حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسرًا مليًا.
اختلف الفقهاء في حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسرًا مليًا، على قولين:
القول الأول: جواز هذا الشرط.
وهو قول لبعض الحنفية (^١)، وبعض الحنابلة (^٢)، واختيار بعض الفقهاء المعاصرين (^٣).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني ٦/ ٤٥، درر الحكام، لعلي حيدر ١/ ٨٥. جاء في بدائع الصنائع: " لو جعل المال نجومًا بكفيل، أو بغير كفيل، وشرط أنه إن لم يوفه كل نجم عند محله، فالمال حال عليه، فهو جائز على ما شرط؛ لأنه جعل الإخلال بنجم شرطًا لحلول كل المال عليه، وأنه صحيح " ٦/ ٤٥، وجاء في درر الحكام، لعلي حيدر: " إذا اشترط الدائن في الدين المقسط، بأنه إذا لم يدفع المدين الأقساط في أوقاتها المضروبة يصبح الدين معجلا، فيجب مراعاة الشرط، فإذا لم يف المدين بالشرط، ولم يدفع القسط الأول مثلا عند حلول أجله، يصبح الدين جميعه معجلًا" ١/ ٨٥.
(٢) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٩٥، قال ابن القيم: " إن خاف صاحب الحق أن لا يفي له من عليه - الدين- بأدائه عند كل نجم كما أجله، فالحيلة: أن يشترط عليه أنه إذا حل نجم ولم يرد قسطه فجميع المال عليه حال، فإن نجمه على هذا الشرط جاز، وتمكن من مطالبته به حالًا ومنجمًا عند من يرى لزوم تأجيل الحال ومن لا يراه، أما من لا يراه فظاهر، وأما من يراه، فإنه يجوز تأجيله لهذا الشرط " إعلام الموقعين ص ٧٩٥.
(٣) منهم: الدكتور محمد تقي العثماني، كما في كتابه بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص ٣٦، والدكتور رفيق المصري، كما في كتابه بيع التقسيط ص ١٠٦، والدكتور محمد عثمان شبير، كما في بحثه صيانة المديونيات، ومعالجتها من التعثر في الفقه الإسلامي لشبير، ضمن بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٦، والدكتور عبد الستار أبوغدة، كما في كتابه البيع المؤجل ص ٨١، والدكتور سليمان التركي، كما في كتابه بيع التقسيط وأحكامه ص ٣٤٢. وقد صدر بجواز شرط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسرًا مليًا قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة السادسة بشأن بيع التقسيط، ونصه: "يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد"، وفي قرار آخر: "يجوز اتفاق المتداينين على حلول الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه، ما لم يكن معسرًا "، وصدر بجوازه أيضًا قرار المجلس الشرعي لهيئة معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، فقد جاء في معيار المدين المماطل ما نصه: "يجوز اشتراط حلول الأقساط جميعها إذا تأخر المدين المماطل عن سداد قسط منها، والأولى أن لا يطبق هذا الشرط إلا بعد إشعار المدين، ومضى مدة مناسبة" مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السادس ١/ ٤٤٨، العدد السابع ٢/ ٢١٨، المعايير الشرعية ص ٣٤.
[ ١٨٠ ]
القول الثاني: عدم جواز هذا الشرط.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (^١).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الأصل في العقود والشروط الإباحة والجواز ما لم يدل الدليل على المنع، فإذا تم التراضي بين المتعاقدين على اشتراط حلول بقية الأقساط بالتأخر عن سداد بعضها، فهو داخل فيما أمر الله بالوفاء به، ولا دليل على منعه، ولا يترتب عليه تحليل حرام، أو تحريم حلال (^٢).
_________________
(١) منهم: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد العزيز آل شيخ، والشيخ بكر أبو زيد، والشيخ عبد الله الغديان، والشيخ صالح الفوزان، كما في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٣/ ١٨٢. وانظر: البيع المؤجل، لعبد الستار أبوغدة ص ٨١، الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ١٩٦.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ١٣٢.
[ ١٨١ ]
الدليل الثاني: أن التأجيل حق للمدين، وله أن يتنازل عنه متى شاء؛ لأنه موضوع لمصلحته، وله أن يعلق تنازله عن التأجيل بعجزه عن الوفاء أو تأخيره الأقساط (^١).
