اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع.
وهو قول جمهور الفقهاء المعاصرين (^٢).
_________________
(١) صورة الشرط الجزائي في الاستصناع: أن يشترط المستصنع على الصانع أنه إذا تأخر عن تسليم المعقود عليه في الوقت المحدد، أو لم يقم بتنفيذ التزامه، فإن عليه أن يدفع كذا وكذا عن عدم التنفيذ، أو عن كل يوم يتأخر فيه عن التنفيذ.
(٢) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد الثاني ١٣٩٥ هص ١٤١، أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٢١٤، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية عشرة ٢/ ٣٠٦، الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية، بيت التمويل الكويتي ١/ ٣٣، المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية ص ٣٥. بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٥٩، الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٣٦٩. وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة، فقد جاء فيه ما يلي: "يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا؛ فإن هذا من الربا الصريح، وبناء على هذا فيجوز هذا الشرط مثلًا في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقد التوريد بالنسبة للمورد، وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع إذا لم ينفذ ما التزم به أو تأخر في تنفيذه، ولا يجوز مثلًا في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه"، وقرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، فقد جاء فيه ما يلي: "لذلك كله فإن المجلس يقرر بالإجماع: أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود، شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبر شرعًا، فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول، وإذا كان الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا بحيث يراد به التهديد المالي، ويكون بعيدًا عن مقتضى القواعد الشرعية، فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من مضرة، ويرجع تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وبقوله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وبالله التوفيق "، وقرار هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في معيار المدين المماطل، فقد جاء فيه ما يلي: "يجوز النص على الشرط الجزائي في عقود المقاولات، وعقود الاستصناع، وعقود التوريد"
[ ١١٦ ]
القول الثاني: عدم جواز الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع مطلقًا.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (^١).
القول الثالث: جواز الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع إذا كان لعدم التنفيذ، وعدم جوازه إذا كان لأجل التأخير في التنفيذ. وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (^٢).
_________________
(١) منهم: الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود كما في مجموعة رسائل الشيخ عبد الله آل محمود ١/ ٣٢١، والشيخ سيد عبد الله علي حسين كما في كتابه المقارنات التشريعية ٢/ ٨٥٤، والدكتور عبد الله السنهوري كما في كتابه مصادر الحق ٦/ ١٦٨، والشيخ علي الخفيف كما في كتابه الضمان ص ١٧، والأستاذ محمد حافظ صبري كما في كتابه المقارنات والمقابلات بين أحكام المرافعات والمعاملات والحدود، ص ٢٢، والدكتور فتحي الدريني كما في كتابه النظريات الفقهية، ص ١٩٦.
(٢) منهم: الدكتور رفيق المصري كما في كتابه مناقصات العقود الإدارية، ص ٦٥، وحسن الجوهري كما في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد التاسع ٢/ ٣١٠.
[ ١١٧ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع شرط جائز بناء على أن الأصل في الشروط المقترنة بالعقد الصحة إلا ما دل الدليل على تحريمه، ولم يأت دليل يدل على تحريمه فيبقى على الأصل (^١).
نوقش: بأنه لا يصح الاحتجاج بهذا الأصل في الشرط الجزائي؛ لأن الأدلة متوافرة ومتظافرة على تحريمه كما سيأتي في أدلة القول الثاني.
يجاب: بأن أدلة تحريم الشرط الجزائي ضعيفة لا تصمد أمام المناقشة.
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (^٢)
وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على رفع الضرر، وعدم تنفيذ المستصنع أو التأخر فيه يؤدي إلى ضرر، وهذا الضرر لا يزول إلا بالتعويض عنه (^٣).
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته (^٤) فإنه لا خلاف أن عدم التنفيذ أو التأخر فيه قد يترتب عليه ضرر بالعاقد الآخر، وأن ذلك من الضرر الذي يجب إزالته، وأن الملتزم ظالم بذلك إذا كان من غير عذر شرعي، لكن لا دليل على أن رفع الضرر لا يكون إلا بالتعويض المالي عنه، إذ إن رفع
_________________
(١) انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ١/ ٢١٣، والشرط الجزائي، لأسامة الحموي، ص ١٧٦، ونظرية الشروط المقترنة بالعقد، لزكي الدين شعبان، ص ١٦٤.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر: الشرط الجزائي، للحموي ص ١٦٥ - ١٧٤.
