المقصود بمسألة ضع وتعجل هي: أن يصطلح الدائن والمدين على إسقاط بعض الدين بشرط التعجيل بسداد الباقي، "قال سفيان بن عيينة (^١): تفسير عجل لي وأضع عنك، إذا كان لي عليك ألف درهم إلى أجل فقلت أعطني من حقي الذي عندك تسع مائة ولك مائة" (^٢).
وقد اختلف الفقهاء في حكم إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل (ضع وتعجل)، على أربعة أقوال:
القول الأول: جواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل.
وهو رواية عند الحنابلة (^٣)، واختيار ابن تيمية (^٤)، وابن القيم (^٥).
_________________
(١) هو أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي، ولد سنة ١٠٧ هـ، أحد أئمة المسلمين، قال الشافعي: "ما رأيت أحدا من الناس فيه من آلة العلم ما في سفيان بن عيينة، وما رأيت أحدا أكف عن الفتيا منه"، توفي سنة ١٩٨ هـ. انظر: تهذيب الكمال، للمزي ١١/ ١٧٧، سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/ ٤٥٨.
(٢) الاستذكار، لابن عبد البر ٦/ ٤٨٩.
(٣) انظر: الفروع، لابن مفلح ٤/ ٢٦٤، المبدع، لابن مفلح ٤/ ١٦٣، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٣٦.
(٤) انظر: الاختيارات الفقهية، لابن تيمية، ص ١٩٨، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٣٦، إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٦.
(٥) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٦، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١١ - ١٣. وقد صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي إلا أنهم قيدوا الجواز بألا يكون الحط بناء على اتفاق مسبق بين الدائن والمدين، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ٧/ ٢/ ٦٦ بشأن البيع بالتقسيط: "٤ - الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين، (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق. وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية. فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذٍ حكم حسم الأوراق التجارية".
[ ١٥١ ]
القول الثاني: عدم جواز اسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل.
وهو مذهب المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والظاهرية (^٣).
القول الثالث: جواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل في دين الكتابة فقط. وهو مذهب الحنفية (^٤)، والحنابلة (^٥).
القول الرابع: جواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل في البيع بثمن مؤجل زائد عن الثمن الحال إذا كان الساقط جزءًا من ربحه مقابل الأجل بقسطه.
وهو قول لبعض الحنفية (^٦)، وبعض الحنابلة (^٧).
_________________
(١) انظر: الموطأ، للإمام مالك ٤/ ٩٧٠٩٧١، المدونة، للإمام مالك ٣/ ١١١، التلقين، للبغدادي ٢/ ١٥٣.
(٢) انظر: مغني المحتاج، للشربيني ٢/ ١٦٥، نهاية المحتاج، للرملي ٤/ ٣٨٦، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ٢١٦، فتاوى السبكي ١/ ٣٤٠.
(٣) انظر: المحلى، لابن حزم ٦/ ٣٥٦.
(٤) انظر: تبيين الحقائق، للزيلعي ٥/ ١٦٣، البحر الرائق، لابن نجيم ٨/ ٦٠، حاشية ابن عابدين ٥/ ٦٤١، درر الحكام، لمنلا خسرو ٢/ ٤٠٠.
(٥) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٥٢ - ٥٣، الفروع، لابن مفلح ٤/ ٢٦٤، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٤٠، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٩٢.
(٦) انظر: الدر المختار، للحصكفي ص ٧٦٠، حاشية ابن عابدين ٦/ ٧٥٧.
(٧) انظر: الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٣٠٨.
[ ١٥٢ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: "لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لَنَا دُيُونًا عَلَى النَّاسِ، قَالَ: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» " (^١).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على جواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل أخذ باقيه، حيث أرشد النبي ﷺ يهود بني النضير إلى ذلك.
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا ينهض للاحتجاج به، وعلى فرض صحته (^٢) فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا، فإجلاء بني النضير كان على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وتحريم الربا كان في غزوة خيبر (^٣).
