أول من أثار هذه المسألة للنقاش فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀ فقد قال: "لم يعالج فقهاء المذاهب فيما أعلم قبلًا هذه المسألة - أعني تعويض الدائن عن تأخير الوفا. المستحق في المداينات - ولم يبحثوها، مرد ذلك في تقديري إلى ثلاثة أمور: الأول: لم يكن لهذا الأمر من الأهمية والتأثير في حركة التعامل والتجارة كما أصبح له في العصر الحاضر. الثاني: أن وصول الدائن إلى حقه عن طريق القضاء عند تأخير المدين ومماطلته كان ميسورًا وسريعًا على خلاف ما هو عليه اليوم في عصرنا الحاضر. الثالث: أن هذه المسألة فيها من الحساسية الشرعية ما يمكن أن يكون من جملة العوامل في عدم بحثها، وهي خوف الوقوع في الربا" (^٢).
_________________
(١) صورة المسألة: إذا تأخر المدين عن سداد دينه في وقته المحدد، وفي أثناء مدة المماطلة حقق الدائن ربحًا، ولو تسلم ماله في موعده لحقق ربحًا مساويًا لما حققه من أمواله التي استثمرها، أو وقع عليه ضرر مالي كغرامات مالية سببها شروط جزائية مقابل إخلاله بتنفيذ إلتزامات عقدها الدائن مع أفراد أو مؤسسات ونحوها، فيلزم المماطل بدفع هذه الأرباح المساوية لما ربح الدائن في فترة المماطلة، أو دفع الضرر المالي الذي وقع عليه. انظر: تعليق الضرير على بحث: التعويض عن ضرر المماطلة بين الفقه والإقتصاد، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي، المجلد الخامس عام ص ٧٢.
(٢) وقد نشر بحثه لأول مرة في مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، مركز النشر العلمي في جامعة الملك عبد العزيز، العدد الثاني، ١٤٠٥ هـ ص ٨٩.
[ ٦٥ ]
ولا يسلم أن الفقهاء لم يبحثوها، بل بحثوها ولم يفردوها؛ لأنها داخلة عندهم في عموم الربا؛ لذا لم يعسر على جمهور الفقهاء المعاصرين أن يجدوا العديد من الأدلة التي تدخل هذه المسألة في الربا المنهي عنه.
وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية مقابل الضرر الناتج عن فوات الربح، أو وقوع ضرر حقيقي، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: عدم جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو ما وقع عليه من خسائر. وهو قول جمهور الفقهاء المعاصرين (^١).
_________________
(١) انظر: المعاملات المالية المعاصرة، لوهبة الزحيلي ص ١٧٩ - ١٨٠، دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٨٥، بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٠، صيانة المديونيات ومعالجتها من التعثر في الفقه الإسلامي، لعثمان شبير ضمن بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٣، فتاوى المعاملات المالية، لعجيل النشمي ص ٢٤٧، الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة، للسعيدي ٢/ ١١٨٩، الضمان في الفقه الإسلامي، للخفيف ص ٥٥، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، للسالوس ٢/ ٥٦٤، تعليق حسن الأمين على بحث الزرقا في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، المجلد الثالث، العدد الثاني ١٤١٧ هـ ص ٤١، توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال، لابن بيه ص ١٣١، الجامع لأصول الربا، لرفيق المصري، ص ٤٣٠، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، لرفيق المصري ص ١٧٢. وقد صدر به عدد من قرارات المجامع، والهيئات العلمية، فقد جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشر عام ١٤٠٩ هـ ما نصه: "إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغًا من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو قرض باطل، ولا يجب الوفاء به بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه"، وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السادسة المتعلق ببيع التقسيط ما يلي: "ثالثا: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربًا محرم. رابعا: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعًا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء"، وجاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ما يلي: " (ب) لا يجوز اشتراط التعويض المالي … سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة. (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقدًا أو عينًا عن تأخير الدين". انظر: قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي، الأمانة العامة، من دورته الأولى عام ١٣٩٨ هـ، حتى دورته الثامنة عام ١٤٠٥ ص ٢٦٨، مجلة المجمع الفقهي العدد السادس ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨، المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص ٣٤، المعايير الشرعية لصيغ التمويل المصرفي اللاربوي، لمحمد القري وآخرين، ١٤٢١ هـ ص ٦٠، الشامل، لإرشيد، ص ٣٨٢، قرارات الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار ٣/ ١٢٨، فتاوى الهيئة الشرعية للبركة، ص ٣٠٤، فتوى رقم ١٣/ ١٤.
[ ٦٦ ]
القول الثاني: جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو ما وقع عليه من خسائر.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (^١).
القول الثالث: عدم جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، وجواز تعويض الدائن عما وقع عليه من خسائر. وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (^٢).
_________________
(١) منهم: الدكتور مصطفى الزرقا كما في بحثه: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض الدائن، منشور في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية، العدد الثاني ١٤١٧ هـ ٣/ ٩، والعدد الثاني ٢/ ٩٧، والشيخ عبد الله بن منيع كما في بحثه مطل الغني ظلم وأنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث للشيخ ٣/ ١٩١، والدكتور الصديق محمد الأمين الضرير كما في تعليقه على بحث أنس الزرقا وعلي القري في مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي، المجلد الخامس ١٤١٣ هـ ص ٧٠، والدكتور عبد الحميد السائح كما في أعمال الندوة الفقهية الرابعة لبيت التمويل الكويتي، المنعقدة في الكويت ٦ - ٨ جمادى الآخرة ١٤١٦ هـ، تنظيم بيت التمويل الكويتي، الكويت، ص ٢٧٤، والدكتور عبد الحميد البعلي كما في كتابه أساسيات العمل المصرفي الإسلامي الواقع والآفاق ص ٥٧.