(٤) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب ٢/ ٢١٠ - ٢١١، المستدرك، للحاكم ٢/ ٥٨، إراوء الغليل، للألباني ٣/ ٤٠٨.
[ ١١٨ ]
الضرر يكون بالإجبار على التنفيذ، وتعزير المعتدي، ولو سلمنا بالتعويض عن الضرر فإنه لا يكون إلا بعد وقوعه ومعرفة قدره؛ لأن تقدير التعويض عن الضرر قبل وقوعه قد يؤدي إلى زيادة التعويض عن الضرر، وفي ذلك أكل لأموال الناس بالباطل (^١).
أجيب: بأن الأدلة قائمة على التعويض عن ضرر عدم التنفيذ أو التأخر فيه، وتقدير التعويض عن الضرر الحاصل بالإخلال بالالتزام قبل وقوعه تجب مراعاة العدل فيه، وتراضي الطرفين عليه، وتحديده بمبلغ معلوم، فإذا وقع الضرر بسبب الإخلال بالعقد من الملتزم وجب الوفاء بالشرط تعويضًا عن الضرر، وليس في ذلك أكل للمال بالباطل، وإذا تبين مخالفة الشرط للعدل، وجب الرجوع فيه للعدل، والإنصاف على حسب الضرر الحاصل (^٢).
الدليل الثالث: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع من الشروط التي تُعد من مصلحة العقد؛ إذ هو حافز على الوفاء ومنع التلاعب بالعقود (^٣).
نوقش: بأن وجود بعض المصالح في هذا الشرط الجزائي لا يدل على إباحته، كما قال الله تعالى عن الخمر والميسر ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (^٤)، وهذا الشرط الجزائي وإن كان فيه مصلحة، فهي مصلحة ملغاة؛ لقيام الأدلة على إلغائها (^٥).
_________________
(١) انظر: الشرط الجزائي، لمحمد بن عبد العزيز اليمني، ص ٢٣٢.
(٢) انظر: الشروط التعويضية في المعاملات المالية، لعياد العنزي ١/ ٣٧٣.
(٣) انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٢٠٤، مجلة البحوث الاسلامية العدد الثاني ص ١٤١، نظرية الشروط المقترنة بالعقد، لشعبان ص ١٦٤.
(٤) سورة البقرة، الآية ٢١٩.
(٥) انظر: الشرط الجزائي، لليمني ص ٢٣٢ - ٢٣٣.
[ ١١٩ ]
يجاب: بأن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع يترتب عليه من المصالح ما لا يتحقق بدونه، ودعوى أن المصالح في هذا الشرط الجزائي ملغاة غير مسلم، والأدلة التي استدل بها المانعون من الشرط الجزائي لا يُسلم بها.
الدليل الرابع: أنه قد جرى عرف الناس بالشرط الجزائي في عقودهم لاسيما عقود المقاولات، والتوريد، والاستصناع، والعرف إذا لم يصادم نصًا شرعيًا يقره الشرع، وعرف التعامل بالشرط الجزائي عرف صحيح شرعًا؛ لأنه لا يعارض دليلًا شرعيًا، ولا يبطل واجبًا، ولا يحل حرامًا، فهو جائز وصحيح (^١).
نوقش: بأنه لا اعتبار بعرف الناس بالشرط الجزائي؛ لأنه عرف مخالف للأدلة، والعرف المخالف للأدلة لا يعتد به (^٢).
يجاب: بأنه لا يسلَّم أن عرف الناس على هذا الشرط مخالف للأدلة، بل الأدلة تدل على جواز هذا الشرط، وما أورده المانعون من أدلة ظنوا أنها تمنع هذا الشرط لا يسلم بها.
الدليل الخامس: أن الحاجة إلى الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع حاجة ماسة على مستوى الأفراد والمؤسسات، ومن القواعد الفقهية المعتبرة: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (^٣)، فهذه القاعدة تدل على مراعاة الحاجة، وأنها تنزل منزلة الضرورة، فيباح ما كان فيه حاجة
_________________
(١) انظر: الشرط الجزائي، للحموي ص ١٧٧، الشرط الجزائي، للشهري ص ١٦٣.
(٢) انظر: موسوعة القواعد الفقهية، للبورنو ٦/ ٣٣٨، أمالي الدلالات، لا بن بيه، ص ٥٨٠.
