المطلب الثاني: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية لمصلحة الدائن.
المطلب الثالث: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية.
المطلب الرابع: حكم إلزام المدين المماطل بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل.
المطلب الأول: حكم عقوبة المدين المماطل بالحجر على أمواله
الحجر لغة: المنع والتضييق والإحاطة على الشيء (^١).
والحجر اصطلاحًا: المنع من التصرف في المال (^٢).
_________________
(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور ٣/ ٥٥، باب الحاء، مادة حجر، معجم مقاييس اللغة، لابن فارس ٢/ ١٣٨، كتاب الحاء، باب الحاء والجيم وما يثلثهما، مادة حجر، القاموس المحيط، للفيروز أبادي ١/ ٥٢٨، باب الراء، فصل الجيم، مادة حجر.
(٢) انظر: الفروع، لابن مفلح ٤/ ٣١١، الأحكام السلطانية، للماوردي ص ٩٠.
[ ٤٧ ]
وقد اختلف الفقهاء في حكم عقوبة المدين المماطل بالحجر على أمواله على قولين:
القول الأول: أنه يحجر على المدين المماطل.
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، وقول بعض الحنابلة (^٣).
القول الثاني: أنه لا يحجر على المدين المماطل.
وهو مذهب المالكية (^٤)، والحنابلة (^٥)، وقول عند ال
شافعية (^٦)، وقول أبي حنيفة (^٧).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قول رسول الله ﷺ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (^٨).
_________________
(١) انظر: المبسوط، للسرخسي ٢٤/ ١٦٣، بدائع الصنائع، للكاساني ٧/ ١٦٩، حاشية ابن عابدين ٦/ ١٤٨.
(٢) انظر: أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ١٨٧، الحاوي، للماوردي ٦/ ٢٦٥، روضة الطالبين، للنووي ٤/ ١٣٧
(٣) انظر: الكافي، لابن قدامة ٣/ ٢٢٨، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٢٤٠، قال ابن قدامة: "ولا يجوز الحجر عليه مع إمكان الوفاء؛ لعدم الحاجة إليه، وإن تعذر الوفاء وخيف من تصرفه في ماله حجر عليه، إذا طلبه الغرماء لئلا يدخل الضرر عليهم". الكافي ٣/ ٢٢٨، وقال البهوتي: "وإن كان المشتري موسرًا مماطلًا بالثمن، فليس له أي البائع الفسخ؛ لأن ضرره يزول بحجر الحاكم عليه ووفائه من ماله" كشاف القناع ٣/ ٢٤٠.
(٤) انظر: حاشية الدسوقي ٣/ ٢٦٢، شرح مختصر خليل، للخرشي ٥/ ٢٦٢، الفواكه الدواني، للنفراوي ٢/ ٢٣٩، منح الجليل، لعليش ٦/ ٦، مواهب الجليل، للحطاب ٥/ ٣٥.
(٥) انظر: الشرح الكبير، لابن قدامة ٤/ ٤٥٨، المبدع، لابن مفلح ٤/ ١٨٩، الانصاف، للمرداوي ٥/ ٢٧٥، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٥٧.
(٦) انظر: فتح العزيز، للرافعي ١٠/ ٢٢٨، روضة الطالبين، للنووي ٤/ ١٣٧
(٧) انظر: العناية، للبابرتي ٩/ ٢٧١، المبسوط، للسرخسي ٢٤/ ١٦٣، تبيين الحقائق، للزيلعي ٥/ ١٩٠
(٨) سبق تخريجه
[ ٤٨ ]
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على أن المدين المماطل تحلُّ عقوبته، والحجر على أموال المدين المماطل نوع من أنواع العقوبة التي يجوز إيقاعها عليه (^١).
نوقش: بأنه ليس هناك حاجة إلى الحجر على ماله، بل على الحاكم أن يجبر المماطل بالوفاء، فإن أبى حبسه حتى يوفي صاحب الحق، ولا حاجة للحجر (^٢).
أجيب: بأن المماطل قد يتلف ماله بتصرفه تصرفًا يزيله عن ملكه، فيبقى بعد ذلك معسرًا، فيتضرر بذلك الدائن، وفي الحجر عليه دفع للضرر الواقع على الدائن (^٣).
