جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: "لم نجد أحدًا من الفقهاء عبر بهذا - الضرر الأدبي أو المعنوي- وإنما هو تعبير حادث، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحدًا من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية " (^٢)، ومع التسليم بأن هذا التعبير حادث فإنه لا يسلم بأن الفقهاء لم يتكلموا عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية، بل تكلم الفقهاء عن التعويض المالي عن القذف وهو ضرر معنوي، واختلفوا فيه فمنهم من أجازه وأكثرهم على المنع (^٣)، وقد جاء عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة (^٤) في الشجة إذا عادت فالتحمت ولم يبق لها أثر بأن عليه أرش الألم، وهو حكومة عدل (^٥)، والألم ضرر معنوي، فالفقهاء تكلموا عن الأضرار المعنوية وإن لم يصطلحوا عليها بهذا الاسم، والعبرة بحقائق الأمور لا بمسمياتها.
_________________
(١) صورة الضرر الأدبي: قد يكون الدائن من أشراف الناس الذين يغض من قدرهم، وينقص من مكانتهم التردد على المحاكم، ومراكز الشرط، أو كثرة الاتصالات على المدين، والذهاب إليه، وملاحقته، وانتظاره، وما ينتج عن ذلك من هم وحزن، وخوف من ضياع الحق، مما قد يعود بالغم والضرر الصحي على بدنه، وغيرها من الأضرار الأدبية والمعنوية. انظر: المماطلة في الديون، للدخيل ص ٤١٢
(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية ١٣/ ٤٠.
(٣) الذخيرة، للقرافي ٧/ ٣٢٥، تكملة المجموع، للسبكي ١١/ ٣٦٣.
(٤) هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي الحنفي، ولد سنة ١١٣ هـ ولازم أبا حنيفة سبع عشرة سنة، وأول من دعي بقاضي القضاة، له مصنفات من أشهرها: كتاب الخراج، توفي سنة ١٨٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ٨/ ٥٣٥، الجواهر المضية، للقرشي ٣/ ٦١١، الأعلام، للزركلي ٨/ ١٩٣
(٥) العناية، للبابرتي ١٠/ ٢٩٦، تبيين الحقائق، للزيلعي ٦/ ١٣٨، حاشية ابن عابدين ٦/ ٥٨٦.
[ ٥٤ ]
وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية مقابل الضرر الأدبي الذي يلحق الدائن على قولين:
القول الأول: عدم جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية مقابل الضرر الأدبي.
وهو قول جمهور الفقهاء المعاصرين (^١)، بل نُقل الاتفاق على هذا القول (^٢).
القول الثاني: جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية مقابل الضرر الأدبي.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (^٣).
_________________
(١) انظر: الضمان في الفقه الإسلامي، للخفيف ص ٤٥، الفعل الضار والضمان فيه، للزرقا ص ١٢٦، الضرر في الفقه الإسلامي، لأحمد موافي ٢/ ١٠٢٣، النظرية العامة للموجبات والعقود، لمحمصاني ١/ ١٧٢، الشرط الجزائي، للضرير، منشور في مجلة المجمع العدد الثاني عشر ٢/ ٦٤ - ٧٦، التعويض عن الضرر من المدين المماطل، لمحمد الزحيلي مقدم لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ١٤٢١ هـ، ص ٧٧، التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي، لمحمد بوساق ص ٣٤. وقد صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ١٠٩/ (٣/ ١٢) بشأن موضوع الشرط الجزائي بالمنع من التعويض عن الضرر الأدبي: "خامسًا: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي … ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني عشر ١٤٢١ هـ ٢/ ٣٠٦.
(٢) قال الشيخ علي الخفيف: "ليس فيهما -أي الضرر الأدبي والمعنوي- تعويض مالي على ما تقضي به قواعد الفقه الإسلامي، وذلك محل اتفاق بين المذاهب" الضمان في الفقه الإسلامي ص ٤٥.