الدليل الثالث: أن الدائن رضي بتأجيل الوفاء بالدين بشرط الالتزام بسداد أقساط الدين، وعدم المماطلة في دفعها، فإذا ماطل المدين بطل شرط التأجيل، وحل باقي الأقساط (^٢).
الدليل الرابع: أن في هذا الشرط مصلحة للمتعاقدين، فالدائن يطمئن على ماله، والمدين لا يتأخر بوفاء ما عليه لئلا تحل بقية الأقساط، ولا مانع منه فيصح، ويلزم الوفاء به (^٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن اشتراط حلول الأقساط عند التأخر في أداء بعضها، شرط ينافي مقتضى العقد، وهو بقاء الدين المؤجل إلى أجله، فيكون باطلًا (^٤).
نوقش: بأن المحذور أن ينافي الشرط مقصود العقد لا مقتضى العقد، فلو كان للعقد مقصود يراد في جميع صوره، وشُرط في العقد ما ينافي ذلك المقصود، فقد جمع فيه بين المتناقضين بين إثبات المقصود وبين نفيه، فلا يحصل به شيء، وذلك مثل أن يشترط الطلاق في النكاح، أو الفسخ في
_________________
(١) انظر: البيع المؤجل، لعبد الستار أبوغدة ص ٨٢، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٦.
(٢) انظر: المماطلة في الديون، للدخيل ص ٣٠٦.
(٣) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ١٩٦، البيع المؤجل، لعبد الستار أبوغدة ص ٨٢، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٦.
(٤) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٣/ ١٨٢.
[ ١٨٢ ]
العقد (^١)، واشتراط حلول الأقساط عند التأخر في أداء بعضها، لا ينافي المقصود من العقد، فيصح (^٢).
الدليل الثاني: أن زيادة الثمن مقابل لزيادة الأجل في الغالب، فإذا اتفق المتعاقدان على حلول الأقساط عند عدم أداء بعضها كان الدائن آخذًا للزيادة دون مقابل، والزيادة دون مقابل ربا (^٣).
نوقش: بأن هذه المنفعة لا تجوز المعاوضة عنها؛ لأن الثمن استقر في ذمة المدين منذ انعقاد العقد، وله أن يؤديه متى شاء (^٤).
الدليل الثالث: أن زيادة الثمن مقابل لزيادة الأجل، واشتراط حلول الأقساط عند التأخر في أداء بعضها من غير مراعاة إسقاط ما يقابل الأجل من الزيادة في الثمن من أكل المال بالباطل (^٥).
نوقش: بأن ذلك ليس من أكل المال بالباطل؛ لأن المشتري قد رضي بهذا الشرط على نفسه فجاز؛ كالعربون، ولأنه لو وضعت هذه الزيادة لكان ذلك سببًا لمماطلة كثير من القادرين حتى يحصلوا على ذلك الوضع من الزيادة، فيفقد العقد بعض مقصوده، ولا تحصل الفائدة من الشرط (^٦).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ١٣٧ - ١٣٨، القواعد النورانية، لابن تيمية ص ٢٦٥.
(٢) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ١٩٨.
(٣) انظر: البيع المؤجل، لعبد الستار أبوغدة ص ٨١، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٥.
(٤) انظر: البيع المؤجل، لعبد الستار أبوغدة ص ٨٢، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٦.
(٥) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ١٩٨، الزمن في الديون، للخثلان ص ٣٠.
(٦) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ١٩٨ - ١٩٩.
[ ١٨٣ ]
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسرًا مليًا بشرط ألا يكون له عذر في التأخير؛ لأن الأصل في الشروط الصحة، واللزوم ما لم يقم دليل يمنع من ذلك، ولما لم يقم دليل على منع هذا الشرط نبقى على الأصل.
ومع ترجيح جواز هذا الشرط فلا ينبغي العمل به حتى تتجاوز مدة التأخير ما اعتاد التساهل فيه كل من الدائن والمدين (^١).
_________________
(١) انظر: نظرية الأجل في الالتزام، لعبد الناصر توفيق العطار ص ٣٦٢، البيع المؤجل، لعبد الستار أبو غدة ص ٨٢.
[ ١٨٤ ]