(٢) منهم: الدكتور زكي الدين شعبان كما في تعليقه على بحث الدكتور الزرقا في مجلة جامعة الملك عبد العزيز، عام ١٤٠٩ هـ ١/ ١٩٩، والدكتور محمد زكي عبد البر كما في تعليقه على رأي الضرير في مجلة جامعة الملك عبد العزيز ٣/ ٦١ عام ١٤١١ هـ، والدكتور سليمان التركي كما في كتابه بيع التقسيط وأحكامه ص ٣٢٢.
[ ٦٧ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (^١)
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على تحريم الربا وإبطاله، وهو زيادة في الدين مقابل الأجل (^٢)، وتغريم المدين مدة المماطلة إنما هو عوض عن تأخر أداء الدين، فهو زيادة في دين ثابت مقابل الأجل، وهو عين الربا الذي نزلت الآيات بإبطاله، واختلاف الألفاظ لا يغير الحقائق، والعبرة بالحقائق (^٣).
نوقش: بعدم التسليم بأن تغريم المدين المماطل من جنس الربا؛ وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن الزيادة الربوية نتيجة تراض بين الدائن والمدين على تأجيل السداد مقابل زيادة في الأجل، وهي في غير مقابلة عوض، أما تغريم المدين المماطل فهي مقابل تفويت أرباح أو حصول خسائر على الدائن بلا رضًا منه (^٤).
أجيب: بعدم التسليم بأن الزيادة الربوية في غير مقابلة العوض، بل هي مقابل تفويت انتفاع الدائن بماله فترة وجود المال عند المدين (^٥)، بل إن المرابين لم يطالبوا بالزيادة على أموالهم إلا لفوات الانتفاع بها وقت التأخر في سدادها (^٦).
_________________
(١) سورة البقرة، آية ٢٧٥
(٢) انظر: جامع البيان في تأويل آي القرآن، للطبري ٦/ ٧، المحرر الوجيز، لابن عطية ٢/ ٩٥.
(٣) انظر: توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال، لابن بيه ص ١٣٣ - ١٣٤، الأوراق التجارية، للبوطيبي، ص ٢٨١.
(٤) انظر: بحث في مطل الغني وأنه ظلم يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢٤٩.
(٥) انظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤١
(٦) انظر: بيع التقسيط، لرفيق المصري، ص ١٤٠، تعليق زكي الدين شعبان، مجلة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي، ١٤٠٩ هـ ١/ ٢٠٠.
[ ٦٨ ]
الوجه الثاني: أن الزيادة الربوية مشروطة سلفًا برضا الطرفين، ومحددة لأجل تأخير مستقبلي، أما التعويض فهو لأجل رفع الظلم الواقع على الدائن، ولأجل تأخير ماضٍ وقع بغير رضا من الدائن (^١).
يجاب عليه من وجهين: الوجه الأول: بعدم التسليم بأن الزيادة الربوية لا بد أن تكون مشروطة سلفًا فإن الربا المعروف في الجاهلية والذي نزل القرآن بتحريمه لم يكن مشروطًا سلفًا، بل كان بعد تأخر المدين بالسداد فيطلب منه الدائن إما أن يربي فيزيد في الأجل أو أن يوفي، وكون الزيادة معروفة سلفًا أو غير معروفة فإن هذا لا يغير الحكم بأنها ربا.
الوجه الثاني: على فرض التسليم بهذا التفريق فإن هذا التفريق نظري لا يصح أن يكون مناطًا للحكم، وعلى القول بجواز تغريم المدين المماطل يصبح الأمر معلومًا سلفًا بالعرف، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (^٢)، إضافة إلى أنه من الناحية العملية فإن معظم عمليات المصارف الإسلامية تدور حول المرابحة المؤجلة، وتحقق الربح ونسبته في هذه العمليات معروفة لدى المصرف والعميل، فأصبحت نسبة التعويض معروفة مسبقًا لدى الفريقين عملًا (^٣)، واعتبار المماطل ظالمًا أمرٌ لا خلاف فيه، وهذا الظلم الواقع على الدائن، ليس موجبًا لتعويضه ماليًا (^٤).
_________________
(١) انظر: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن، للزرقا ص ١٩، بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٣٩، فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢٥٠.
(٢) انظر: المنثور في القواعد، للزركشي ٢/ ٣٦٢، شرح القواعد الفقهية، للزرقا، ص ٢٣٧، موسوعة القواعد الفقهية، للبورنو ٦/ ٣٣٧.
(٣) انظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٣، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، للسالوس ٢/ ٥٦٧، بيع التقسيط وأحكامه، لسليمان التركي ص ٣٣٧.
(٤) انظر: دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩٠، بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٢.
[ ٦٩ ]
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (^١)
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على أن للدائن رأس ماله فقط، ولم تفرق بين مدين معسر ومدين مماطل، فالزيادة على رأس المال ربًا، وإن كان المماطل ظالمًا بمطله، فإنه لا يجوز رد الظلم بظلم آخر (^٢).
نوقش: بأن الآية دليل للقائلين بجواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو ما وقع عليه من خسائر؛ وذلك أن الزيادة الربوية الجاهلية لا تفرق بين مدين موسر ومدين معسر، أما التغريم فلا يطالب به إلا المدين الموسر المماطل، أما المدين المعسر فلا يطالب بذلك (^٣).
أجيب: بأن نصوص تحريم أخذ الربا عامة لم تفرق بين المعسر والموسر، فكلاهما لا يجوز أخذ الربا منه (^٤)، وأن التغريم إن كان لأجل جبر ضرر الدائن، فلا فرق بين أن يكون المدين موسرًا أو معسرًا؛ لأن المتضرر يستحق الجبر ولو كان المُضر معسرًا، كما يستحق الأرش على الجاني ولو كان معسرًا (^٥).
