حكم إسقاط الأقساط الأخيرة بشرط انتظام المدين بالتسديد (^١).
هذه المسألة شبيهة بمسألة ضع وتعجل فهي تتفق معها في وضع جزء من الدين، وتفترق عنها في أن المدين لم يعجل شيئًا، وإنما قام بالالتزام الواجب عليه بحكم العقد، وهذه المسألة مبنية على مسألتين؛ الأولى: مسألة ضع وتعجل وقد سبق الكلام عليها، والثانية مسألة تعليق البراءة بالشرط؛ لأن الدائن يبرئ ويسقط عن المدين آخر الأقساط بشرط انتظامه بالسداد، وقد اختلف الفقهاء في حكم تعليق البراءة بالشرط على قولين:
القول الأول: جواز تعليق البراءة بالشرط.
وهو مذهب المالكية (^٢)، وقول عند الشافعية (^٣)، ورواية عند الحنابلة (^٤).
_________________
(١) صورة المسألة: أن يبيع رجل لآخر سلعة إلى أجل بأقساط معلومة في أوقات معلومة، ويشترط الدائن على نفسه للمدين أنه إذا انتظم بتسديد الأقساط في وقتها أن يسقط عنه آخر قسط أو قسطين. أو أن يقرض رجل آخر قرضا إلى أجل بأقساط معلومة في أوقات معلومة، ويشترط الدائن على نفسه للمدين أنه إذا انتظم بتسديد الأقساط في وقتها أن يسقط عنه آخر قسط أو قسطين، هذا عند من يرى جواز تأجل القرض بالتأجيل، وجواز وفائه بالأقل. انظر: الكافي، لابن عبد البر ٢/ ٧٢٧ - ٧٢٨، المنتقى، للباجي ٥/ ٩٦ - ٩٧، منح الجليل، لعليش ٥/ ٤٣.
(٢) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ٣٩٧، الكافي، لابن عبد البر ٢/ ٨٨٠، تحرير الكلام في مسائل الإلتزام، للحطاب ص ٢٣٠.
(٣) انظر: الأشباه والنظائر، للسيوطي ص ٢١٢، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ٢١٥، تحفة المحتاج، للهيتمي ٥/ ١٩٢، روضة الطالبين، للنووي ٤/ ١٩٥.
(٤) انظر: المحرر، لمجد الدين ابن تيمية ١/ ٥٠١، الفروع، لابن مفلح ٤/ ١٩٤، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٣٦.
[ ١٧١ ]
القول الثاني: عدم جواز تعليق البراءة بالشرط.
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، والظاهرية (^٤).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الأصل في الشروط والعقود الصحة واللزوم، مالم يقم دليل على منعها، ولا يوجد دليل يمنع من تعليق البراءة بالشرط (^٥).
الدليل الثاني: أن الإبراء إسقاط محض، والإسقاط لا يفتقر إلى قبول المبرأ، ولا رضاه، فصح تعليقه بالشرط، كالعتق والطلاق (^٦).
دليل القول الثاني: أن في الإبراء معنى التمليك، والأصل أن التمليك لا يقبل التعليق بالشرط، كالهبة (^٧).
نوقش: بعدم التسليم بأن الإبراء فيه معنى التمليك، بل هو إسقاط محض، ولهذا لا يفتقر إلى قبول المبرأ، ولا رضاه، ولا يرتد بالرد فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك، وعلى فرض التسليم بأن الإبراء تمليك كالهبة، فإنه لا يسلم بأن الهبة لا تقبل التعليق على شرط، فلا نص، ولا إجماع يدل على بطلان تعليق الهبة بالشرط (^٨).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني ٦/ ٤٥، العناية، للبابرتي ٧/ ١٩٧.
(٢) انظر: الحاوي، للماوردي ٦/ ٣٦٧، حاشية عميرة ٢/ ٣٨٥، الأشباه والنظائر، للسيوطي ص ٢١٢، الغاية والتقريب في الفقه الشافعي، لأبي شجاع ص ١٦٣.
(٣) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٣١٢، الفروع، لابن مفلح ٤/ ١٩٤، الشرح الكبير، لابن قدامة ٥/ ٢، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٣٦، الآداب الشرعية، لابن مفلح ١/ ١٢١.
(٤) انظر: المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٧١.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ١٣٢.
(٦) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٥ - ٧٤٦، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٦.
(٧) انظر: كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٩١.
(٨) انظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٦ - ١٧.
[ ١٧٢ ]
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز تعليق البراءة بالشرط؛ وذلك لأن الأصل في الشروط الصحة واللزوم ما لم يقم دليل يمنع، ولا دليل يمنع من تعليق البراءة بالشرط.
وبناء على ذلك يترجح جواز اشترط إسقاط الأقساط الأخيرة إذا انتظم المدين بالسداد؛ لأنه تبرع من الدائن للمدين، وتحفيز له على القيام بالتزامه بما تعهد به من تسديد الأقساط في مواعيدها المحددة، ولاشك أن في هذا الشرط مصلحة للدائن بالحصول على حقه من غير تأخير، ولا لجوء إلى المحاكم لإلزام المدين بالسداد، ومصلحة للمدين حيث إن هذا الشرط يحفزه على الوفاء، وإبراء ذمته من الدين، مع ما يحصل عليه من الحط من ذلك الدين اللازم له، لو لم ينتظم بالسداد (^١)، إلا إن كان هناك اتفاق مسبق وزِيدَ على الثمن والأجل المعتاد فإنه لا يجوز؛ لأن هذا الشرط يتخذ حيلة إلى الربا، فيقول البائع للمشتري: إن سددت الثمن في أجله الحقيقي، حططت عنك آخر قسط، أو قسطين مثلًا، وإلا لزمتك جميع الأقساط، فتؤول المسألة إلى أنه إن لم يؤد في الأجل الحقيقي أخر له في الأجل وزاده في الثمن، وهذه حقيقة الربا المجمع على تحريمه (^٢)
_________________
(١) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ٢/ ٦٥٨
(٢) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السابع ٢/ ١٩١ - ١٩٢، الشروط التعويضية، للعنزي ٢/ ٦٥٩.
[ ١٧٣ ]