(٣) وممن قال به: الشيخ محمود شلتوت كما في كتابه المسؤلية المدنية والجنائية، ص ٣٥، والدكتور محمد فوزي فيض الله كما في كتابه نظرية الضمان في الفقه الإسلامي ص ٩٢. والدكتور وهبه الزحيلي كما في كتابة نظرية الضمان ص ٥٤. والدكتور محمد سراج كما في كتابه ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، ص ٣٤١، والدكتور فتحي الدريني كما في كتابه نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي ص ٢٩٠
[ ٥٥ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن التعويض بالمال يقوم على الجبر بالتعويض، وذلك لا يتحقق إلا بإحلال مال محل مال مكافئ له ليقوم مقامه ويسد مسده، لرد الحال إلى ما كانت عليه؛ إزالة للضرر، وجبرًا للنقص، وليس ذلك بمتحقق في الضرر الأدبي المعنوي؛ لأنه لا يمكن قياسه ومعرفة ما يكافئه من المال (^١).
يناقش: بأن عدم التمكن من المكافأة في التعويض الأدبي لا يمنع التعويض مطلقًا بل يرجع فيه إلى التقدير؛ لأن التعويض بالمال إن لم يتمكن فيه من المماثلة والمكافأة فإنه يُرجع فيه إلى التقدير والمقاربة.
الدليل الثاني: أن التعويض المالي في الضرر الأدبي المعنوي يجحف في حق الفقير، ولا يردع الغني، أما العقوبة البدنية: فهي زاجرة للمعتدي فقيرًا كان أو غنيًا، ولذا شرع لهذا الضرر ما يناسبه من الحد، والتعزير الزاجر، والتأديب الرادع، وهو كاف في شفاء غيظ المتضرر، وإزالة ضرره (^٢).
يناقش: بعدم التسليم بأن التعويض المالي لا يردع الغني فقد يكون أشد على الغني من العقوبات الأخرى، وقد يكون التعزير بالمال أشد في زجر المعتدين وردعهم، وقد تكون هناك من العقوبات التعزيرية غير المالية ما لا تردع الفقير ولا الغني، فالتقدير في التعزير يرجع للقاضي فإن رأى أن التعويض أو التعزير بالمال هي التي تردع المماطل فله ذلك.
الدليل الثالث: أن في القذف، والغصب، والسرقة، والنهب، أضرارًا أدبية، ولم يأت في الشريعة تعويض مالي عنها، ولا يجوز التعويض المالي عنها،
_________________
(١) انظر: الضمان في الفقه الإسلامي، للخفيف ص ٤٥.
(٢) انظر: التعويض عن الضرر، لمحمد بوساق ص ٣٥.
[ ٥٦ ]
وإنما الحد أو التعزير (^١)، والضرر الأدبي الذي يناله الدائن لن يصل إلى الضرر الأدبي في القذف والغصب، فمن باب أولى أنه لا يجوز التعويض المالي عنه.
يناقش: بأن العقوبات تنقسم إلى: حدود وتعزيرات؛ أما الحدود فما وصل للسلطان عوقب بما قدرته الشريعة ولا يزاد عليه، ولا يقاس على ما قدرته الشريعة في الحدود، أما إن لم تصل للسلطان وكان الحد حقًا للآدمي كالقذف، فلا يسلم أنه لا يجوز التعويض المالي عنها؛ فلصاحب الحق التنازل عن حقه مقابل مال يأخذه، أما التعزيرات التي لم تقدر فيها الشريعة عقوبة فمردها للقاضي يعاقب بما هو أصلح للمجتمع، وقد يكون الأصلح هو التعويض المالي، أو التعزير بالمال، ولا دليل صحيح يمنع من ذلك.
الدليل الرابع: أن التعويض عن الضرر الأدبي المعنوي يُعد من باب الأخذ على العرض مالا، وهذا لا يجوز، كما لو صالح المقذوف من قذفه على مال فإنه لا يجوز (^٢)، جاء في الإنصاف: "وإن صالح سارقًا … أو مقذوفًا عن حده: لم يصح الصلح بلا نزاع" (^٣)، فالأعراض لها مكانتها الخطيرة عند المسلمين، وجعلها محل تعويض مالي أمر تأباه الفطر السليمة (^٤).
يناقش: بأنه لا دليل صحيح يمنع من جواز أخذ المال على العرض؛ فالنفس مكانتها أشد خطرًا من العرض ومع ذلك يجوز الصلح عليها بالدية
_________________
(١) انظر: الضمان في الفقه الإسلامي، للخفيف ص ٤٥.