الدليل الثالث: قول رسول الله ﷺ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (^٦).
وجه الدلالة من الحديث: أن المطل كان موجودًا في عصر النبي ﷺ، ونص النبي ﷺ أن المطل يحل عرض المماطل وعقوبته، ولم يقل: يحل ماله،
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتين ٢٧٩ - ٢٨٠
(٢) انظر: دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩٢
(٣) انظر: بحث في مطل الغني ظلم وأنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢٥١، بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٣٩.
(٤) انظر: توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال، لابن بيه ص ١٣٣.
(٥) انظر: تعليق محمد زكي عبد البر على رأي الضرير، مجلة الملك عبد العزيز ٣/ ٦٢ عام ١٤١١ هـ، ص ٦٢
(٦) سبق تخريجه
[ ٧٠ ]
ولو كان جائزًا لبينه النبي ﷺ لمسيس الحاجة إليه، والسكوت في وقت الحاجة بيان (^١).
نوقش: بأن لفظ العقوبة يشمل العقوبة المالية، وهناك نصوص أخرى كثيرة، صريحة، وواضحة في اعتبار العقوبة المالية ضربًا من التعزير، وتعويض الدائن عن ضرر المماطلة من أنوع التعزير بالعقوبة المالية (^٢).
أجيب: بأنه لا يجوز التعزير بأخذ المال؛ لعصمة أموال المسلمين، وعلى فرض جوازه فإن ولاية التعزير للقاضي، والتعويض هنا يقع بالشرط أو بالعرف، ويباشره الدائن، فخرج عن كونه تعزيرًا بالمال، ولو فوض تنفيذ العقوبات إلى آحاد الناس، لأفضى ذلك إلى فوضى لا يقرها الشرع (^٣).
يُرد: بالتسليم بأن مرجع العقوبة للقاضي، والتعزير عام ومنه التعزير بالمال، والأدلة على جوازه كثيرة (^٤)، ولا دليل يمنع القاضي من أن يعطي هذا المال للدائن زجرًا للماطل، إن رأى أن هذا هو الأصلح.
الدليل الرابع: أن مسألة المماطلة ليست مسألة نازلة تحتاج إلى اجتهاد جديد، بل هي من المسائل القديمة التي يكثر وقوعها، ولم ينقل عن أحد من
_________________
(١) انظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٠، دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩١.
(٢) انظر: بحث في مطل الغني ظلم وأنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢٥١.
(٣) انظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٢، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، للسالوس ٢/ ٥٦٧، استيفاء الديون، للمزيد ص ١٨٣.
(٤) انظر: حكم التعزير بأخذ المال في الإسلام، لماجد أبو رخية، ضمن بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ١/ ٣٣٨ - ٣٤٠.
[ ٧١ ]
الفقهاء قبل هذا العصر أنه أفتى بجواز تغريم المماطل غرامة مالية لمصلحة الدائن؛ مما يدل على أنها عندهم من الربا المحرم (^١).
نوقش: بأن الفقهاء لم ينصوا على تغريم المماطل ضمن العقوبات؛ لأنهم لم يحتاجوا إليه في عصورهم لسهولة وصول الدائن لحقه، أما في عصرنا صعب الوصول للحق لطول الإجراءات وتأخرها، وعدم نص الفقهاء عليها لا يعني أنهم يمنعونها (^٢).
يجاب: بعدم التسليم بأن الدائن كان يصل لحقه في عصر الفقهاء بسهولة، فلو كان يصل له بسهولة لما احتاج الفقهاء للنص على عقوبة المماطل بالحبس والملازمة والضرب وغيرها، وعدم نص الفقهاء عليها بذاتها؛ لأنها زيادة في الدين مقابل التأخير وهي داخلة في عموم النهي عن الربا.
الدليل الخامس: إن تغريم المماطل بغرامة مالية إن لم يكن ربا في ذاته، فهو ذريعة موصلة إليه، ومن القواعد الفقهية قاعدة: "سد الذرائع" (^٣)، والقول به
_________________
(١) انظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٠، تعليق حسن الأمين على بحث الزرقاص ٤٣، تعليق ابن بيه على بحث الزرقا، مجلة دراسات اقتصادية إسلامية، المجلد الثالث، العدد الثاني، رجب ١٤١٧ هـ ص ٤٨، بحث: المدين المماطل يعاقب بالحبس لا بتغريم المال، لفهمي أبو سنة، منشور في مجلة الأزهر، السنة الثالثة والستون، رجب ١٤١١ هـ ٧/ ٧٥٤.
(٢) انظر: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن، للزرقا ص ١٢، بحث في مطل الغني ظلم وأنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢٥١
(٣) انظر: البحر المحيط، للزركشي ٦/ ٨٢، الموافقات، للشاطبي ١/ ١٧٨، إرشاد الفحول، للشوكاني ٢/ ٧٠٣.
[ ٧٢ ]
يفتح باب الربا، كما حصل للنصارى (^١) فقد استحلوا الربا المحرم في شريعتهم بسبب دعوى التعويض عن الضرر (^٢).
يناقش: بأنه إن كان مرجع التغريم للقاضي فإن الذريعة للربا بعيدة؛ لأن القاضي سيحكم وفق دراسات وتقدير للضرر الحاصل، ولن يحكم لمجرد التأخير فقط.