(٣) الأشباه والنظائر، للسيوطي ص ١٠٩، الأشباه والنظائر، لابن نجيم ص ١١٤، المنثور، للزركشي ٢/ ٢٤.
[ ١٢٠ ]
عامة، ولو اشتمل على بعض المحاذير (^١). قال ابن تيمية: "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق وكما أباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر وذلك اشتراء قبل بدو صلاحها؛ لكنه تابع للشجرة وأباح بيع العرايا بخرصها. فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر" (^٢)
نوقش: بأنه لا وجود لحاجة إلى هذا الشرط الجزائي، ففي التعويض القضائي عن الضرر بعد وقوعه غنية عن تقديره بالشرط الجزائي مسبقًا قبل وقوع الضرر (^٣).
أجيب: بأن الحاجة إلى هذا الشرط الجزائي ماسة لسد أبواب الفوضى والتلاعب في حقوق عباد الله، وهو سبب من أسباب الوفاء بالعقد وليس في التعويض القضائي بعد وقوع الضرر غنية عنه؛ لأن التعويض القضائي خاصة في هذا العصر يكلف الكثير من الجهد، والوقت، والمال، بل إن بعض القضاة لا يرون التعويض أصلًا عن الضرر الحاصل بالإخلال في العقود والالتزامات، فيقع صاحب الحق في ضرر أشد ومن ثم فالحاجة إلى الشرط الجزائي ماسة (^٤).
الدليل السادس: أن العمل بمبدأ السياسة الشرعية يؤدي إلى القول بشرعية الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع؛ لأنه وإن لم يرد في مشروعيته نصوص صريحة خاصة، فإنه لا يصادم دليلًا معينًا، ويحقق مصلحة
_________________
(١) انظر: الأشباه والنظائر، لابن نجيم ص ١١٤.
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٢٢٧.
(٣) انظر: الشرط الجزائي، لليمني ص ٢٣٥.
(٤) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٣٨٠.
[ ١٢١ ]
ملائمة، ولا يصادم قواعد الشريعة، ولذلك فإن القاضي يستطيع الحكم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالملتزم له من جراء عدم تنفيذ العقد، أو التأخير في تنفيذه، أو الحكم بالتعويض المقدر في الشرط الجزائي الذي اتفق عليه المتعاقدان ما دام في حدود المعقول، وذلك بمقتضى السلطة التقديرية الممنوحة له فيما لا نص فيه عملًا بمبدأ السياسة الشرعية من إقامة العدل، وإحقاق الحق، ودفع الضرر (^١).
نوقش: بأن العمل بالسياسة الشرعية هو فيما لم يرد بحكمه دليل، أو الأمور التي من شأنها التغير والتبدل (^٢)، وهذا الشرط الجزائي قد دلت الأدلة على تحريمه فلا مدخل فيه للسياسة الشرعية (^٣).
يجاب: بأنه لا يسلم بأن الأدلة تدل على تحريمه، بل إن الأدلة دلت على جوازه كما تقدم.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في حكم المستصنع يؤدي إلى محاذير شرعية كثيرة منها: الجهالة، والغرر، والقمار، وأكل أموال الناس بالباطل؛ لأن هذا الشرط الجزائي قد يكون أكثر من الضرر الواقع، والتنازع والاختلاف مادام أنه يجوز تعديله في حال المغالاة فيه (^٤).
نوقش: بأن هذا الشرط الجزائي لا يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه تعويض عن ضرر، لا يستحق إلا بعد وقوعه، وما قد يوجد فيه من غرر
_________________
(١) انظر: الشرط الجزائي وسلطة القاضي في تعديله، للحموي ص ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) انظر: السياسة الشرعية، لابن تيمية، ص ٨.
(٣) انظر: الشرط الجزائي، لليمني ص ٢٣٤.
(٤) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد الثاني ص ١٤٢، الشرط الجزائي، لليمني ص ٢٣٧.
