حكم تمديد الأجل بسبب انقطاع المسلم فيه.
اختلف الفقهاء في حكم تمديد الأجل بسب انقطاع المُسْلَم فيه، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يخير المُسْلِم بين الفسخ، وبين تمديد الأجل إلى وجوده.
وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، والظاهرية (^٥).
القول الثاني: أن العقد ينفسخ، ويسترد المُسْلِمُ رأسَ المال.
وهو قول عند الحنفية (^٦)، والمالكية (^٧)، والشافعية (^٨)، والحنابلة (^٩).
_________________
(١) انظر: الهداية، للمرغيناني ٧/ ٨٢، فتح القدير، لابن الهمام ٧/ ٨٢، الجوهرة النيرة، للعبادي ١/ ٢١٨
(٢) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ٦٢، المنتقى، للباجي ٥/ ٧٣، شرح مختصر خليل، للخرشي ٥/ ٢٢١
(٣) انظر: تكملة المجموع، للمطيعي ١٢/ ٢٤٨، نهاية المطلب، للجويني ٦/ ١٠، نهاية المحتاج، للرملي ٥/ ١٩٤.
(٤) انظر: المغني، لابن قدامه ٤/ ١٩٦، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ١٠٣، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤
(٥) انظر: المحلى، لابن حزم ٨/ ٥٤.
(٦) انظر: فتح القدير، لابن الهمام ٧/ ٨٢، تبيين الحقائق، للزيلعي ٤/ ١١٣
(٧) انظر: بداية المجتهد، لابن رشد ٢/ ٢٠٥، المنتقى، للباجي ٥/ ٧٣
(٨) انظر: نهاية المطلب، للجويني ٦/ ١٠، روضة الطالبين، للنووي ٤/ ١١
(٩) انظر: الإنصاف، للمرداوي ٥/ ١٠٤، الشرح الكبير، لابن قدامة ٤/ ٣٣٣.
[ ١٣٧ ]
القول الثالث: أن العقد لا ينفسخ، ويمدد المُسْلِمُ الأجلَ إلى وجوده.
وهو قول عند المالكية (^١).
دليل القول الأول: أن هذا العقد صحيح، وقد وقع على موصوف في الذمة، فهو باق على أصله، وليس من شرط جوازه أن يكون في نفس الأجل الذي حدد، وإنما هو شيء شرطه المسلم فهو بالخيار (^٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن المعقود عليه قد هلك بتعذر تسليمه، فاقتضى انفساخ العقد، كما لو شرى بفلوس ثم كسدت قبل القبض، يبطل العقد، فكذا هنا (^٣).
نوقش: بأن المسلم فيه متعلق بالذمة، لا في شيء معين كما في الفلوس الكاسدة قبل القبض، وما في الذمة باق على أصله (^٤).
الدليل الثاني: أن في تأجيل المسلم فيه بيعًا للدين بالدين، وبيع الدين بالدين محرم (^٥).
يناقش: بعدم التسليم بأن فيه بيع دين بدين، بل إن فيه تأجل الدين إلى وقت وجوده.
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد، لابن رشد ٢/ ٢٠٥، المنتقى، للباجي ٥/ ٧٣
(٢) انظر: فتح القدير، لابن الهمام ٧/ ٨٢، منح الجليل، لعليش ٥/ ٣٨٠، نهاية المطلب، للجويني ٦/ ١٠، الشرح الكبير، لابن قدامة ٤/ ٣٣٣.
(٣) انظر: فتح القدير، لابن الهمام ٧/ ٨٢، تكملة المجموع، للمطيعي ١٢/ ٢٤٨، المغني، لابن قدامه ٤/ ١٩٧
(٤) انظر: بداية المجتهد، لابن رشد ٢/ ٢٠٥، نهاية المطلب، للجويني ٦/ ١٠، المغني، لابن قدامه ٤/ ١٩٧
(٥) انظر: بداية المجتهد، لابن رشد ٢/ ٢٠٥.
[ ١٣٨ ]
دليل القول الثالث: أنه عقد ثبت بينهما فلا يجوز فسخه، ولم يوجد ما يوجب فسخ العقد، فعلى المسلم تمديد الأجل إلى حين وجوده (^١).
يناقش: بأن هذا العقد تم بشرط التسليم في أجل مسمى، فإذا لم يتم هذا الشرط وهو التسليم في الأجل فإن لصاحب الحق الفسخ، وإلزامه بتمديد الأجل إلى حين وجود المسلم فيه ضرر عليه، فيخير بين الفسخ، وتمديد الأجل، رفعًا للضرر عنه.
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بتخيير المسلم بين الفسخ، والرجوع بالثمن، وبين تمديد الأجل إلى وجوده؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولضعف الأقوال الأخرى بما ورد على أدلتها من مناقشة، ولأن هذا العقد تم بشرط التسليم في أجل مسمى فإن جاء الأجل ولم يستلم ما تم العقد عليه فإنه بالخيار، بين تمديد الأجل، وفسخ العقد، والأولى للمُسلم مراعاة حال المسلم إليه فإن كان في التأجيل توسيع له دون ضرر على المسلم فليمدد الأجل إلى حين وجود المسلم فيه.
_________________
(١) انظر: المنتقى، للباجي ٥/ ٧٣
[ ١٣٩ ]