الدليل السادس: أن جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية عند من يقول به مقيد بشروط نظرية يصعب تحقيقها في الواقع العملي، فمنها:
أولًا: شرط عدم كون المدين معسرًا، ويصعب على الدائن خاصة المصارف التحقق من كل قضية بعينها ولذا نجد أنه يحتال على إسقاط هذا الشرط - وهو عدم كونه معسرًا بأن يكتب في العقد شرطًا آخر: وهو أن المدين يُعد موسرًا، ويعامل بناء على ذلك ما لم يحكم عليه بحالة الإفلاس قانونًا (^٣).
ثانيًا: القول بتعويض الدائن مقابل فوات فرصة الربح، يفترض أن هذا المال لو دفع لصاحبه لأمكن أن يستثمره فيربح به، وهذا إن جاز من الناحية النظرية، فهو بعيد من الناحية العملية؛ لأن الدائن لا يقطع بتنمية ماله واستثماره،
_________________
(١) قال أحد النصارى وهو توما الإكويني: "إذا لحق المقرض ضرر ناجم عن تأخير المقترض عن الوفاء في الميعاد المحدد للسداد، يصبح للمقرض الحق في مطالبة المقترض بالتعويض شريطة إثبات الضرر الذي انتاب المقرض" انظر: بيع التقسيط تحليل فقهي اقتصادي، لرفيق المصري ص ١٣٩.
(٢) انظر: عقد القرض، للجزائري، ص ٢٠٥، بيع التقسيط، لرفيق المصري ص ١٣٩، توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال، لابن بية ص ١٣٨. مجلة جامعة الملك عبد العزيز، المجلد الخامس، ص ٧٠.
(٣) انظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٢.
[ ٧٣ ]
ثم لو استثمره فإنه لا يقطع بحصول الأرباح، بل قد يقع في خسائر فادحة، وهذا ظاهر في المصارف والبنوك، إذ لا تستفيد من كل ما لديها من أموال، بل إن نسبة السيولة غالبًا ما تكون أكثر من النسبة المحددة التي يجب الاحتفاظ بها من قبل البنوك المركزية (^١)، وقد قال الشيخ الزرقا في أحد فتاويه: "أما الحكم بالتعويض عن ضرر التأخر بما فات على صاحب الحق من ربح، وما لحقه من خسارة بالشكل المعروف في القانون تمامًا، حتى إذا كان التأخر في تسليم مبلغ نقدي مستحق فإنه يحكم بالفوائد القانونية الخ فهذا لا يقبل في فقه الشريعة بحذافيره وتفاصيله القانونية، ولا سيما أن الربح الفائت هو أمر احتمالي لا يمكن التيقن به فهو غيب بيد الأقدار، إذ قد ينقلب الربح المأمول إلى خسارة، ولو لم يقع من الملتزم امتناع أو تأخر. " (^٢).
وعدم إمكان تطبيق الشروط التي نص عليها الفقهاء المجيزون حمل الدكتور الضرير أن يوقف العمل بفتواه، فقد قال: "البنك الذي أصدرت له الفتوى لم يستطع تنفيذها التنفيذ الصحيح الذي قصدته؛ لأنه أراد أن يعتمد على الربح التقريبي، وليس الفعلي في تقدير الضرر، فوجهت بوقف العمل بالفتوى، خوفًا من أن يؤدي تنفيذها إلى ما يشبه الفائدة الربا" (^٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: الأدلة الدالة على الوفاء بالعقود، وأداء الأمانات، والعدل، منها:
قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٤)،
_________________
(١) انظر: الخدمات الاستثمارية، للشبيلي ١/ ٦٥٠ - ٦٥١، المماطلة في الديون، للدخيل ص ٣٧٢.
(٢) فتاوى مصطفى الزرقا ص ٤٤٠.
(٣) مجلة جامعة الملك عبد العزيز، المجلد الخامس، ص ٧٠.
(٤) سورة المائدة، الآية ١.
[ ٧٤ ]
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^١)،
وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ (^٢)،
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (^٣).
وجه الدلالة من الآيات: أن الله تعالى أمر بالوفاء بالعقود، وأداء الأمانة، والعدل، وأمر الله واجب الامتثال، ومن تجنب العدل كان ظالمًا، والظالم إذا أدى ظلمه إلى إلحاق الضرر بغيره فهو مسؤول عن ذلك، ولا شك أن المدين المماطل ظالم، وقد حرم الدائن من الانتفاع بماله، مما يوجب مسؤوليته عن ذلك، فتغريمه غرامة مالية مقابل الضرر الذي لحق الدائن من العدل الذي أمر الله به (^٤).
نوقش: بالتسليم بأن المدين المماطل ظالم، ومستحق للعقوبة، ومنشأ ظلمه إلحاقه الضرر بالدائن نتيجة تأخير الوفاء عن وقته بلا عذر، ولكن الأدلة دلت على الوفاء بالعقود، وأداء الأمانات، وأمرت بالعدل، ولا يوجد فيها دلالة على تغريم المدين المماطل غرامة مالية، وليس كل ضرر يلحقه الإنسان بغيره ظلمًا يُعد موجبًا للتعويض المالي (^٥)
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (^٦).
_________________
(١) سورة النساء، الآية ٥٨.
(٢) سورة الإسراء، الآية ٣٤.
(٣) سورة النحل، الآية ٩٠.
(٤) انظر: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن، للزرقا ١٣ - ١٤.