الدليل الثاني: قياس جواز الحجر على المدين المماطل على جواز الحجر على المدين المفلس بجامع عدم الأداء في كل منهما (^٤).
يناقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن المفلس لا مال عنده يمكن الاستيفاء منه بعكس المدين المماطل الذي يوجد عنده المال ويمكن الاستيفاء منه.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن في الحجر على المدين المماطل إهدارًا لأهليته، وإلحاقًا له بالبهائم، وفي ذلك ضرر عظيم عليه، فلا يجوز الحجر عليه لدفع ضرر خاص (^٥).
_________________
(١) انظر: سبل السلام، للصنعاني ٣/ ١٤١، كشف اللثام، للسفاريني ٥/ ١٧.
(٢) انظر: المبدع، لابن مفلح ٤/ ١٨٩، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٥٧.
(٣) انظر: الكافي، لابن قدامة ٣/ ٢٢٨، أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ١٨٧.
(٤) انظر: نتائج الأفكار، لقاضي زاده ٩/ ٢٨٣.
(٥) انظر: العناية، للبابرتي ٩/ ٢٧١، المبسوط، للسرخسي ٢٤/ ١٦٣، تبيين الحقائق، للزيلعي ٥/ ١٩٠
[ ٤٩ ]
نوقش: بأن الحجر على المدين لا يهدر أهليته؛ لأن جميع تصرفاته غير المالية، وتصرفاته المالية في الذمة صحيحة، ومنعه من التصرف في ماله لتعلق حق الغرماء به (^١).
الدليل الثاني: أن في الحجر على المدين المماطل ضررًا عليه، فلا يجوز الحجر عليه (^٢).
نوقش: بأن الضرر واقع على الدائن بسبب مماطلة المدين، والمدين المماطل ظالم بمماطلته فلا اعتبار لضرره، وضرر الدائن من مماطلة المدين أعظم وأشد من ضرر المدين بسبب الحجر على أمواله، فيحجر عليه لدفع الضرر الأشد، كما أنه يمكن للمماطل من دفع الضرر عن نفسه بتسديد دينه (^٣).
الدليل الثالث: أنه لا يحتاج إلى الحجر، فللدائن المطالبة بحقه، وإن أبى المماطل، فيعاقب بالحبس والملازمة وغيرها، فلا حاجة للحجر (^٤).
نوقش: بعدم التسليم بأنه لا يحتاج للحجر على أموال المدين المماطل؛ فقد يتلف المماطل ماله أو يحتال بنقله إلى آخر، حتى لو كان معاقبًا بالحبس والملازمة، ففي الحجر على ماله رفع للضرر عن الدائن، وأحفظ لحقه (^٥).
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي- والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل بجواز الحجر على المدين المماطل؛ لأن عقوبة المماطل من
_________________
(١) انظر: استيفاء الديون، للمزيد ص ١٣٩.
(٢) انظر: المبسوط، للسرخسي ٢٤/ ١٦٣.
(٣) انظر: استيفاء الديون، للمزيد ص ١٤٠، المماطلة في الديون، للدخيل، ص ١٦٦.
(٤) انظر: المبدع، لابن مفلح ٤/ ١٨٩، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٥٧.
(٥) انظر: الكافي، لابن قدامة ٣/ ٢٢٨.
[ ٥٠ ]
العقوبات التعزيرية التي ترجع لاجتهاد القاضي فمتى رأى القاضي أن المصلحة في عقوبة معينة فله المعاقبة بها ما لم يرد دليل في النهي عنها، وقد تبيّن في المناقشة ضعف أدلة القول الثاني في النهي عن الحجر على أموال المدين المماطل، إلا أن الأولى إن كان مال المدين المماطل ظاهرًا يمكن الاستيفاء منه فإنه لا حاجة للحجر على أمواله وللقاضي أن يأخذ من مال المدين المماطل ما يوفي به الدائن؛ لما يترتب على الحجر على أموال المدين المماطل في هذا الحال من الضرر على الدائن بتأخير الوفاء وعلى المدين بمنعه من التصرف في ماله، وإن كان مال المدين المماطل غير ظاهر لا يتمكن القاضي من الاستيفاء منه فإن له الحجر علي إن رأى المصلحة في ذلك.
[ ٥١ ]