[ ١٢٢ ]
أو جهالة مغتفر للحاجة (^١)، بل إنها مفسدة عارضتها مصلحة راجحة وهي سد أبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وعند المعارضة تقدم المصلحة الراجحة. قال ابن تيمية: "والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم" (^٢)، وهذا الشرط الجزائي لا يؤدي إلى التنازع والاختلاف، بل يؤدي إلى تقليل النزاع والاختلاف حول الضرر ومقدار التعويض عنه إذعانًا للشرط الذي اتفق عليه المتعاقدان، وتراضيا عليه، والرجوع إلى القضاء بعد تقدير التعويض بالشرط الجزائي ليس في كل الأحوال، بل فيما إذا تبيّن أن الشرط الجزائي مبالغ في تقديره مبالغة فاحشة، فيرجع فيه إلى القاضي ليعدله ليتوافق مع العدل (^٣).
الدليل الثاني: أن عرف الناس جرى على أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع يستحق بمجرد الإخلال دون ضرر، وأكده الحكم بجواز الشرط الجزائي، وأنه لا يعدل إلا في حالة المغالاة فيه، وفي هذا أكل للمال بالباطل (^٤).
يناقش: بأن التأخير في تسليم المستصنع لا يخلو من ضرر إما بفوات منفعة أو حصول مضرة، وعلى فرض عدم وجود ضرر فإنه لا دليل يمنع ما تعارف عليه الناس، وليس فيه أكل للمال بالباطل إذا تم الشرط برضا الملتزم ولم يكن له عذر في التأخير.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢) القواعد النورانية، لابن تيمية ص ١٩١.
(٣) انظر: الشرط الجزائي، للحموي ص ٣٨٢، الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٣٨٥.
(٤) انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٢١٤، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية عشرة ١٤٢١ هـ ٢/ ٣٠٦.
[ ١٢٣ ]
الدليل الثالث: أن تقدير التعويض عن الضرر موكول إلى القضاء في جميع الأحوال، فتقديره مسبقا بالشرط الجزائي لا يجوز (^١).
نوقش: بأن التعويض عن الضرر موكول إلى القضاء عند التنازع، أما عند الاتفاق فلا يلزم تركه للقضاء (^٢) ..
الدليل الرابع: أن الشرط الجزائي في صورته القانونية يعوض عن الأضرار الأدبية والمعنوية، وتفويت الفرصة، والكسب المظنون، ومجرد الإخلال بالالتزام، وهي لا يجوز التعويض المالي عنها، وبالتالي لا يجوز الشرط الجزائي؛ لأن ما يستحق لأجله باطل فهو باطل (^٣).
نوقش: بأنه من قال بجواز الشرط الجزائي فإنه لا يجيزه بجميع صوره في القانون، فالشرط الجزائي لا يجوز في الديون، ولا عن الأضرار الأدبية والمعنوية، وإنما يجوز في غير الديون عن الأضرار المادية، وما فات من كسب مؤكد، أو ما لحق من خسارة، وبالتالي فما يستحق التعويض عنه ليس باطلًا (^٤).
الدليل الخامس: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع من المعاملات المستحدثة المنقولة عن القانون الوضعي البشري القاصر الذي نظرت إلى مصلحة المشترط فقط، دون الطرف الثاني، والشريعة كفلت تعويض المتضرر بعد وقوع الضرر تحريا للعدل، والحق، والإنصاف، والمساواة بين التعويض والضرر، ومراعاة كلا الطرفين (^٥).
_________________
(١) انظر: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن، للزرقا ص ٢٠.
(٢) انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٢١٤، ومجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية عشرة ١٤٢١ هـ ٢/ ٣٠٦.
(٣) انظر: الشرط الجزائي، لليمني ص ٢٣٩.
(٤) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٣٨٧.
(٥) انظر: الشرط الجزائي، لليمني ص ٢٢٦.
[ ١٢٤ ]
نوقش: بأن كون هذه المسألة مستحدثة أو منقولة عن القانون الوضعي لا يمنع من القول بجوازها؛ لأن الأصل في المعاملات الحل والجواز ما لم يقم الدليل البيّن على تحريمها، وفي هذا من التيسير، ورفع الضيق والحرج عن العباد كما تقتضيه نصوص الشريعة وقواعدها، وكون الأصل في التعويض عن الضرر تقديره بعد وقوع الضرر، لا يمنع من تقديره قبل وقوع الضرر باتفاق الطرفين لا سيما إذا دعت الحاجة لذلك، وتوخيا العدل في التقدير، وليس في ذلك إضرار بالملتزم وإن كان فيه مصلحة للمشترط (^١).
