حكم السَّلم المقسَّط.
المقصود بالسلم المقسط: هو أن يسلم في شيء واحد، على أن يقبضه في أوقات متفرقة أجزاء معلومة (^١).
وقد اختلف الفقهاء في حكم السلم المقسط على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز السلم المقسط مطلقًا دون بيان أجل كل قسط وثمنه.
وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، ورواية عند الحنابلة (^٥).
القول الثاني: عدم جواز السلم المقسط مطلقًا. وهو قول عند الشافعية (^٦).
القول الثالث: جواز السلم المقسط إذا بُيّن أجل كل قسط وثمنه، وإذا لم يبين لم يجز.
_________________
(١) انظر: حاشية الدسوقي ٣/ ٢١٦، المغني، لابن قدامه ٤/ ٢٠٢، مطالب أولي النهى، للرحيباني ٣/ ٢٢٢، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ١/ ٢٠٣.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٨، حاشية ابن عابدين ٥/ ٢١٤.
(٣) انظر: حاشية الدسوقي ٣/ ٢١٦، التاج والإكليل، للمواق ٦/ ٥٣٠.
(٤) انظر: الحاوي، للماوردي ٥/ ٣٩٩، روضة الطالبين، للنووي ٤/ ١١، تكملة المجموع، للمطيعي ١٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٥) انظر: المغني، لابن قدامه ٤/ ٢٠٣، مطالب أولي النهى، للرحيباني ٣/ ٢٢٢.
(٦) انظر: الأم، للشافعي ٣/ ١٠١، الحاوي، للماوردي ٥/ ٣٩٩، روضة الطالبين، للنووي ٤/ ١١.
[ ١٣٤ ]
وهو مذهب الحنابلة (^١)، وقول للشافعي (^٢).
دليل القول الأول: القياس على الثمن المقسَّط في البيع المطلق، فكل بيع جاز في جنس واحد وأجل واحد جاز في جنسين وفي أجلين (^٣).
دليل القول الثاني: أن ثمن المسلم فيه المؤخر أقل من ثمن المسلم فيه المقدم، فتقع الصفقة لا يعرف ثمن كل واحد من القسطين، فيكون ثمن كل قسط مجهولًا، فلا يجوز (^٤).
نوقش: بأن بيع الأعيان يجوز إلى أجلين وفي جنسين مع الجهل بما يقابل كل واحد منهما، والسلم كبيع الأعيان (^٥).
ويناقش أيضًا: بأن هذه الجهالة تزول إذا بُيّن أجل كل قسط وثمنه.
دليل القول الثالث: استدلوا على جوازه بما استدل به اصحاب القول الأول، وهو أن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وآجال، واشترطوا إن يبين قسط كل أجل وثمنه؛ لأنه لو تعذر قبض الباقي فإن الأجل الأبعد يستحق أقل من الأجل الأقرب، فاعتبر معرفة قسطه وثمنه، وإذ لم يبين لم يصح (^٦).
نوقش: بأنه إذا قبض البعض وتعذر قبض الباقي، ففسخ العقد، رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للباقي فضلًا عن المقبوض؛ لأنه مبيع واحد
_________________
(١) انظر: كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٠٠، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ٩٢ - ٩٣.
(٢) انظر: الأم، للشافعي ٣/ ١٠١ قال الشافعي: " فإن أسلف مائة دينار في مائتي صاع حنطة منهما مائة بستين دينارا إلى كذا وأربعون في مائة صاع تحل في شهر كذا جاز" الأم ٣/ ١٠١
(٣) انظر: تكملة المجموع، للمطيعي ١٢/ ٢٣١، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٠٣
(٤) انظر: الأم، للشافعي ٣/ ١٠١، الحاوي، للماوردي ٥/ ٣٩٩
(٥) انظر: المهذب، للشيرازي، مطبوع مع المجموع ١٢/ ٢٣٠
(٦) انظر: كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٠٠، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ٩٣
[ ١٣٥ ]
متماثل الأجزاء، فيقسط الثمن على أجزائه بالسوية، كما لو اتفق أجله (^١).
يجاب: بأنه ليس من العدل أن يقسط الثمن على أجزائه بالسوية؛ فإن الأجل الأبعد لا يساوي الأجل الأقرب في السَّلم، وفي عدم بيان قسط كل أجل وثمنه فتح لباب الاختلاف بين الناس، وإشغال للمحاكم بهذه الخلافات، والشريعة جاءت بغلق الأبواب التي تسبب العداوة والبغضاء بين الناس.
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الثالث، القائل بجواز السلم المقسط إذا بُيّن أجل كل قسط وثمنه؛ وذلك لأن السلم بيع، وكل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وإلى آجال، وفي بيان قسط كل أجل وثمنه غلق لباب الاختلاف بين الناس، والشريعة قيَّدت السلم الجائز ببيان أجله ووزنه أو كيله؛ لغلق باب الاختلاف بين الناس، ولما يترتب عليه من عداوة وبغضاء بينهم.
_________________
(١) انظر: تكملة المجموع، للمطيعي ١٢/ ٢٣١، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٠٣
[ ١٣٦ ]