الدليل الثاني: أن الأصل في العقود والشروط الصحة والإباحة، حتى يقوم الدليل على التحريم، ولا دليل يدل على عدم جواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس صحيح (^٤).
_________________
(١) رواه الدارقطني، كتاب البيوع، برقم ١٩٠، واللفظ له، والحاكم، كتاب البيوع، برقم ٢٣٢٥، والبيهقي، كتاب البيوع، باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله، برقم ١١٤٦٧. والحديث ضعيف؛ فمداره على مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف؛ قال عنه البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال علي ابن المديني: ليس بشيء، وممن ضعفه أيضًا النسائي، وأبو داود، والدارقطني، والذهبي، والبيهقي. انظر: الضعفاء، للعقيلي ٤/ ١٥٠، الضعفاء والمتروكون، للنسائي ١/ ٢٢٨، سنن الدارقطني ٣/ ٤٦، تهذيب الكمال، للمزي ٢٧/ ٥١٤، ميزان الاعتدال، للذهبي ٤/ ١٠٢ - ١٠٣، التلخيص، للذهبي مطبوع مع المستدرك ٢/ ٥٢، مجمع الزوائد، للهيثمي ٤/ ٢٣٤.
(٢) انظر: المستدرك، للحاكم ٢/ ٥٢، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٣.
(٣) انظر: المبسوط، للسرخسي ١٣/ ١٢٦، الاستذكار، لابن عبد البر ٦/ ٤٩١.
(٤) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٦ - ٧٤٧.
[ ١٥٣ ]
يناقش: بالتسليم إن كان الإسقاط دون اتفاق مسبق، إما إن كان إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله تم باتفاق مسبق بين المتعاقدين فإن في ذلك فتحًا لأبواب الربا، والشريعة جاءت بإغلاق أبواب الربا، والبعد عنه.
الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ "سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ، فَيَقُولُ: عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ" (^١)
وجه الدلالة من الأثر: أن ابن عباس ﵄ أفتى بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل التعجيل، وأن ذلك ليس من الربا.
يناقش: بأنه في حجية قول الصحابي خلاف والراجح أنه لا حجة فيه (^٢)، وعلى فرض حجيته فقد خالفه من الصحابة ابن عمر (^٣)،
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب البيوع، باب الرجل يضع من حقه ويتعجل، برقم ١٤٣٦٠ - ١٤٣٦١. والأثر صحيح؛ فقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس.
(٢) قال ابن بدران في مسألة حجية قول الصحابي: "والذي يظهر أنه الحق: أن مثل هذا ليس بحجة، فإن الله لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيها ﷺ، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فمن قال: إنها تقوم الحجة في دين الله بغير كتاب الله وسنة نبيه وما يرجع إليهما فقد قال بما لا يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية ما لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقوّل بالغ؛ فإن الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل بها مما لا يدان الله ﷿ به، ولا يحل لمسلم الركون إليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله لا لغيرهم، ولو بلغ في العلم والدين وعظم المنزلة أي مبلغ، ولا شك أن مقام الصحبة مقام عظيم، ولكن ذلك في الفضيلة، وارتفاع الدرجة، وعظمة الشأن، وهذا مسلم لا شك فيه، ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله ﷺ في حجية قوله، وإلزام الناس باتباعه، فإن ذلك مما لم يأذن الله به، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد" المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٢٩٠. وانظر: المستصفى، للغزالي ١/ ٤٠٠.
(٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب البيوع، باب الرجل يضع من حقه ويتعجل، برقم ١٤٣٥٤، ١٤٣٥٩، والأثر صحيح فقد رواه عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم قال: سألت ابن عمر عن رجل لي عليه حق إلى أجل، فقلت: عجل لي وأضع لك، فنهاني عنه، وقال: «نهانا أمير المؤمنين أن نبيع العين بالدين». وقدصححه ابن القيم في إغاثة اللهفان ٢/ ١٢.