الدليل السادس: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع ذريعة مفضية إلى أكل أموال الناس بالباطل، وإلى الغرر، والقمار، ومن الأصول المعتبرة شرعًا أصل: "سد الذرائع " (^٢) فسدًا لهذه الذريعة يمنع الشرط الجزائي (^٣).
نوقش: بعدم التسليم بأن هذا الشرط الجزائي ذريعة مفضية لأكل أموال الناس بالباطل، بل هو تعويض عن ضرر، وما قد يكون فيه من غرر مغتفر لدعاء الحاجة إليه، وعلى التسليم بأنه قد يكون ذريعة إلى ذلك فإن ما حرم سدًا للذريعة فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة (^٤)، كما حرم ربا الفضل سدًا لذريعة ربا النسيئة وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا، وغيرها كثير، فمتى ما فاتت بأصل سد الذرائع مصلحة راجحة لم يلتفت إليه (^٥).
_________________
(١) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٣٩١
(٢) انظر: البحر المحيط، للزركشي ٦/ ٨٢، الموافقات، للشاطبي ١/ ١٧٨، إرشاد الفحول، للشوكاني ٢/ ٧٠٣.
(٣) انظر: الشرط الجزائي، لليمني ص ٢٢٦.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢١/ ٢٥١، ٢٢/ ٢٩٨، ٢٣/ ١٨٦، إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٦٣٤.
(٥) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٦٣٤، زاد المعاد، لابن القيم ٥/ ١٤٨.
[ ١٢٥ ]
دليل القول الثالث:
أنه يجوز الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع في حال عدم التنفيذ قياسًا على مسألة العربون، ووجه ذلك: أن كلًا منهما شرط يوجب على من أخل بالعقد دفع مبلغ مالي يجري تقديره سلفًا قبل حصول الضرر، ولا يجوز في حال التأخير في التنفيذ؛ لأن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضربًا من الالتزام (الدين) فالشرط الجزائي عن التأخير في التنفيذ في حكم ربا النسيئة: تقضي أم تربي؟ (^١).
نوقش: بأن هناك فرقًا بين العربون وبين الشرط الجزائي، فالعربون يدفع المبلغ مقدمًا، ولا يشترط حصول الضرر، بعكس الشرط الجزائي فلا يصح القياس عليه، وعلى التسليم بأن الشرط الجزائي يشبه العربون في حال عدم التنفيذ، فإنه يلزم على ذلك جوازه عن التأخير في التنفيذ أيضًا؛ لأن كلًا منهما إما أن يكونا عقوبة، أو تعويضًا عن الضرر المتوقع يقدر سلفًا قبل وقوعه، ويستوي في ذلك كون الشرط الجزائي عن عدم التنفيذ أو عن التأخير في التنفيذ، ما دام في غير الديون (^٢)، وكون المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضربًا من الالتزام لا خلاف فيه، وأما كون هذا الالتزام مساويًا للدين فغير مسلم؛ لأن الالتزام أعم من الدين، فكل دين التزام وليس كل التزام دينًا، والالتزام هنا ليس دينًا بل هو التزام بأداء عمل لا يستحقون مقابله إلا بعد أدائه، وهو يختلف اختلافًا كثيرًا عن التزام المقترض والمشتري بثمن مؤجل والمسلم إليه فالتزام هؤلاء الثلاثة دين حقيقي ثبت في ذمتهم وأخذوا مقابلة (^٣).
_________________
(١) انظر: مناقصات العقود الإدارية، لرفيق المصري ص ٦٥.
(٢) انظر: الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٣٨٤
(٣) انظر: الشرط الجزائي، للضرير، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية عشرة ١٤٢١ هـ ٢/ ٧٣ - ٧٤.
[ ١٢٦ ]
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع؛ وذلك لأن الأصل في الشروط الحل ما لم يقم دليل على منعها، ولم يقم دليل يمنع من ذلك ويشترط للقول بالجواز ألا يكون هناك عذر في التأخير، وألا يكون المال كثيرًا عرفًا، فإن كان هناك عذر فلا يجوز؛ لأنه أكل للمال بالباطل، وإن كان المال كثيرًا عرفًا فيجب الرجوع للعدل فيه، وإن اختلفا رجعا لأهل الخبرة، أو للقاضي كي يفصل بينهما (^١).
_________________
(١) انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٢١٤
[ ١٢٧ ]