهو معذور، فلا يدع النبي ﷺ الصلاة على من فعل أمرًا جائزًا، أو تأخر في الأداء لعذر، ومن فعل ذلك لم يرتكب ذنبًا كي لا يغفر له وإن مات شهيدًا؛ فدل على أن المراد بالحديثين المدين الغني المماطل؛ لأنه
_________________
(١) سبق تخريجه
(٢) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين، برقم ١٨٨٦
(٣) رواه البخاري، كتاب الحوالات، باب من تكفل عن ميت دينًا، فليس له أن يرجع، برقم ٢٢٩٥.
[ ٣٩ ]
ظالم ولولا أن المماطلة من الكبائر لما ترك النبي ﷺ الصلاةَ عليه، ولما غُفِر للشهيد كل شيء إلا المماطلة بالدين.
الدليل الخامس: قياس المماطلة على الغصب؛ بجامع أن كلًا منهما أخذ للحق من صاحبه، ومنعه إياه، والغصب كبيرة من الكبائر (^١).
فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن المماطل مرتكب لكبيرة المطل، ومرتكب الكبيرة فاسق، فينتج عنه أن المماطل فاسق (^٢)، وقد اتفق الفقهاء على إسقاط عدالة الفاسق ورد شهادته (^٣)، فيكون المماطل مسقط العدالة مردود الشهادة (^٤)، حتى يوفي ما عليه من حق (^٥).
وقد اتفق الفقهاء على أن المدين المماطل مستحق للعقوبة التعزيرية؛ كي يؤدي ما عليه، وكي يرتدع غيره عن المطل؛ وذكروا بعض العقوبات التي يمكن
_________________
(١) انظر: الكبائر، للذهبي، ص ١٠٩، الزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي ١/ ٤١٤ - ٤١٥.
(٢) انظر: التمهيد، لابن عبد البر ١٨/ ٢٨٦، فتح الباري، لابن حجر ٤/ ٥٨٧، الكبائر، للذهبي، ص ١٠٩، الزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي ١/ ٤١٤ - ٤١٥
(٣) انظر: المبسوط، للسرخسي ٣٠/ ١٥٣، مواهب الجليل، للحطاب ٣/ ٤٠٩، أسنى المطالب، للأنصاري ٤/ ٣٣٩، الإنصاف، للمرداوي ١١/ ٢٨٩، المحلى، لابن حزم ٨/ ٤٧٥. ومن الأدلة على رد شهادة الفاسق: قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ سورة الطلاق، الآية ٢، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ سورة البقرة، الآية ٢٨٢
(٤) انظر كلام الفقهاء في رد شهادة الفاسق بفعل الكبيرة: تبيين الحقائق، للزيلعي ٤/ ٢٢٦، المبسوط، للسرخسي ١٦/ ١٣٠، بدائع الصنائع، للكاساني ٦/ ٢٦٨، منح الجليل، لعليش ٨/ ٣٩٢، تبصرة الحكام، لابن فرحون ١/ ٢٥٩، الفروق، للقرافي ٤/ ٦٧، أسنى المطالب، للأنصاري ٤/ ٣٣٩، الزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد ٢/ ٢٧٦، المغني، لابن قدامة ١٠/ ١٧٠، الفروع، لابن مفلح ٦/ ٥٦٢، الإنصاف، للمرداوي ١٢/ ٤٦، المحلى، لابن حزم ٨/ ٤٧٢.
(٥) انظر: حاشية الصاوي ٤/ ٢٥٦، حاشية الدسوقي ٤/ ١٨١، المنتقى، للباجي ٥/ ٦٦، مواهب الجليل، للحطاب ٦/ ١٧٥، حاشية الجمل، للعجيلي ٣/ ٣٧٠، تحفة الحبيب، للبيجيرمي ٣/ ١٤٤، فتح الباري، لابن حجر ٤/ ٥٨٧، شرح صحيح مسلم، للنووي ١٠/ ٤٧١، نيل الأوطار، للشوكاني ١٠/ ٣٠٢.
