اجمع العلماء على أنه لا يجوز تأخير الأجل على المدين المفلس مقابل زيادة الدين، وأن هذا هو الربا الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية (^٢)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: الآيات الكثيرة الدالة على تحريم الربا ومنها:
قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (^٣)
وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٤)
_________________
(١) صورة المسألة: أن يأتي المدين المفلس إلى الدائن وقت حلول الأجل فيقول: أجلني أزيدك، أو يأتي الدائن إلى المدين المفلس عند حلول الأجل فيقول: إما أن تقضي، وإما أن تربي.
(٢) انظر: الإجماع، لابن المنذر، ص ١٣٦، أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ١٨٦، المبسوط، للسرخسي ١٢/ ١٠٩، بداية المجتهد، لابن رشد ٢/ ١٢٨، الكافي، لابن عبد البر ٢/ ٦٣٣، الأم، للشافعي ٣/ ١٥، المجموع، للنووي ٩/ ٤٨٧، المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٥، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٧٤، المحلى، لابن حزم ٧/ ٤٠٢.
(٣) سورة البقرة، الآيتان ٢٧٥ - ٢٧٦
(٤) سورة البقرة، الآيتان ٢٧٨ - ٢٧٩
[ ٢٧ ]
وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^١).
وجه الدلالة من الآيات: أن الآيات نصت على تحريم الربا، وأن الله توعد من فعله بعد علمه بالتحريم بعذاب النار، وأن آكل الربا مخالف لأمر الله، محارب لله ورسوله ﷺ، وزيادة الدين على المدين المفلس مقابل التأخير في الأجل هو الربا كما كان يقول أهل الجاهلية للمدين إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر (^٢).
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (^٣)
وجه الدلالة من الآية: أن الله بيّن أن الدائن لا يستحق على مدينه إلا رأس ماله، وأن أخذ الزيادة في الدين على المدين المفلس مقابل تأخير الأجل ظلمٌ للمدين، وكما أن المدين يجب عليه أن يؤدي ما أخذ كاملًا، وأن نقْصَه من رأس المال يُعد ظلمًا، فكذلك أخذ الزيادة عليه يُعد ظلمًا له (^٤).
الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٥)
وجه الدلالة من الآية: أن الله ﷾ أمر إذا حل أجل الدين ولم يكن عند المدين المعسر ما يؤدي أنه يُنظر إلى الميسرة (^٦)، وأمرُ الله يجب امتثاله، فالمدين المفلس يجب إنظاره، ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها (^٧).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ١٣٠
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٢/ ١١٧، الكافي، لابن عبد البر ٢/ ٦٣٣.
(٣) سورة البقرة، الآية ٢٧٩.
(٤) انظر: جامع البيان في تأويل القرآن، للطبري ٦/ ٢٨.
(٥) سورة البقرة، آية ٢٨٠.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ٣/ ٣٥٦.
(٧) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٧٤.
[ ٢٨ ]
الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (^١).
وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على تحريم الربا ووجوب الابتعاد عنه؛ لأنه من الموبقات التي عدها رسول الله ﷺ، وإلزام المدين المفلس بدفع زيادة مقابل التأخير في الأجل أخذ للربا المحرم.
الدليل الخامس: عن جابر ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ» (^٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن رسول الله ﷺ لعنَ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وهذا يدل على تحريم أكل الربا والمعاونة عليه؛ لأن اللعن لا يكون إلا على شيء محرم، ومن ألزم المدين المفلس بدفع زيادة مقابل التأخير في السداد يكون داخلًا في اللعن الوارد على لسان الرسول الله ﷺ.
الدليل السادس: عن جابر ﵁ في قصة حجة الوداع أن النبي ﷺ قال: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ» (^٣).
وجه الدلالة من الحديث: أن في وضع النبي ﷺ لربا الجاهلية دلالة على تحريمه ومنعه، ولو لم يكن حرامًا لما وضعه ولما حرَم عمَّه منه، وأخذ زيادة
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، برقم ٢٧٦٦، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم ٨٩.
(٢) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله برقم ١٥٩٨.
(٣) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حج النبي - ﷺ _، برقم ١٢١٨.
[ ٢٩ ]
على المدين المفلس مقابل تأخير الأجل محرم؛ لأنه من ربا الجاهلية الذي وضعه النبي ﷺ.
الدليل السابع: أن العلماء أجمعوا على تحريم الربا، ومن الربا أخذ الزيادة على المدين المفلس مقابل تأخير الأجل، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن المسلف إذا شرط عُشر السلف هدية، أو زيادة فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة ربا" (^١)، وقال ابن تيمية (^٢): "أصل الربا في الجاهلية: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فإذا حل الأجل قال له: أتقضي؟ أم تربي؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال، والأصل واحد، وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين. " (^٣).
ومما تقدم يتبين أن أخذ الزيادة على المدين المفلس مقابل تأخير الأجل محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع.
وقد صدر بذلك عدد من القرارات من المجامع، والهيئات العلمية، منها:
١ - أنه جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي رقم (٥٣/ ٢/ ٦)، بشأن بيع التقسيط: "إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق، أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم" (^٤).
_________________
(١) الإجماع، لابن المنذر، ص ١٣٦.
(٢) هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، ولد سنة ٦٦١ هـ، تفقه على المذهب الحنبلي، ثم أصبح من العلماء المجتهدين، له الكثير من التصانيف مجموعة في فتاويه، جمعها عبد الرحمن ابن قاسم، وغيرها، وتوفي بسجن القلعة بدمشق سنة ٧٢٨ هـ. انظر: البداية والنهاية، لابن كثير ١٤/ ١٣٢، ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب ٤/ ٣٨٦، الأعلام، للزركلي ١/ ١٤٤.
(٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٤١٨.
(٤) مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، العدد السادس ١/ ٤٤٧، القرار رقم ٥٣/ ٢/ ٦.
[ ٣٠ ]
٢ - وجاء في قراره أيضًا رقم (٣/ ١٢) بشأن الشرط الجزائي: "رابعًا: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا، فإن هذا من الربا الصريح" (^١).
٣ - وجاء في معيار المدين المماطل المقر من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما يلي: "لا يجوز اشتراط التعويض المالي نقدًا، أو عينًا، وهو ما يسمى بالشرط الجزائي على المدين إذا تأخر عن سداد الدين، سواء نُصَ على مقدار التعويض أم لم يُنص، وسواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة) أم عن تغير قيمة العملة" (^٢).
٤ - وجاء في قرار المجمع الفقهي، التابع لرابطة العالم الإسلامي: "إن الدائن إذا شرط على المدين، أو فرض عليه، أن يدفع له مبلغًا من المال غرامة مالية جزائية محددة، أو نسبة معينة إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط، أو فرض باطل، ولا يجب الوفاء به، بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف، أو غيره؛ لأن هذا بعينه، هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه" (^٣).
_________________
(١) مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، العدد الثاني عشر ٢/ ٣٠٦، القرار رقم ٣/ ١٢.
(٢) المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ص ٣٤.
(٣) مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، السنة الثامنة، العدد العاشر، ص ٣١٤.
[ ٣١ ]