(٥) انظر: الربا، للسعيدي ٢/ ١١٩٣، دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩٠
(٦) رواه ابن ماجة، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره برقم ٢٣٤٠، واللفظ له، والحديث ضعيف؛ فقد جاء عند ابن ماجه وأحمد من طريق جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس، وجابر الجعفي ترك الأئمة حديثة، واتهمه بعضهم بالكذب، وجاء الحديث عند ابن ماجة وأحمد أيضًا من طريق إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت، وإسحاق لم يدرك عبادة بن الصامت. وقال ابن عبد البر عن هذا الحديث: "إن هذا الحديث لا يستند من وجه صحيح" وقال ابن رجب: "وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ: لم يصح حديث: «لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَار» مسندا". انظر: تهذيب الكمال، للمزي ٢/ ٤٩٣، ٤/ ٤٦٥، ميزان الاعتدال، للذهبي ١/ ٢٠٤، ٣٨٠، تهذيب التهذيب، لابن حجر ١/ ٢٥٦، التمهيد، لابن عبد البر ٢٠/ ١٥٨، جامع العلوم والحكم، لابن رجب ٢/ ٢٠٨.
[ ٧٥ ]
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نصَّ في هذا الحديث على تحريم الضرر وأمر بإزالته، ولا يزول الضرر الواقع على الدائن إلا بتعويضه ماليًا عن فوات منافع ماله مدة المماطلة، ومعاقبة المدين المماطل بغير الغرامة المالية لا يفيد الدائن شيئًا، فلا يزول ضرره إلا بالتعويض المالي (^١).
نوقش من وجهين: الوجه الأول: بأن هذا الحديث ضعيف، ولا يصح الاحتجاج به، وعلى فرض صحته (^٢) فإنه لا توجد دلالة في الحديث على أن زوال الضرر لا يكون إلا بالغرامة المالية، ولو دل الحديث عليها لوجب الحكم بها، ولوجب على كل قاض ومفت أن يقضي ويفتي بها، ولكن لم يوجد في التاريخ من حكم أو أفتى بذلك مع كثرة قضايا المماطلة، وإزالة الضرر الواقع على المدين يكون برد حقه إليه، وليس بأخذ الزيادة، لأنها مقابلة للظلم بالظلم، ومقتضى القاعدة الشرعية: "أن الضرر لا يزال بمثله ولا بما هو أشد منه" (^٣)، كما أن تضرر الدائن بتفويت الانتفاع بماله متوقع أو متوهم، فلا يزال بضرر متحقق يلحق بالمماطل (^٤).
_________________
(١) انظر: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن، للزرقا ص ١٥.
(٢) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب ٢/ ٢١٠ - ٢١١، المستدرك، للحاكم ٢/ ٥٨، إراوء الغليل، للألباني ٣/ ٤٠٨.
(٣) انظر: الأشباه والنظائر، للسيوطي، ص ١٠٦، موسوعة القواعد الفقهية، للبورنو ٦/ ٢٥٧، الوجيز في شرح القواعد الفقهية، لزيدان، ص ٩٠، القواعد الفقهية الخمس الكبرى، لعلوان، ص ٣٧٤.
(٤) انظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٠، دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩١ - ٢٩٢، الخدمات الاستثمارية في المصارف، للشبيلي ١/ ٦٣٢.
[ ٧٦ ]
يجاب: بالتسليم بأن التعويض لا يكون عن تفويت انتفاع متوقع أو متوهم إذ لا عبرة بالتوهم، إنما يكون التعويض عن الخسائر التي كان سببها المباشر مماطلة المدين، وعدم وجود من حكم بذلك في التاريخ أو أفتى به-إن ثبت أنه لم يوجد من حكم بذلك أو أفتى به- ليس دليلًا على المنع.
الوجه الثاني: القول بإن "معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئًا"، لا يعني جواز الحكم على المماطل بالغرامة؛ لأن هذه عقوبة، والعقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر، ووظيفتها تنحصر في الزجر، فإن السارق إذا قطعت يده لا تزيل عقوبتة الضرر عن المتضرر، ولكنها تزجر الناس عن الظلم، وتمنعهم من اقتراف الذنوب الموجبة لها درءا للمفسدة المتوقعة (^١).
يجاب: بأن المماطل ارتكب معصية المطل التي يستحق عليها العقوبة، وكان متسببًا في وقوع خسائر على الدائن، فعليه أن يعوض الدائن عن هذه الخسائر ثم يعاقب على معصية المماطل، كما أن على السارق أن يعيد المال الذي سرقه لصاحبه ثم يعاقب بقطع يده، فالعقوبة على المطل والتعويض عن الخسائر، مع أنه لا يوجد ما يمنع في العقوبات التعزيرية التي ترتب عليه ضرر على أحد من المسلمين أن يجمع القاضي في العقوبة بين الجبر والزجر فهو أشد زجرًا وأوفى للحقوق.
الدليل الثالث: قول رسول الله ﷺ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (^٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على أن المماطل يستحق العقوبة، ومن أنواع العقوبة التعزير بالمال، وهي مشروعة كما قرر ذلك
_________________
(١) انظر: دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩٢
(٢) سبق تخريجه
[ ٧٧ ]
المحققون من أهل العلم (^١)، ومن أنواع التعزير بالمال: تعزير بتمليك الغير، وتغريم المماطل من هذا النوع (^٢).
نوقش: بعدم التسليم بجواز التعزير بالمال (^٣)، وعلى القول بجواز التعزير بأخذ المال فإن ولاية التعزير للحاكم وليست للدائن، وللحاكم صرفها في مصالح المسلمين العامة، وقيام الدائن بعقوبة المدين المماطل يؤدي إلى الفوضى والنزاع، والعقوبات الشرعية في الأصل زاجرة رادعة، وليس من شأنها أن تجبر الضرر، والعقوبات الزاجرة شرعت لاستئصال المفسدة من حياة الناس، أما تغريم المماطل فقد يحمل على التواطؤ على أكل الربا والتحايل عليه، فيزيد المفسدة ولا يعالجها (^٤).
يجاب: بالتسليم بأن مرجعها إلى القاضي، والعقوبات التعزيرية عامة ومنها التعزير بأخذ المال، وقد دلت الأدلة الكثيرة على جوازه (^٥)، ولا دليل يمنع القاضي من أن يجمع في العقوبة التعزيرية بين التعويض والزجر، متى ما رأى القاضي المصلحة في ذلك.