[ ٤٠ ]
أن تكون رادعة للماطل ولغيره، منها عقوبات نفسية، وعقوبات بدنية، وعقوبات مالية، والذي يعنينا في هذا البحث بشكل مباشر هي العقوبات المالية، إلا أني سأذكر دون توسع بعض العقوبات النفسية والبدنية قبل التطرق للعقوبات المالية، ومن هذه العقوبات النفسية والبدنية التي يعاقب بها المدين المماطل:
أولًا: التشهير به (^١): وقد اتفق الفقهاء على جواز التشهير بالمدين المماطل وذِكْره أمام الناس بأنه ظالم، وأنه مماطل، وأنه سيء القضاء (^٢)؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (^٣)، فلصاحب الحق المظلوم أن يجهر بذكر المماطل الظالم بأنه سيء القضاء (^٤). فالمطل يبيح للناس عِرض المماطل وغيبته، وأن يُقال فيه: فلان ظالم، مُعتدٍ، يمطل الناس ويحبس حقوقهم (^٥)، وعلى الجهات المسؤولة أن تنشر في وسائل الإعلام أسماء المماطلين من مؤسسات وشركات وأفراد؛ كي يحذر الناسُ التعامل معهم.
ثانيًا: ملازمته (^٦): وقد اتفق الفقهاء على جواز ملازمة الدائن، أو وكيله
_________________
(١) التشهير لغة: مأخوذ من الشهْر وهو الظهور والوضوح. والتشهير اصطلاحًا: الإعلان عن جريمة إنسان والمناداة عليه على رؤوس الأشهاد. انظر: انظر: لسان العرب، لابن منظور ٧/ ٢٢٧، باب الشين، مادة شهر، تاج اللغة وصحاح العربية، للجوهري ٢/ ٧٠٥، باب الراء، فصل الشين، مادة شهر، التشريع الجنائي، لعبد القادر عودة ١/ ٦٠٨.
(٢) انظر: فتح القدير، لابن الهمام ٧/ ٢٧٨، مواهب الجليل، للحطاب ٣/ ٤١٨، نهاية المحتاج، للرملي ٤/ ٣٣٣، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٤١٩، المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٨١.
(٣) سورة النساء، الآية ١٤٨.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٢٢٩
(٥) انظر: المسالك، لابن العربي ٦/ ١٥٩، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ٦/ ٢.
(٦) الملازمة لغة: هي المصاحبة وعدم المفارقة. والملازمة اصطلاحًا: هي مصاحبة المدين لاستيفاء ما يحصل في يده من مال فاضل عن ضرورته. انظر: لسان العرب، لابن منظور ١٢/ ٢٧٢، باب اللام، مادة لزم، القاموس المحيط، للفيروز أبادي ٢/ ١٥٢٤، باب الميم، فصل اللام، مادة لزم، أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ٢٩٩، العناية شرح الهداية، للبابرتي ٩/ ٢٧٧.
[ ٤١ ]
للمدين المماطل (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (^٢)، وقد فُسر معنى ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي: ملازمًا ومصاحبًا له (^٣)، وقد جاء عن كعب بن مالك ﵁: "أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ دَيْنٌ، فَلَقِيَهُ، فَلَزِمَهُ فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «يَا كَعْبُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا" (^٤)، فقد لزم كعب بن مالك ﵁ غريمه، وأقرّه النبي ﷺ على ذلك ولم ينكر عليه، فدل ذلك على جواز ملازمة الدائن لمدينه المماطل (^٥)، ولا يعني ذلك أن تكون الملازمة بشكل دائم بل إنه يلازمه إذا رآه ذاهبًا للمسجد أو للسوق، ويطلب منه أن يوفيه حقه، وهذه الملازمة ستسبب للمماطل ضيقًا؛ إما لأنها ستعيقه عن بعض التعاملات المالية وإظهار ما معه من مال، أو لأن الناس عندما يرون تكرار هذه الملازمة سيسألون عن سببها؛ وإذا عرفوا السبب ستتغير نظرتهم له، وسيتجنبون بعض التعاملات المالية معه خاصة ما يترتب عليه دين، وهو لا يريد ذلك.
ثالثًا: حبسه (^٦): وقد اتفق الفقهاء على جواز عقوبة المدين المماطل
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني ١/ ١٠١، منح الجليل، لعليش ٦/ ٥٤، مغني المحتاج، للشربيني ١/ ٤٧٥، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٩٢، المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٨١.
(٢) سورة آل عمران، الآية ٧٥.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ٤/ ١١٧، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٢/ ٦٠، أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ٢٩٩.
(٤) رواه البخاري، كتاب الخصومات، باب الملازمة، برقم ٢٤٢٤، واللفظ له، ومسلم، كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، برقم ١٥٥٨.
(٥) انظر: شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٦٠، عمدة القاري، للعيني ٤/ ٢٢٨.
(٦) الحبس لغة: المنع والإمساك. والحبس اصطلاحًا: "تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه". انظر: معجم مقاييس اللغة، لابن فارس ٢/ ١٢٨، كتاب الحاء، باب الحاء والباء وما يثلثهما، مادة حبس، القاموس المحيط، للفيروز أبادي ١/ ٧٣٨، باب السين، فصل الحاء، مادة حبس، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٥/ ٣٩٨.
