حكم إسقاط بعض الدين الحال بالشرط (^١).
اختلف الفقهاء في حكم إسقاط بعض الدين الحال بالشرط على قولين:
القول الأول: أن ذلك جائز
وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، ورواية عند الحنابلة (^٥).
القول الثاني: أن ذلك لا يجوز.
وهو مذهب الحنابلة (^٦)، والظاهرية (^٧)، وقول عند الشافعية (^٨).
_________________
(١) صورة المسألة: أن يقول الدائن للمدين عند حلول أجل الدين إن أعطيتني كذا وكذا فأنت بريء من الباقي.
(٢) انظر: الدر المختار، للحصكفي ٥/ ٦٣٩ - ٦٤٠، تبيين الحقائق، للزيلعي ٥/ ٤١، العناية، للبابرتي ٨/ ٤٢٨، غمز عيون البصائر، للحموي ٣/ ٩٧
(٣) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ٣٩٧، الكافي، لابن عبد البر ٢/ ٨٨٠، تحرير الكلام في مسائل الإلتزام، للحطاب ص ٢٣٠
(٤) انظر: أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ٢١٥، تحفة المحتاج، للهيتمي ٥/ ١٩٢، روضة الطالبين، للنووي ٤/ ١٩٥
(٥) انظر: المحرر، لمجد الدين ابن تيمية ١/ ٥٠١، والفروع، لابن مفلح ٤/ ١٩٤، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٣٦
(٦) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٣١٢، الفروع، لابن مفلح ٤/ ١٩٤، الشرح الكبير، لابن قدامة ٥/ ٢، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٣٦، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٩١.
(٧) انظر: المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٧١.
(٨) انظر: الحاوي، للماوردي ٦/ ٣٦٧، حاشية عميرة ٢/ ٣٨٥
[ ١٤٥ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على منعه، وإسقاط بعض الدين الحال بالشرط صحيح، ولم يبين الله ولا رسوله ﷺ لنا تحريمه، فدل على جوازه وأنه يجب الوفاء به (^١).
الدليل الثاني: أن إسقاط بعض الدين الحال لا يفتقر إلى قبول المبرأ، ولا رضاه، فصح تعليقه بالشرط، كالعتق والطلاق (^٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن كل شرط، أو عقد، أو عهد، لم يرد في الشرع ما يدل على جوازه وإباحته، فهو مردود؛ لأنه ليس في كتاب الله، وليس عليه أمر النبي ﷺ (^٣).
نوقش: بأن الشرط المردود هو المخالف لحكم الله تعالى، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى، أو رسوله ﷺ، وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله، ولم يحرمه رسوله ﷺ فإنه لا يكون مخالفًا لكتاب الله وشرطه، ولا لأمر النبي ﷺ (^٤).
الدليل الثاني: أن المدين إذا كان مقرًا بما عليه من دين فإنه يجب عليه دفعه كاملًا، فإذا دفع أقل مما عليه كان في ذلك هضم لصاحب الحق، وفي ذلك أكل للمال بالباطل (^٥).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ١٣٢
(٢) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٥ - ٧٤٦، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٦.
(٣) انظر: انظر: المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٧١، الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم ٥/ ١٤، ١٥.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ١٦٣
(٥) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٣١٢، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٣٥، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٩١.
[ ١٤٦ ]
نوقش: بأن هضم صاحب الحق يكون لو امتنع المدين من أداء دينه الحال حتى يضع عنه، أما إذا كان المدين مقرًا بما عليه، ووضع عنه صاحب الحق بعض الدين الحال مقابل شرط فليس في ذلك هضم لصاحب الحق (^١).
الدليل الثالث: أن إسقاط بعض الدين الحال إبراء، والإبراء فيه معنى التمليك، والأصل في التمليك أنه لا يقبل التعليق بالشرط، كالهبة (^٢).
نوقش: بعدم التسليم بأن الإبراء فيه معنى التمليك، بل هو إسقاط محض، ولهذا لا يفتقر إلى قبول المبرأ، ولا رضاه، ولا يرتد بالرد فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك، وعلى فرض التسليم بأن الإبراء تمليك كالهبة، فإنه لا يسلم بأن الهبة لا تقبل التعليق على شرط، فلا نص، ولا إجماع يدل على بطلان تعليق الهبة بالشرط (^٣).
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز إسقاط بعض الدين الحال بالشرط؛ وذلك لأن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ماقام دليل على منعه، ولم يقم دليل على منع إسقاط بعض الدين الحال مقابل الشرط، إلا إن امتنع المدين من أداء دينه الحال حتى يضع عنه الدائن بعضه فإنه لا يجوز؛ لأن فيه هضمًا لصاحب الحق، وأكلًا للمال بالباطل.
_________________
(١) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٦
(٢) انظر: كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٩١.
(٣) انظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٦ - ١٧.
[ ١٤٧ ]