_________________
(١) وقد قال به أبو يوسف من الحنفية، وابن فرحون من المالكية، وابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة. انظر: فتح القدير، لابن الهمام ٥/ ٣٤٥، تبيين الحقائق، للبابرتي ٣/ ٢٠٨، تبصرة الحكام، لابن فرحون ٢/ ٢٩٣، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ١١٢، إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٢٨٢.
(٢) انظر: بحث في مطل الغني ظلم وإنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢٠٠ - ٢٠٦.
(٣) وهو ما اتفقت عليه المذاهب الأربعة بل نقل الإجماع على عدم جوازه. انظر: حاشية ابن عابدين ٤/ ٦١، الشرح الصغير ٤/ ٥٠٤، تكملة المجموع للمطيعي ٢٠/ ١٢٥، المغني ٩/ ١٧٨.
(٤) انظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٢، دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩٢، ٢٩٥
(٥) انظر: حكم التعزير بأخذ المال في الإسلام، لماجد أبو رخية، ضمن بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ١/ ٣٣٨ - ٣٤٠.
[ ٧٨ ]
الدليل الرابع: أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم، واشتراط تغريم المدين المماطل شرط صحيح؛ لأنه يتفق مع قواعد الشريعة، ولم يرد نهي عنه بخصوصه (^١).
نوقش: بأن هذا الشرط معارض لنصوص الشريعة التي حرمت الربا، والشرط المعارض لنصوص الشريعة يكون باطلًا (^٢).
الدليل الخامس: أن من المصلحة تغريم المدين المماطل؛ لأن هذا يحمله على الوفاء بالدين، وألا يتأخر في التسديد (^٣).
نوقش: بأن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها مخالفة لنصوص الشريعة المانعة من أخذ الزيادة في الدين لا في ابتداء الدين، ولا في انتهاءه، ومن شروط المصلحة ألا تخالف نصًا شرعيًا (^٤).
الدليل السادس: أن من أسس الشريعة ومقاصدها العامة عدم المساواة بين العادل والظالم، ولا شك أن مماطلة المدين ظلم بشهادة النصوص الشرعية، وفيه ضرر لصاحب الحق بحرمانه من منافع ماله مدة التأخير التي قد تطول كثيرًا، فإذا لم يغرم المدين المماطل، كانت النتيجة أن هذا الظالم العاصي يتساوى مع العادل المطيع، وهذا يشجع كل مدين على المماطلة وتأخير الحقوق، وهذا خلاف مقاصد الشريعة وسياستها الحكيمة قطعًا (^٥).
_________________
(١) انظر: مطل الغني ظلم وإنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢١٧.
(٢) انظر: بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧١
(٣) انظر: بحث مطل الغني ظلم وإنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢٦١
(٤) انظر: المسودة، لآل تيمية ٢/ ٨٣٠، مذكرة في أصول الفقه، للشنقيطي، ص ٣١٥، المهذب، لعبد الكريم النملة ٣/ ١٠٠٨
(٥) انظر: جواز إلزام المدين المماطل بالتعويض، للزرقا ص ١٦.
[ ٧٩ ]
نوقش: بعدم التسليم بأن عدم تغريم المدين المماطل يستلزم منه مساواته بغيره، بل اعتبره النبي ﷺ ظالمًا، وأحل عقوبته بما يزجره من التشهير به، ومنعه من السفر، وضربه، وحبسه، وغيرها من العقوبات التعزيرية، وبهذا لا تكون مساواة بين المماطل والعادل المؤدي لحق غيره (^١).
الدليل السابع: أن المطل في أداء الحق يشبه الغصب؛ وذلك أن التعدي على الديون يكون بحجبها عن صاحبها؛ لأن مقرها الذمم وليست أعيانًا قائمة يتأتى فيها الغصب المادي، والمماطلة حجب للمال عن صاحبه فهي كالغصب للأعيان، فيلزمه بضمان منافع الدين كما يضمن الغاصب منافع العين المغصوبة مدة الغصب (^٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن القائلين بضمان منافع العين المغصوبة على الغاصب يشترطون أن تكون المنفعة مما يصح أخذ العوض عنها، وذلك بأن يكون المغصوب من الأعيان التي يصح أن يرد عليها عقد الإجارة (^٣). وهذا الشرط
_________________
(١) انظر: دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) انظر: جواز إلزام المدين المماطل بالتعويض للزرقا ص ١٧، والقائلون بضمان منافع المغصوب، هم الشافعية، والحنابلة. انظر: الحاوي، للماوردي ٧/ ١٦١، تحفة المحتاج، للهيتمي ٦/ ٢٩، المغني، لابن قدامة ٥/ ١٦٩، كشاف القناع، للبهوتي ٤/ ١١١
(٣) قال الشربيني: "وتضمن بأجرة المثل منفعة الدار والعبد ونحوهما من كل ما له منفعة يستأجر عليها كالكتاب والدابة والمسك بالتفويت، … أما ما لا يؤجر … فلا تضمن منفعته" مغني المحتاج ٣/ ٣٥٣ وقال ابن قدامة: "متى كان للمغصوب أجر، فعلى الغاصب أجر مثله مدة مقامه في يده سواء استوفى المنافع أو تركها تذهب، هذا هو المعروف في المذهب، نص عليه أحمد … وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يضمن المنافع … والخلاف في ما له منافع تستباح بعقد الإجارة، كالعقار، والثياب، والدواب، ونحوها، فأما الغنم والشجر والطير ونحوها فلا شيء فيها؛ لأنه لا منافع لها يستحق عوض" المغني، لابن قدامة ٥/ ١٦٩.