(٢) انظر: غمز عيون البصائر، للحموي ٣/ ٨١، البحر الرائق، لابن نجيم ٥/ ٣٩، مواهب الجليل، للحطاب ٦/ ٣٠٥، شرح مختصر خليل، للخرشي ٨/ ٩٠، الأم، للشافعي ٣/ ٢٣٩، تحفة المحتاج، للهيتمي ٩/ ١٢٠، المبدع، لابن مفلح ١٣/ ١٦٤، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٤٨.
(٣) الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٤٨.
(٤) انظر: التعويض عن الضرر، لبوساق ص ٣٤
[ ٥٧ ]
وبما يزيد عليها؛ جاء في الإنصاف: "ويصح الصلح عن القصاص بديات، وبكل ما يثبت مهرا" (^١)، وأما ما جاء في الإنصاف من أنه "لا نزاع" في عدم جواز الصلح على القذف؛ فإنه يعني أنه لا نزاع في المذهب الحنبلي؛ لأن الإنصاف كتاب في بيان الراجح من الخلاف في المذهب الحنبلي، أما غير المذهب الحنبلي فلا يسلم عدم وجود النزاع فيه مطلقًا، بل أجازه بعض الفقهاء المتقدمين (^٢)؛ لأنه حق للآدمي، فله الحق بالعفو مطلقًا أو مقابل المال. قال ابن عثيمين: "على القول بأنه حق للمقذوف وأن للمقذوف إسقاطه، قالوا: إنه لا يصح بعوض؛ لأن هذا الحق ليس ماليًّا، ولا يقصد به المال فلا يصح بعوض، وهذا هو القول الأول، والقول الثاني: أنه يصح بالعوض؛ لأن الذي سوف تسود صحيفته به هو المقذوف، فبدلًا من هذا، يقول: أعطني مائة ألف ريال، وأنا إن شاء الله سأدافع عن نفسي فيما يتعلق بالقذف، وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حق لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة من المقذوف" (^٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: قياس المضار المعنوية على المنافع المعنوية فكما أن المنافع المعنوية متقومة، فتقاس المضار المعنوية عليها بجامع أن كلًا منهما عرض لا بقاء له (^٤).
نوقش: بأن قياس المضار المعنوية على المنافع المعنوية قياس مع الفارق،
_________________
(١) الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٤٦.
(٢) انظر: الذخيرة، للقرافي ٧/ ٣٢٥، تكملة المجموع، للسبكي ١١/ ٣٦٣.
(٣) الشرح الممتع، لابن عثيمين ٩/ ٢٤٦.
(٤) انظر: نظرية التعسف في استعمال الحق، للدريني ص ٢٩٠.
[ ٥٨ ]
فالمنافع متقومة؛ لأنها أموال (^١)، فلا يقاس عليها الضرر المعنوي المجرد عن الضرر الالي (^٢).
ويناقش أيضًا: بأن المنافع المعنوية متعلقة بأمور مادية ظاهرة ينتفع بها الإنسان كأجرة البيت أو السيارة ويمكن قياسها، أما المضار المعنوية فهي متعلقة بما يشعر به الإنسان داخليًا من ضرر وهذا لا يمكن قياسه.
الدليل الثاني: أن الواجب في الضرر المعنوي الأدبي هو التعزير، ومن أنواعه: التعزير بالمال، وهو مقرر شرعًا (^٣)، والتعويض بالمال عن الضرر الأدبي لا يخرج عن التعزير بالمال المقرر شرعًا (^٤).
نوقش من وجهين: الوجه الأول: بعدم التسليم بجواز التعزير بالمال وهو ما اتفقت عليه المذاهب الأربعة (^٥)، بل نقل الإجماع عليه (^٦)، لأن من أصول
_________________
(١) وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة. انظر: حاشية الدسوقي ٣/ ٤٤٢، روضة الطالبين للنووي ٥/ ١٢، المغني، لابن قدامه ٧/ ١٦٢.
(٢) انظر: الشرط الجزائي، لليمني ص ١٨٨
(٣) وقد قال به أبو يوسف من الحنفية، وابن فرحون من المالكية، وابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة. انظر: فتح القدير، لابن الهمام ٥/ ٣٤٥، تبيين الحقائق، للبابرتي ٣/ ٢٠٨، تبصرة الحكام، لابن فرحون ٢/ ٢٩٣، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ١١٢، إعلام الموقعين، لابن القيم ص ٢٨٢.