[ ١٥٤ ]
وزيد بن ثابت (^١) ﵃ فروي عنهما المنع من ذلك، ورأي الصحابي لا يكون حجة إذا خالفه غيره من الصحابة (^٢).
الدليل الرابع: أن الشارع يتشوف إلى براءة الذمم من الديون، وفي إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله تحقيق لذلك من غير ضرر ولا مخالفة (^٣).
الدليل الخامس: أن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله عكس الربا، فإن الربا يتضمن الزيادة في الدين في مقابلة تأجيله (زدني وأنظرك) وهذا يتضمن براءة ذمة المدين من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل (^٤).
الدليل السادس: أن الدائن، والمدين يملكان فسخ العقد الذي تم بثمن مؤجل، وجعل العوض حالًا أنقص مما كان، وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل، فإذا منعا منه تحيلا عليه بذلك، والعبرة في العقود بمقاصدها لا بصورها، فإذا كان في الوضع والتعجيل مفسدة، فالاحتيال عليه لا يزيل مفسدته، وإن لم يكن فيه مفسدة لم يحتج إلى الاحتيال (^٥).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب البيوع، باب الرجل يضع من حقه ويتعجل، برقم ١٤٣٥٥. والأثر صحيح؛ فقد رواه عبد الرزاق عن الثوري عن ابن ذكوان عن بسر بن سعيد، عن أبي صالح، مولى السفاح قال: بعت بزا إلى أجل، فعرض علي أصحابي أن يعجلوا لي، وأضع عنهم، فسألت زيد بن ثابت عن ذلك فقال: «لا تأكله، ولا تؤكله» "قال يحيى بن سعيد: رأيت في كتاب عندي عتيق لسفيان الثوري: حدثني عبد الله بن ذكوان: أبو الزناد، قال: حدثني بسر بن سعيد، قال: حدثني أبوصالح مولى السفاح حديث زيد" التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة ٢/ ١٧٠.
(٢) انظر: روضة الناظر، لا بن قدامة ٢/ ٥٢٥، شرح مختصر الروضة، للطوفي ٣/ ١٨٥.
(٣) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٦، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٣.
(٤) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٦ - ٧٤٧، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٣.
(٥) انظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٤.
[ ١٥٥ ]
يناقش: بأن تحايل الناس ليس مبررًا لتغيير الأحكام، بل تبقى المسألة على حكمها ويمنع التحايل عليها.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: "أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ خَرَجَ سَهْمِي فِي بَعَثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: عَجِّلْ لِي تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ، وَأَطْعَمْتَهُ» " (^١).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على تحريم إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله؛ لأن النبي ﷺ سماه ربا، والربا محرم.
يناقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا ينهض للاحتجاج به.
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الشِّغَارِ … وعَن بيع عاجل بآجل وَالْعَاجِلُ بِالآجِلِ: أَنْ يَكُونَ لَكَ عَلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَيَقُولُ رَجُلٌ: أُعَجِّلُ لك خمسمِئَة وَدَعِ الْبَقِيَّةَ" (^٢).
_________________
(١) رواه البيهقي، السنن الكبرى ٦/ ٢٨، كتاب البيوع، باب لا خير في أن يعجله بشرط أن يضع عنه. والحديث ضعيف، ففي إسناده يحيى بن يعلى الأسلمي الكوفي، وهو ضعيف قال عنه البخاري: "مضطرب الحديث"، وقال عنه ابن معين: "ليس بشيء". انظر: تهذيب الكمال، للمزي ٣٢/ ٥٠، ميزان الاعتدال، للذهبي ٤/ ٤١٥، الجرح والتعديل، لأبي حاتم ٩/ ١٦٩، السنن الكبرى، للبيهقي ٦/ ٢٨، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٢، تقريب التهذيب، لابن حجر ص ١٠٧٠.
