الفَلَس في اللغة يطلق على الخلو من الشيء والتجرد منه، والمفلس هو الرجل الذي لم يبقَ له مال (^١)، قال ابن منظور: "أفلس الرجل إذا لم يبقَ له مال يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فِلْس" (^٢).
والمفلس في الاصطلاح لا يخرج عن التعريف الذي ذكره ابن منظور، وقد عرفه ابن قدامة (^٣) بأنه: "الذي لا مال له ولا ما يدفع به حاجته" (^٤).
وقد اختلف الفقهاء في حكم حلول الأجل بسبب الحجر للإفلاس على قولين:
القول الأول: أن الأجل لا يحل بسبب الحجر للإفلاس.
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة، لابن فارس ٤/ ٤٥١ كتاب الفاء، فصل الفاء واللام وما يثلثهما، مادة فلس، لسان العرب، لابن منظور ١٠/ ٣١٨، باب الفاء، مادة فلس، القاموس المحيط، للفيروزأبادي ١/ ٧٧٢ باب السين، الفاء، مادة فلس.
(٢) لسان العرب، لابن منظور ١٠/ ٣١٨.
(٣) هو موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، من أئمة الحنابلة، ولد عام ٥٤١ هـ، حفظ القرآن وهوصغير، وانتهت إليه معرفة فروع المذهب وأصوله، ومن مصنفاته: "المغني"، و"روضة الناظر"، توفي عام ٦٢٠ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب ٣/ ٢٨١، سير أعلام النبلاء، للذهبي ٢٢/ ١٦٦.
(٤) المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٦٥
[ ٢٣ ]
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وقول عند المالكية (^٤).
القول الثاني: أن الأجل يحل بسبب الحجر للإفلاس.
وهو مذهب المالكية (^٥)، وقول عند الشافعية (^٦)، ورواية عند الحنابلة (^٧).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الحجر على المدين المفلس لا يوجب الذي له من دين على غيره، فكذلك لا يوجب حلول ما عليه (^٨).
الدليل الثاني: أن الحجر على المفلس إنما كان بالديون الحالة دون الديون المؤجلة؛ لأنه لو كانت ديونه مؤجلة لم يجز الحجر عليه بها، والمفلس إنما يجب صرف ماله فيمن كان الحجر عليه من أجله (^٩).
_________________
(١) انظر: حاشية ابن عابدين ٦/ ١٤٧، مختصر الطحاوي ص ٩٦، الأشباه والنظائر، لابن نجيم ص ٣٩٢.
(٢) انظر: الأم، للشافعي ٣/ ٢١٧، الحاوي، للماوردي ٦/ ٣٢٣، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ١٨٣.
(٣) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٨١، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٣٠٢، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٦٨
(٤) انظر: حاشية العدوي ٥/ ٢٦٦، مواهب الجليل، للحطاب ٥/ ٣٩.
(٥) انظر: المدونة، للإمام مالك ٤/ ٨٣، التاج والإكليل، للمواق ٦/ ٦٠٠، مواهب الجليل، للحطاب ٥/ ٥
(٦) انظر: مغني المحتاج، للشربيني ٣/ ٩٧، الحاوي، للماوردي ٦/ ٣٢٣.
(٧) انظر: المبدع، لابن مفلح ٤/ ٢٠٦، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٣٠٢.
(٨) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٨١
(٩) انظر: الحاوي، للماوردي ٦/ ٣٢٣.
[ ٢٤ ]
الدليل الثالث: أن الأجل حق للمفلس، يمكنه من تحصيل الدين بالاكتساب أو غيره فلا يسقط بإفلاسه كسائر حقوقه (^١).
الدليل الرابع: أنه دين مؤجل على حي، فلا يحل قبل أجله، كغير المفلس (^٢).
الدليل الخامس: أن العلماء أجمعوا على أن ما كان من دين للمفلس إلى أجل، فإنه لأجله، قال ابن المنذر (^٣): "وأجمعوا أن ما كان من دين للمفلس إلى أجل، أن ذلك إلى أجله، لا يحل بإفلاسه" (^٤).
يناقش: بعدم ثبوت هذا الإجماع؛ لوجود الخلاف فيه.
دليل القول الثاني: القياس على الميت، بجامع خراب الذمة في كليهما، فكما أن ذمة الميت خربت بموته؛ كذلك ذمة المفلس خربت بإفلاسه؛ لأنه يمنع من التصرف في ماله، فإذا خربت ذمته وجب حلول ديونه المؤجلة (^٥).
نوقش: بأنه لا يسلَّم سقوط الأجل بالموت، ولو سلّمنا بحلول الأجل بالموت، فإن قياس المفلس على الميت قياس مع الفارق، فذمة المفلس باقية لم تخرب وهي صالحة للتكسب، والتملك، بخلاف الميت (^٦).
_________________
(١) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٨١، المبدع، لابن مفلح ٤/ ٢٠٦، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٦٨.
(٢) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٨١
(٣) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، ولد سنة ٢٤٢ هـ، من كبار الفقهاء المجتهدين، وهو في عداد فقهاء الشافعية، إلا أنه لم يكن مقلدا لأحد، قال النووي عنه: " وله اختيار فلا يتقيد في الاختيار بمذهب بعينه، بل يدور مع ظهور الدليل"، من تصانيفه: " الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف"، و"الإشراف على مذاهب أهل العلم"، و" الإجماع". انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ١٠٢، سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٤) الإجماع، لابن المنذر ص ١٤٣.
(٥) انظر: مواهب الجليل، للحطاب ٥/ ٥، شرح مختصر خليل، للخرشي ٥/ ٢٦٦.
(٦) انظر: الحاوي، للماوردي ٦/ ٣٢٣، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٨١، المبدع، لابن مفلح ٤/ ٢٠٦
[ ٢٥ ]
الترجيح: يظهر لي والله أعلم أن الراجح هو القول الأول، القائل بأن الأجل لا يسقط بسبب الحجر للإفلاس؛ وذلك لقوة أدلته، مقابل ضعف دليل القول الثاني، ولأن الفلس سبب لتأجيل الديون الحالة، فكيف تحل به الديون المؤجلة؟!
[ ٢٦ ]