(٤) انظر: نظرية الضمان، لوهبة الزحيلي ص ٢٥.
(٥) انظر: حاشية ابن عابدين ٤/ ٦١، الشرح الصغير، للدردير ٤/ ٥٠٤، تكملة المجموع، للمطيعي ٢٠/ ١٢٥، المغني، لابن قدامة ٩/ ١٧٨. قال ابن قدامة: "التعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ. ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه، ولا أخذ ماله؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به؛ ولأن الواجب أدب، والتأديب لا يكون بالإتلاف" المغني ٩/ ١٧٨.
(٦) جاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير: "وأما التعزير بأخذ المال فلا يجوز إجماعًا، وما روي عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من جواز التعزير للسلطان بأخذ المال فمعناه كما قال البرادعي من أئمة الحنفية أن يمسك المال عنده مدة لينزجر ثم يعيده إليه لا أنه يأخذ لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي" ٤/ ٥٠٤ - ٥٠٥
[ ٥٩ ]
الشريعة عصمة الأموال، ولا يترك هذا الأصل إلا بدليل يوازيه، والشريعة أباحت التعزير بالجلد والحبس، وغيرها مما سبق ذكره من العقوبات التعزيرية للماطل ولم تبح ماله، وإباحة ماله يفتح المجال للظلمة بأكل أموال الناس.
يجاب: بأنه وردت العديد من الأدلة التي تبيح التعزير بأخذ المال (^١)، وإذا أجازت الشريعة جَلدَه وبشرته وحبسه، فاستباحة ماله من باب أولى، وهي أهون من جَلْدِه وحبسه، والظلمة لا يجوز لهم الولاية من الأصل، وكما أن جواز التعزير بالمال يفتح الباب لهم بأكل أموال الناس، فكذلك جواز التعزير بالجلد والحبس يفتح الباب لهم بتعذيب الناس وحبس حرياتهم، ومع ذلك لم تمنعوه! فالكلام عن حكم هذه المسألة من حيث أصلها عند وجود الوالي العادل أما إن كان الوالي ظالمًا فللمسألة حكم آخر بناء على ما طرأ عليها.
الوجه الثاني: على فرض التسليم بجواز التعزير بالمال فإن العقوبة في الشريعة من باب الزواجر، بينما التعويض عن التأخير- على القول بجوازه- إنما هو من باب الجوابر، جبرًا لصاحب الحق عما فاته من انتفاع، أو لحقه من ضرر بسبب المماطلة، والتعزير بالمال مورده لبيت المال، ومصرفه مصالح المسلمين، بخلاف التعويض فهو للمتضرر مقابل ما لحقه من ضرر مادي يمكن أن يقابل بمثله أو قيمته (^٢).
_________________
(١) انظر: حكم التعزير بأخذ المال في الإسلام، لماجد أبو رخية، ضمن بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ١/ ٣٣٨ - ٣٤٠.
(٢) انظر: التعويض عن الضرر، لبوساق ص ٣٨، بيع التقسيط وأحكامه، للتركي ص ٣٢١، استيفاء الديون، للمزيد ص ١٧٦.
[ ٦٠ ]
يجاب: بأنه وإن كانت العقوبة من باب الزواجر فلا دليل يمنع أن تكون الزواجر جابرة لما لحق المعتدى عليه من الضرر، بل الأولى في العقوبة أن تجمع بين الزجر والجبر لما أمكن جبره، وإن كان موردها بيت المال فإنه لا يوجد دليل يمنع القاضي من دفع هذا المال إلى الشخص المتضرر معنويًا، إن رأى أن هذا هو الأصلح.
الدليل الثالث: أنه جاء عن أبي يوسف في الشجة إذا عادت فالتحمت ولم يبق لها أثر بأن "عليه أرش الألم، وهو حكومة عدل" (^١). وجاء عن محمد بن الحسن (^٢) في الجراحات التي تندمل دون أن يبقى لها أثر بأنه: "يجب فيها حكومة بقدر ما لحق المجروح من الألم" (^٣)، فأبو يوسف، ومحمد بن الحسن قررا التعويض المالي مقابل الألم، والألم ضرر أدبي، وعليه فيقاس على الألم غيره من الأضرار الأدبية المحضة، فيجوز التعويض المالي عن الضرر الأدبي (^٤).