(٢) رواه البزار في مسنده ١٢/ ٢٩٧، برقم ٦١٣٢. والحديث منكر؛ فهو من رواية موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار، وموسى ضعيف عند أئمة أهل الشأن وأحاديثه عن عبد الله منكرة، قال عنه يحيى بن معين: "روى عن عبد الله بن دينار أحاديث مناكير"، وقال أحمد بن حنبل: "لا يكتب حديث موسى بن عبيدة، ولم أخرج عنه شيئا، وحديثه منكر"، وقال: "لا تحل عندي الرواية عن موسى بن عبيدة" انظر: تهذيب الكمال، للمزي ٢٩/ ١٠٤.
[ ١٥٦ ]
وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على النهي عن بيع آجل بعاجل وهو إسقاط بعض الدين مقابل تعجيل باقيه.
يناقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا ينهض للاحتجاج به.
الدليل الثالث: أنه جاء عن ابن عمر (^١)، وزيد بن ثابت (^٢) النهي عن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله، فدل ذلك على تحريمه (^٣).
يناقش: بأنه لا حجة في قول الصحابي، وعلى التسليم بحجيته فإنه معارض بما ورد عن ابن عباس ﵄ (^٤) من القول بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله، وأنه ليس من الربا، ورأي الصحابي لا يكون حجة إذا خالف غيره من الصحابة (^٥).
الدليل الرابع: أن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله، يؤدي إلى قرض جر نفعًا، وبيانه: أن من عجل شيئًا قبل وجوبه، وهو المدين هنا، يعد مقرضًا لما عجله، فقد أقرض الآن ثمانية، ليقتضي من نفسه عشرة عند حلول الأجل، فلا يجوز (^٦).
نوقش: بعدم التسليم بأن إسقاط بعض الدين مقابل تعجيله يعد قرضًا، فالقرض عقد إرفاق بالمقترض، وهنا المرتفق هو المقرض فقد تعجل ما عليه مقابل سقوط بعض الدين عن ذمته، فالإرفاق في جانبه أظهر منه في جانب
_________________
(١) سبق تخريجه
(٢) سبق تخريجه
(٣) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ١٧٢، المنتقى، للباجي ٥/ ٦٥.
(٤) سبق تخريجه
(٥) انظر: المستصفى، للغزالي ١/ ٤٠٠، الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي ٤/ ١٥٥.
(٦) انظر: حاشية الصاوي ٣/ ٤١٠، الفواكه الدواني، للنفراوي ٢/ ٩١، كفاية الطالب، لعلي المالكي ٢/ ٢١٣.
[ ١٥٧ ]
الدائن المتعجل بعض حقه، وأيضا فإن مقصود الدائن هنا استيفاء ماله (^١).
الدليل الخامس: قياس إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله على الزيادة في الدين الحال مقابل تأجيله بجامع الاعتياض عن الأجل في كليهما، فزد وتأجل لما زاد له في الأجل وأخره، زاد له مقابله في الدين، وفي إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله لما وضع له من الأجل المستحق بالعقد، وضع له في مقابله من الدين، فتبين أن إسقاط بعض الدين مقابل تعجيله ربا، ولا يجوز (^٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: بأن الاعتياض عن الأجل لا يصح إذا كان مؤديا إلى الربا، وأما إن لم يكن كذلك فليس هناك ما يدل على التحريم، والأصل في المعاملات الحل، وقد قام الدليل على جواز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، وما ذلك إلا لأجل تأجيله (^٣)
الوجه الثاني: بأن قياس إسقاط بعض الدين مقابل تعجيله على الزيادة على الدين الحال مقابل زيادة الأجل، وأن هذا ربا قياس مع الفارق، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الربا هو الزيادة، وهي منتفية في الوضع مع التعجيل؛ لأنه نقص لا زيادة، فانتفى معنى الربا لغة، وشرعًا (^٤).
_________________
(١) انظر: تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية ٢/ ٦٦٤.