[ ٤٢ ]
بالحبس (^١)، قال ابن المنذر: "أكثر من نحفظ عنه قوله من علماء الأمصار، وقضاتهم يرون الحبس في الدين" (^٢)؛ لأن عقوبة المماطل تعزيرية وهي مطلقة ترجع لنظر القاضي، فإن رأى المصلحة في حبسه فله ذلك. ولا يوجد دليل خاص في حبس المدين المماطل وقد استدل بعض الفقهاء على جواز حبس المدين المماطل بما جاء عن هرماس بن حبيب، عن أبيه، عن جده، قال: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِغَرِيمٍ لِي، فَقَالَ لِي: «الْزَمْهُ»، ثُمَّ مَرَّ بِي آخِرَ النَّهَارِ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ؟» " (^٣)؛ وذلك لأن النبي ﷺ سمى الغريم أسيرًا، والأسير يجوز حبسه، وكذلك أمر ﷺ الدائنَ بملازمة الغريم، والملازمة فيها تعويق له ومنعه من التصرف بنفسه، والحبس كالملازمة، فهو منع الشخص من التصرف بنفسه (^٤). وهذا الحديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به، وقياس الحبس على الملازمة قياس مع الفارق، فالملازمة لا تعيق الشخص عن جميع التصرفات بعكس الحبس الذي يعيقه عن التصرف بنفسه وجلب الرزق لأهله، وينبغي أن يكون الحبس آخر العقوبات؛ لتعدي ضرره إلى أهل المحبوس ولأنه يكلف الدولة الكثير، والمراد بالعقوبات إصلاح المجتمع، فإن كان الحبس سببًا في
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني ٧/ ١٧٣، المدونة، للإمام مالك ٤/ ٥٩، الحاوي، للماوردي ٦/ ٣٣٣، الفروع، لابن مفلح ٤/ ٢٨٨، المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٨١.
(٢) الإشراف، لابن المنذر ٦/ ٢٥٢.
(٣) رواه أبو داود، كتاب القضاء، باب في الدين هل يحبس به، برقم ٣٦٣١، والبيهقي، كتاب البيوع، باب في الحبس والملازمة، وابن ماجه، كتاب الصدقات، باب الحبس في الدين والملازمة، برقم ٢٤٢٨، واللفظ له. والحديث ضعيف؛ لجهالة الهرماس، وأبيه، وجده. انظر: التاريخ الكبير، للبخاري ٢/ ٣٢٨، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٣/ ١١٢، ميزان الاعتدال، للذهبي ٤/ ٢٩٥، تهذيب الكمال، للمزي ٣٠/ ١٦٣، تهذيب التهذيب، لابن حجر، ٢/ ١٩٣، ١١/ ٢٧، تقريب التهذيب، لابن حجر ص ٢٢٢، ١٠١٩.
(٤) انظر: أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ١٩٦، الفروق، للقرافي ٤/ ١٣٥، الطرق الحكمية، لابن القيم ١/ ٢٦٩.
[ ٤٣ ]
ضياع الأسرة وتشتتها، فليكن آخر العقوبات، ويجب التثبت قبل الحبس هل يوجد مال عند المدين المماطل أو لا؟، فإن كان عنده مال ظاهر اُستوفي منه (^١)، قال القرافي (^٢): "ولا يجوز الحبس في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه فإن امتنع من دفع الدين، ونحن نعرف ماله أخذنا منه مقدار الدين، ولا يجوز لنا حبسه، وكذلك إذا ظفرنا بماله أو داره أو شيء يباع له في الدين كان رهنًا أم لا فعلنا ذلك، ولا نحبسه لأن في حبسه استمرار ظلمه، ودوام المنكر في الظلم، وضرره هو مع إمكان أن لا يبقى شيء من ذلك كله، وكذلك إذا رأى الحاكم على الخصم في الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاؤه عنه أخذه من عليه قهرًا، وباعه فيما عليه، ولا يحبسه تعجيلًا لدفع الظلم، وإيصال الحق لمستحقه بحسب الإمكان. " (^٣)، وإن لم يكن له مال ظاهر فإن كان صاحب مهنة أو عمل فليؤخذ من المال الذي يكتسبه منها، وإن لم يكن فليُجبره الحاكم على العمل والتكسب ويأخذ من كسبه ويوفي به الغرماء، وإلا فليحبسه مدة يرى أنها كفيلة بأن تجعله يُخرج ما عند من مال دون أن تطول هذه المدة. مع بيان أن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، قال ابن تيمية: "الحبس الشرعي"ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه" (^٤)، وقال: "ولا يجب حبسه بمكان معين فيجوز حبسه في دار نفسه، بحيث لا يمكن من الخروج" (^٥).