نوقش: بأن قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، لا يصلح دليلًا على مشروعة التعويض عن الضرر الأدبي بالمال؛ لأنه ليس حجة في نفسه، ولأنه اجتهاد مقابل بمثله، وأقوالهم هنا ليس في الضرر الأدبي المحض، بل هو ضرر نتج عنه ضرر مادي، فيسوغ التعويض عنه باعتباره يؤدي إلى خسارة مالية؛ لأنه
_________________
(١) العناية، للبابرتي ١٠/ ٢٩٦، تبيين الحقائق، للزيلعي ٦/ ١٣٨
(٢) هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، إمام من أئمة الحنفية، ولد سنة ١٣٢ هـ، تفقه على أبي حنيفة، ثم على أبي يوسف، وهو الذي نشر فقه أبي حنيفه، له مصنفات كثيرة، منها: المبسوط، والجامع الكبير، والجامع الصغير وغيرها، توفي سنة ١٨٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ٩/ ١٣٤، الجواهر المضية، للقرشي ٣/ ١٢٢، شذرات الذهب، للعكري ١/ ٣٢١
(٣) المبسوط، للسرخسي ٢٦/ ٨١
(٤) انظر: نظرية الضمان، لوهبة الزحيلي ص ٢٥.
[ ٦١ ]
قد يعطله عن الكسب والعمل، ويتحمل فيه أجرة الطبيب والدواء ولا نزاع في جواز التعويض المالي عنها (^١).
يجاب: بالتسليم بأن قولهما ليس دليلًا وأنه يحتاج لدليل يستند عليه، ولكن لا يسلم بأن قولهما ليس في الضرر الأدبي بل هما تكلما عن الأرش مقابل الألم الذي لحق المجروح مطلقًا، ولم يقيداه بأنه إذا ترتب عليه خسارة مادية فإن له الأرش، فترتب الخسارة المادية على هذا الاعتداء كأجرة طبيب أو دواء مسألة أخرى غير مسألة الحكومة على الألم، والدليل على ذلك التفريقُ بين القولين عند عرْضِ المسألة في كتب المذهب الحنفي فقد جاء في المبسوط: "وقد روي عن محمد في الجراحات التي تندمل على وجه لا يبقى لها أثر تجب حكومة بقدر ما لحقه من الألم، وعن أبي يوسف ﵀ يرجع على الجاني بقدر ما احتاج إليه من ثمن الدواء وأجرة الأطباء حتى اندملت" (^٢)، وجاء في الهداية: "وقال أبو يوسف: يجب عليه أرش الألم وهو حكومة عدل، لأن الشين إن زال فالألم الحاصل ما زال فيجب تقويمه. وقال محمد: عليه أجرة الطبيب، لأنه إنما لزمه الطبيب وثمن الدواء بفعله فصار كأنه أخذ ذلك من ماله" (^٣) ولو كان المراد بالأرش وهو الحكومة على الألم هو ما يدفع مقابل أجرة الطبيب والدواء لما فرق علماء المذهب الحنفي بين القولين، ولكانا قولًا واحدًا في المذهب، وقد حاول بعض علماء المذهب الحنفي أن يجعلهما قولًا واحدًا إلا أنه لم يسلم أكثر فقهاء المذهب بذلك (^٤)؛ لأن تعليل أبي يوسف
_________________
(١) انظر: الفعل الضار، للزرقا ص ١٢٣
(٢) المبسوط، للسرخسي ٢٦/ ٨١.
(٣) الهداية، للمرغيناني ٤/ ٤٧٠، العناية، للبابرتي ١٠/ ٢٩٦.
(٤) تبيين الحقائق، للزيلعي ٦/ ١٣٨، تحفة الفقهاء، للسمرقندي ٣/ ١١٣، بداية المبتدي، للمرغيناني ص ٢٤٦.
[ ٦٢ ]
واضح في أن المراد عنده أن التعويض مقابل الألم فقط، وقد رد ابن عابدين (^١) على من جعل رأي أبي يوسف موافقًا لرأي محمد بن الحسن بأن المراد بحكومة الألم هي أجرة الطبيب والدواء بأن هذا يتأتى على أحدى الروايتين عن أبي يوسف وأن الرأي المشهور عنه هو أن العقوبة هي لمجرد الألم فقط زجرًا للسفيه وجبرًا للضرر (^٢).