[ ٨٠ ]
غير متحقق في الأموال التي ماطل بها المدين إذا كانت من النقود وهو الغالب في هذا الزمن، لكون النقود أموالا لا تصح إجارتها بالإجماع (^١).
الوجه الثاني: أن قياس تضمين المماطل منافع الدين الذي ماطل به، على تضمين الغاصب لمنافع العين المغصوبة قياس مع الفارق؛ وذلك أن قابلية النقود للربح بالاستثمار غير متحققة بصورة قطعية، فقد يتاجر بها فتربح أو تخسر، وهو أيضًا غير متقوم فقد يربح كثيرًا وقد يربح قليلًا، وهذا بخلاف الأعيان المادية إذ يصح أخذ العوض عن منافعها بورود عقد الإجارة عليها، كما أن منافعها متقومة محققة لها أجرة المثل (^٢).
الدليل الثامن: قياس جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية على جواز بيع العربون (^٣) بجامع تفويت الفرصة في كل منهما؛ وذلك أن التعويض عن منفعة العدول عن إتمام العقد مظنونة غير محققة، ومع هذا فقد اعتبر الضمان لتلك المنفعة المظنونة أمرًا مشروعًا، فيقاس عليه جواز تغريم المدين المماطل مقابل ما فوته على الدائن من منافع ماله (^٤).
_________________
(١) انظر: دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٨٧ - ٢٨٩. وانظر كلام الفقهاء في منع إجارة النقود: بدائع الصنائع، للكاساني ٤/ ١٧٥، المبسوط، للسرخسي ١٤/ ٤٩، منح الجليل، لعليش ٧/ ٤٩٣، المنتقى، للباجي ٥/ ١١٤، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ٤٠٦، مغني المحتاج، للشربيني ٣/ ٤٤٥، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٥٦١، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ٢٤٩
(٢) انظر: تعليق زكي الدين شعبان على مقال الزرقا، مجلة جامعة الملك عبد العزيز - الاقتصاد الإسلامي- ١٤٠٠ هـ ١/ ٢٠٠، دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٨٨.
(٣) القائلون بجواز أخذ العربون هم الحنابلة، وهو من مفردات المذهب. انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ١٦٠، الإنصاف، للمرداوي ٤/ ٣٥٨، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ٣٣
(٤) انظر: بحث في مطل الغني ظلم وإنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢١٤ - ٢١٩.
[ ٨١ ]
نوقش: بعدم التسليم بجواز بيع العربون (^١)؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل (^٢)، وعلى فرض جوازه فإن قياس تغريم المدين المماطل على بيع العربون قياس مع الفارق؛ وذلك من أوجه:
الوجه الأول: أن الدين ليس كالبيع في كثير من الأحكام الشرعية، فما جاز في البيع قد لا يجوز في الدين؛ لأن الشارع احتاط في الديون كيلا يترتب عليها ربًا محرم، وتغريم المدين المماطل زيادة على أصل الدين حرام؛ لكونها نوعًا من الربا (^٣).
الوجه الثاني: أن تغريم المدين المماطل عن الضرر الناتج عن تأخره في سداد الدين مجهول، والجهالة فيه من جهة الوجود، ومن جهة التحصيل، ومن جهة المقدار، ومن جهة الزمن، أما مبلغ العربون فهو معلوم أثناء العقد (^٤).
الوجه الثالث: أن تغريم المدين المماطل يقدر عند وقوع الضرر، فلا يستحق التعويض إلا إذا وقع الضرر، أما العربون فهو مقابل لحق العدول عن العقد فالإلتزام بدفع العربون قائم حتى لو لم يترتب على العدول عن العقد أي ضرر (^٥).
_________________
(١) وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة. انظر: النتف في الفتاوى، للسغدي ١/ ٤٧٢، الشرح الصغير، للدردير ٣/ ١٠٠، روضة الطالبين، للنووي ٣/ ٣٩٩، الإنصاف، للمرداوي ٤/ ٣٥٨.
(٢) انظر: الشرح الصغير، للدردير ٣/ ١٠٠.
(٣) انظر: مشكلة الديون المتأخرة، للقره داغي، بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة عشرة ٤/ ٥٠٠، المماطلة في الديون، للدخيل ص ٣٨٦
(٤) انظر: مشكلة الديون المتأخرة، للقره داغي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة عشرة ٤/ ٥٠٠
(٥) انظر: الشرط الجزائي، للشهري، ص ٧٩
[ ٨٢ ]
الدليل التاسع: قياس تغريم المدين المماطل بالغرامة المالية على جواز إلزام العاقد بالتعويض المالي بالشرط الجزائي في غير الديون (^١)، بجامع أن كليهما ضمان لمنفعة مظنونة غير محققة الوقوع (^٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن التسليم بالشرط الجزائي جملة لا يلزم منه تصحيح كل شرط جزائي، بل القول بصحته في آحاد المسائل رهين التسليم باعتبار المنفعة التي يراد الاعتياض عنها، ومنفعة الدين مدة تأخيره غير معتبرة شرعًا في باب المعاوضات؛ لذا فإن العلماء الذين أجازوا الشرط الجزائي استثنوا من ذلك الشرط الجزائي في الديون (^٣)؛ لأنه من قبيل ربا الجاهلية المحرم (^٤).