_________________
(١) انظر: حاشية ابن عابدين ٦/ ١٥٠، الفروق، للقرافي ٤/ ٨٠، الإشراف، لابن المنذر ٦/ ٢٥٢، المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٧٥.
(٢) هو أحمد بن إدريس القرافي المالكي، كان إمامًا في الفقه والأصول، من مصنفاته: "الفروق"، و"الذخيرة" في الفقه وهما من أجل كتب المالكية، توفي سنة ٦٨٤ هـ. انظر: الديباج المذهب، لابن فرحون، ص ٦٢، معجم المؤلفين، لعمر بن عبد الغني ١/ ١٥٨.
(٣) الفروق، للقرافي ٤/ ٨٠.
(٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٥/ ٣٩٨.
(٥) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية ٥/ ٣٩٨، المستدرك على مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٤/ ٢٦.
[ ٤٤ ]
رابعًا: منْعُه من السفر: وقد اتفق الفقهاء على جواز عقوبة المدين المماطل بمنعه من السفر، حتى يستوفي صاحب الدين حقه كاملًا (^١)؛ لأن الدائن يتضرر بسفر المدين المماطل وذلك لتأخر استيفاء حقه، والضرر يزال فيمنع من السفر (^٢).
خامسًا: ضرْبُه: وقد رأى جمهور الفقهاء أنه يجوز ضرب المدين المماطل (^٣)، وخالف الحنفية فقالوا بعدم الجواز (^٤)، قال الجصاص (^٥): "متى امتنع من أداء جميع رأس المال إليه كان ظالمًا له مستحقًا للعقوبة واتفق الجميع على أنه لا يستحق العقوبة بالضرب فوجب أن يكون حبسًا لاتفاق الجميع على أن ما عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا" (^٦)، وقال ابن تيمية: "يعاقب الغني المماطل بالحبس فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب وقد نصَّ على ذلك الفقهاء: من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ﵃ ولا أعلم فيه خلافًا" (^٧)، وعقوبة المماطل من العقوبات التعزيرية التي يرجع تقديرها إلى الحاكم، فيجوز للحاكم أن يعاقبه بالعقوبة التي تردعه عن المماطلة، وقد يكون الضرب هو العقوبة الرادعة له، فيضربه؛ حفظًا لحقوق
_________________
(١) انظر: حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٩٤، التاج والإكليل، للمواق ٦/ ٥٩٤، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ١٨٦، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٩٣، المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٨١.
(٢) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٩٤.
(٣) انظر: منح الجليل، لعليش ٦/ ٥٢، مغني المحتاج، للشربيني ٣/ ١١٦، الإقناع، للحجاوي ٢/ ٢٠٩،
(٤) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني ٣/ ١٧٣، الدر المختار، للحصكفي ٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٥) هو أحمد بن علي أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص ولد سنة ٣٠٥ هـ، انتهت إليه رئاسة الحنفية في وقته، من أشهر تصانيفه: " أحكام القرآن "، توفي سنة ٣٧٠ هـ. انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية، للقرشي ١/ ٨٤. سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٦/ ٣٤٠.
(٦) أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ١٩٦.
(٧) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٢٧٩.
[ ٤٥ ]
الناس من الضياع (^١)، وليكن العقاب بالضرب من آخر العقوبات فإذا لم يجد القاضي له مالًا ظاهرًا عاقبه بالتشهير، والملازمة، والمنع من السفر، فإن لم يؤد ضربه، فإن لم يؤد حبسه؛ حفظًا للحقوق، ولأن الإيلام الأدبي المعنوي الذي يحصل للدائن قد يكون أشد من الإيلام البدني الذي يحصل للمدين المماطل.
هذه هي أبرز العقوبات النفسية والبدنية التي يعاقب بها المدين المماطل، والتي ذكرها الفقهاء في كتبهم وليس العقاب مقيدًا بهذه العقوبات بل "لو كان قادرًا على أداء الدين وامتنع ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره إذا لم يتعد حدود الله" (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٣٥/ ٤٠٢، الاختيارات الفقهية، لابن تيمية، ص ٢٠١، الطرق الحكمية، لابن القيم ١/ ٢٧٩.
(٢) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية ٥/ ٣٩٨.
[ ٤٦ ]