الدليل الرابع: أن القول بعدم التعويض عن الضرر الأدبي يفتح الباب على مصراعيه للمعتدين على أعراض الناس، وفي التعويض صيانة لأعراض الناس، والشريعة قد حرمت الإضرار والإيذاء بشتى صوره (^٣).
نوقش: بأن عدم التعويض عن الضرر لا يفتح الباب على مصراعيه أمام المعتدين على الأعراض؛ لأن الشريعة وضعت العقوبة الرادعة المناسبة للأضرار الأدبية، والمعنوية، والكفيلة بردع المعتدين على أعراض الناس، وهي الحد، أو التعزير (^٤).
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي أن القولين متكافئآن، والذي يظهر لي-والله أعلم- أن التعويض عن الضرر الأدبي من حيث الأصل جائز متى
_________________
(١) هو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين، ولد سنة ١١٩٨ هـ. كان فقيه الديار الشامية، وكان شافعي المذهب ثم تحول إلى مذهب الحنفية على يد شيخه شاكر العقاد، فصار إمام الحنفية في عصره، من تصانيفه: "رد المحتار على الدر المختار " المشهور بحاشية ابن عابدين ولكنه توفي قبل أن يكمله، فأكمله ابنه محمد علاء الدين، توفي سنة ١٢٥٢ هـ. انظر: حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، للبيطار، ص ١٢٣٨، معجم المؤلفين، لابن عبد الغني ٩/ ٧٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٦/ ٥٨٦.
(٣) انظر: التعسف في استعمال الحق، للدريني ص ٢٩٠
(٤) انظر: الفعل الضار، للزرقا ص ١٢٥
[ ٦٣ ]
ما تحقق وجوده ولا دليل صحيح يمنع منه، ويُمكن أن يستدل على جوازه بحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (^١)، فقد جعل النبي ﷺ الدينار والدرهم مقابل المظلمة من عرض أو غيره، وفيه إشارة إلى أنه يجوز التحلل من مظلمة العرض بدفع المال، والمظلمة في العرض ضرر أدبي معنوي، كما لو اعتدى إنسان على آخر بالقذف، أو تشويه سمعته، فإنه يجوز له أن يدفع مالًا للمعتدى عليه مقابل التنازل عن حقه قبل أن تصل للقاضي، ويجوز للمعتدى عليه أن يأخذ هذا المال مقابل الضرر الأدبي الذي حصل له؛ لأنه صاحب الحق فله أن يعفو دون مقابل وله أن يعفو بمقابل المال، وله أن يرفعه للقاضي، فإذا وصل للقاضي فهو مخير بين تعويض المتضرر عن هذا الضرر الأدبي، أوتعزيره بما يراه الأصلح حسب اختلاف القضايا والناس فله أن يعزر المعتدي بالمال وأن يضع هذا المال في مصالح المسلمين، وله أن يعطي هذا المال للمتضرر أدبيًا متى ما رأى أنه الأصلح، والفرق بين تعويضه أدبيًا وبين أن يعزر المعتدي بالمال ويعطيه للمتضرر أن التعويض أدبيًا لابد من تقديرٍ لهذا الضرر وأن يكون المال مقاربًا له، أما التعزير بالمال فلا يشترط له تقدير للضرر الأدبي، فقد يكون أكثر أو أقل، وأن المال المأخوذ على وجه التعويض من حق المتضرر ولا يجوز صرفه في وجه آخر، أما المال المأخوذ تعزيرًا فليس من حق المتضرر فالأصل فيه أنه في مصالح المسلمين ولا يجوز للقاضي أن يعطيه للمتضرر إلا إن رأى أن هذا هو الأصلح حسب القضية التي بين يديه. هذا بالنسبة لحكم التعويض عن الضرر
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له، هل يبين مظلمته، برقم (٢٤٤٩).
[ ٦٤ ]
الأدبي من حيث الأصل، أما بالنسبة للتعويض عن الضرر الأدبي الذي يلحق الدائن فإنه يشترط أن يكون بحكم القاضي ولا يجوز أن يتولاه الدائن؛ لأنه يفتح الباب أمام المرابين أن يزيدوا في الدين ويحتجوا بأن هذه الزيادة مقابل الضرر الأدبي، والشريعة جاءت بسد أبواب الربا.