(٢) انظر: المبسوط، للسرخسي ١٣/ ١٢٦، البيان والتحصيل، لابن رشد ٩/ ١٣٣، الحاوي، للماوردي ١٨/ ٢٣٣، المغني، لابن قدامة ٤/ ٥٣
(٣) انظر: المبسوط، للسرخسي ١٣/ ٨، حاشية الدسوقي ٣/ ٥٨، مغني المحتاج، للشربيني ٢/ ٤٧٩، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٤٩٩
(٤) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٦، الشرح الممتع، للعثيمين ٩/ ٢٣٣
[ ١٥٨ ]
الوجه الثاني: أن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله عكس الربا، فإن الربا يتضمن الزيادة في الدين، والزيادة في الأجل، وضع وتعجل تتضمن النقص من الدين، والنقص من الأجل، والربا إضرار محض بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، وضع وتعجل تتضمن براءة ذمة المدين، وانتفاع الدائن بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر بالآخر (^١).
الوجه الثالث: أن العوض عن الأجل في ضع وتعجل ساقط من ذمة المدين، والعوض عن الأجل في زد وتأجل واجب في ذمة المدين (^٢).
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: أن المكاتب لا يجري بينه، وبين سيده ربا فجاز إسقاط بعض دينه مقابل التعجيل في باقي دينه (^٣).
نوقش: بعدم التسليم بأن المكاتب لا يجري بينه وبين سيده ربا، فالمكاتب مع سيده أجنبي في باب المعاملات، وإسقاط بعض دين المكاتب مقابل تعجيله جائز لانتفاء حقيقة الربا في هذه المعاملة، وسائر الديون كدين المكاتب (^٤).
الدليل الثاني: أن معنى الإرفاق فيما بين المكاتب وسيده، أظهر من معنى المعاوضة، فلا يكون هذا مقابلة الأجل ببعض المال، ولكنه إرفاق من السيد بإسقاط بعض دين مكاتبه (^٥).
_________________
(١) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٧٤٦، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٣.
(٢) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية ٢/ ٦٣٧.
(٣) المبسوط، للسرخسي ١٣/ ١٢٦، المغني، لابن قدامة ٤/ ٥٣، مطالب أولي النهى، للرحيباني ٣/ ٣٣٦.
(٤) إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٣ - ١٤.
(٥) تبيين الحقائق، للزيلعي ٥/ ٤٣.
[ ١٥٩ ]
نوقش: بأن معنى الإرفاق متحقق في دين الكتابة، وغيره من الديون، فهو إرفاق من الدائن بإسقاط بعض حقه، وإرفاق من المدين بتعجيل أجل الوفاء ليبرئ ذمته (^١).
دليل القول الرابع: بأنه إن كان الساقط من الدين جزء من ربحه مقابل الأجل بقسطه فلا وجود لشبهة الربا؛ ووجه أن الربح في مقابلة الأجل، لأن الأجل وإن لم يكن مالا، ولا يقابله شيء من الثمن لكن اعتبروه مالًا في المرابحة إذا ذكر الأجل بمقابلة زيادة الثمن، فلو أخذ كل الثمن قبل الحلول كان أخذه بلا عوض (^٢).
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل؛ وذلك لأن الأصل في العقود والشروط الحل والإباحة، فلا نخرج عن هذا اليقين إلا بيقين، ولم يوجد في أدلة المانعين ما يقوى على المنع، إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق وزِيدَ في الثمن والأجل على الثمن والأجل المعتاد للسلعة فإنه محرم؛ لأنه تحايل على الربا، فقد يكون للسلعة ثمن مؤجل فيتفق المتعاقدان على الزيادة على هذا الأجل، مقابل الزيادة في الثمن، وأنه متى تم الوفاء في الأجل الأول المعتاد فإنه تسقط الزيادة كاملة، وإذا تأخر تبقى عليه من الزيادة بقدر ما بقى عليه من الأجل، وهذا تحايل على الربا، أما إن لم تكن هناك زيادة على الثمن المؤجل المعتاد واتفق المتعاقدان على إنه إن عجل المدين الوفاء وضع عنه الدائن ما يقابل الأجل من الربح فإن هذا جائز، وفيه مصلحة للطرفين.
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٣ - ١٤.
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين ٦/ ٧٥٧.
[ ١٦٠ ]