الوجه الثاني: أن قياس جواز تغريم المدين المماطل على جواز الشرط الجزائي في غير الديون قياس مع الفارق؛ وذلك أن التعويض في الشرط الجزائي يصح تحديده باتفاق المتعاقدين عند بداية العقد، بينما التعويض عن
_________________
(١) ذهب إلى جوازه جمهور المعاصرين وبه صدر قرار هيئة كبار العلماء في المملكة، وقرار مجمع الفقه الإسلامي، وقرار دار الإفتاء المصرية، وفتوى الهيئة الشرعية في بيت التمويل الكويتي، وقرار هيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية. انظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد الثاني ١٣٩٥ هـ، ص ١٤١، وأبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٢١٤، ومجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية عشرة ٢/ ٣٠٦، الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية، بيت التمويل الكويتي ١/ ٣٣، المعايير الشرعية، هيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية ص ٣٥، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٥٩، الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٣٦٩.
(٢) انظر: بحث في أن مطل الغني ظلم وإنه يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، للمنيع ٣/ ٢١٨.
(٣) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية عشرة ٢/ ٣٠٦.
(٤) انظر: الربا، للسعيدي ٢/ ١٢١٥
[ ٨٣ ]
ضرر التأخر في سداد الديون لا يصح تحديده ابتداءً بالاتفاق (^١)، ولا يلزم أن يكون الشرط الجزائي بمقدار الضرر الحقيقي، بل لهم أن يتفقوا على أي مبلغ ما لم يكن كثيرًا عرفًا يظهر أن القصد منه التهديد المالي (^٢).
أدلة القول الثالث:
أدلة أصحاب القول الثالث لا تخرج عن أدلة القول الثاني، إلا أنهم اشترطوا أن يكون التعويض عن ضرر الخسائر الواقعة فعلًا بسبب مماطلة المدين، وليس عن ضرر محتمل أو ربح متوقع أو محقق الوقوع، ويرد عليه من المناقشة والتوجيه ما ورد على أدلة أصحاب القول الثاني. واستدلوا بالقياس على تغريم المماطل تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل، إذا غرمه على الوجه المعتاد (^٣)؛ بجامع أن كلًا منهما ضرر واقع حقيقة، وليس متوقعًا، أو مفترضًا ولو بغلبة ظن (^٤).
نوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن تغريم نفقات التحصيل، وتكاليف الشكاية ليس تعويضا عن الضرر المالي لحبس ما في الذمة، وإنما لأن المماطل
_________________
(١) انظر: الخدمات الاستثمارية، للشبيلي ١/ ٦٤٣.
(٢) انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٢١٤، الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٢٥٩.
(٣) انظر: مواهب الجليل، للحطاب ٦/ ١١٣، شرح مختصر خليل، للخرشي ٥/ ٢٧٧، منح الجليل، لعليش ٦/ ٥١، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٥٧، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٤١٩ قال ابن تيمية: "وإذا كان الذي عليه الحق قادرا على الوفاء ومطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه إلى الشكاية، فما غرمه بسبب ذلك، فهو على الظالم المبطل، إذا كان غرمه على الوجه المعتاد " مجموع الفتاوى ٣٠/ ٢٤ - ٢٥، وقال ابن فرحون: " وإذا تبين أن المطلوب ألد بالمدعي، ودعاه الطالب إلى الارتفاع إلى القاضي فأبى، فيكون على المطلوب أجرة الرسول إليه، ولا يكون على الطالب من ذلك شيء" تبصرة الحكام ١/ ٣٧١
(٤) انظر: تعليق الدكتور زكي الدين شعبان على بحث الدكتور الزرقا في مجلة جامعة الملك عبد العزيز، عام ١٤٠٩ هـ ١/ ١٩٩، تعليق الدكتور محمد زكي عبد البر على رأي الضرير في مجلة جامعة الملك عبد العزيز ٣/ ٦١ عام ١٤١١ هـ، بيع التقسيط، للتركي ص ٣٢٢.
[ ٨٤ ]
تسبب للدائن في نفقات مالية إضافية بسبب مطله، فوجب عليه تحملها لكونه المتسبب له في ذلك، وهذا التعويض ليس عن منافع المال المحبوس الذي هو محل النزاع، ولذلك لو تأخر المماطل في دفع نفقات التحصيل، وتكاليف الشكاية لا يقال له: ادفع تعويضًا ماليًا لتأخرك (^١).
يجاب: بأن هذا الفارق غير مؤثر؛ لأن حبس ما في الذمة إذا كان هو المتسبب المباشر في الخسائر التي حصلت فإن على المتسبب أن يغرمها، كما أن المماطل إذا تسبب في تكاليف الشكاية فإن عليه دفعها للدائن، فالغرامة بسبب إلحاقه الخسارة بغيره سواء كانت عن حبس ما في الذمة أو كانت تكاليف الشكاية، ولا يسلم أنه إن تأخر المماطل في دفع نفقات التحصيل، وتكاليف الشكاية أنه لا يدفع تعويضًا لتأخره، بل لو تأخر فيها وترتب على تأخره نفقات أخرى فإنه يطالب بالنفقات الأولى والأخرى.
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بعدم جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو وقع عليه من خسائر؛ لأن القول بجوازه يفتح أبواب الربا، وفيه أكل لأموال الناس بالباطل، إلا إن كانت هناك خسارة على الدائن وكانت المماطلة هي السبب المباشر في هذه الخسارة، كمن تعهد على نفسه بشرط جزائي بعلم المماطل وليس عنده إلا هذا المال الذي أعطاه للمماطل وتسبب المطل في وقوع الشرط الجزائي عليه؛ وذلك لأن المماطل هو المتسبب بهذه الخسارة، ويشترط أن يكون الحُكم بها عند القاضي كي يتم التثبت من كون هذا المطل هو السبب المباشر لهذه الخسارة، وكي يقدر الخسارة الفعلية، ولا يجوز أن يتولاها الدائن كي لا يفتح الباب للمرابين.
_________________
(١) انظر: المعاملات المالية، للدبيان ٥/ ٥١٢.
[ ٨٥ ]