اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية، على قولين:
القول الأول: عدم جواز عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (^٢).
القول الثاني: جواز عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (^٣).
_________________
(١) صورة المسألة: أن يبرم عقد المرابحة، أو القرض، أو غيرهما من عقود المداينات، مع اشتراط أنه إن تأخر في الوفاء بغير عذر، يلتزم بالتبرع بنسبة معينة، أو مبلغ معلوم إلى بعض الجهات الخيرية.
(٢) منهم: الشيخ عبد الله بن منيع كما في بحثه قي أعمال الندوة الفقهية الرابعة لبيت التمويل الكويتي ص ٢٤٤، والدكتور أحمد فهمي بو سنة كما في مقاله "المدين المماطل يعاقب بالحبس لا بتغريم المال" في مجلة الأزهر، الجزء السابع، السنة الثالثة والستون ص ٧٥٤. والدكتور رفيق المصري كما في تعليقه على بحث الزرقا في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية،، المجلد الثالث، العدد الثاني، رجب ١٤١٧ هـ. ص ٧٤
(٣) منهم: الدكتور محمد تقي العثماني كما في كتابه بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص ٤٤، ٤٥، ٤٦، والدكتور وهبة الزحيلي كما في كتابه المعاملات المالية المعاصرة ص ٣٤، والدكتور عثمان شبير كما في بحثه: "صيانة المديونيات" ضمن بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٧، والدكتور محمد أنس الزرقا والدكتور محمد القري في بحثهما التعويض عن ضرر مماطلة الدين، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي، مركز النشر العلمي بالجامعة، المجلد الثالث سنة ١٤١١ هـ. ص ٣٧. وصدرت به بعض الفتاوى والقرارات، منها ما يلي: جاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما نصه: "يجوز أن ينص في عقود المداينة، مثل المرابحة، على التزام المدين عند المماطلة بالتصدق بمبلغ أو نسبة، بشرط أن يصرف ذلك في وجوه البر بالتنسيق مع هيئة الرقابة الشرعية للمؤسسة " المعايير الشرعية ص ٣٥. وجاء في فتاوى ندوة البركة الثانية عشرة ما نصه: "يجوز اشتراط غرامة مقطوعة، وبنسبة محددة على المبلغ والفترة، في حال تأخر حامل البطاقة عن السداد دون عذر مشروع، وذلك على أساس صرف هذه الغرامة في وجوه البر، ولا يتملكها مستحق المبلغ" فتاوى الهيئة الشرعية للبركة ص ٣٠٤. وهو ما انتهى إليه مؤتمر المستجدات الفقهية الأول بشأن الشرط الجزائي المنعقد في عمان عام ١٤١٤ هـ، حيث جاء في قراره: " ج- يجوز أن يشترط على المدين دفع مبلغ من المال ليصرف في وجوه البر، إذا تأخر عن سداد الدين بدون عذر مقبول" الشامل، لإرشيد ص ٣٨٢
[ ٨٦ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: الآيات التي تدل على تحريم الربا منها: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (^١)، وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٢).
وجه الدلالة من الآيات: أن الآيات دلَّت على تحريم تغريم المدين المماطل بدفع غرامة مالية للجهات الخيرية من وجهين:
الوجه الأول: أن الله أمر المؤمنين بترك الربا، وآذن من لم يفعل بالحرب، وبيّن أن التوبة منه بأخذ رأس المال فقط؛ مما يدل على أن من أخذ زيادة على رأس المال لا يعد تائبًا من أكل الربا، وسواء كانت هذه الزيادة للدائن أو للجهات الخيرية.
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان ٢٧٥ - ٢٧٦
(٢) سورة البقرة، الآيتان ٢٧٨ - ٢٧٩
[ ٨٧ ]
الوجه الثاني: أن في الآية إشارة إلى أن الحكمة من تحريم الربا، هو ظلم المدين بأخذ الزيادة على رأس المال، والظلم موجود سواء أخذت الزيادة للدائن أو للجهات الخيرية، فيمنع (^١).
الدليل الثاني: عن جابر ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ» (^٢)
وجه الدلالة من الحديث: أن الربا محرم على الجميع الدائن وهو الآكل، الطالب الزيادة، والمدين وهو الموكل، المعطي للزيادة، وقد سوى بينهما في الحكم، فكما لا يجوز للدائن أن يطلب الزيادة، لا يجوز للمدين أن يعطي الزيادة على الدين إذا كان ذلك مشروطًا في العقد، سواء كانت الزيادة للدائن أو للجهات الخيرية (^٣).
الدليل الثالث: أن عقوبة المدين المماطل: تشمل ما يزجره عن فعله، كالحبس، والمنع من السفر، والضرب، والحجر على أمواله، ونحو ذلك حتى يؤدي الحق الذي عليه، ولم يُنقل عن أحد من العلماء قبل هذا العصر أنه قضى أو أفتى بجواز اشتراط غرامة مالية على المدين المماطل تدفع لغير الدائن، كجهات البر ونحوها، مع قربها من الذهن لو كانت جائزة (^٤).
نوقش: بأن عدم النقل عنهم ليس دليلًا على المنع، مع أنه لا يُسلم بأنه لم يرد عن أحد من العلماء القول به، بل قال به بعض المالكية (^٥)،
_________________
(١) انظر: المماطلة في الديون، للدخيل ص ٥١١.
(٢) سبق تخريجه
(٣) انظر: بحث في أن مطل الغني ظلم، للمنيع، ضمن أعمال الندوة الفقهية الرابعة لبيت التمويل الكويتي ص ٢٤٤.
(٤) انظر: دراسات في أصول المداينات، لنزيه حماد ص ٢٩٣، بحوث في قضايا فقهية معاصرة، للعثماني ص ٤٠
(٥) انظر: تحرير الكلام في مسائل الالتزام: للحطاب، ص ١٧١، ١٧٢، ١٧٦.
[ ٨٨ ]
قال الحطاب (^١): " إذا التزم أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فعليه كذا وكذا لفلان، أو صدقة للمساكين، فهذا محل الخلاف المعقود له هذا الباب، فالمشهور أنه لا يقضى به كما تقدم، وقال ابن دينار (^٢): يقضى به" (^٣).
أجيب: بأن ما نقل عن بعض المالكية من خلاف في القضاء بالوعد، فهو خاص بالوعد المعروف، بالالتزام قال الحطاب: "وأما الالتزام في عرف الفقهاء، فهو إلزام الشخص نفسه شيئًا من المعروف مطلقًا، أو معلقًا على شيء، … وقد يطلق في العرف على ما هو أخص من ذلك: وهو التزام المعروف بلفظ الالتزام، وهو الغالب في عرف الناس اليوم" (^٤)، واشتراط تغريم المدين المماطل هنا إلزام من الدائن، وليس تبرعًا من المدين نفسه بالالتزام، فلا يصح تخريجه على التزام التبرع، ويدل لذلك: أن المدين لا يتولى صرفها بنفسه، بل يدفعها للدائن، والدائن يتولى صرفها للجهات الخيرية، فتبين كونها معاوضة عن المطل، وليست تبرعًا محضًا (^٥).
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب، إمام المالكية في عصره، أصله من المغرب، ولد بمكة سنة ٩٠٢ هـ، وله مصنفات عديدة، منها: مواهب الجليل، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام، توفي في طرابلس سنة ٩٥٤ هـ. انظر: شجرة النور الزكية، لابن مخلوف ص ٢٧٠، الأعلام، للزركلي ٧/ ٥٨.
(٢) هو الإمام عيسى بن دينار القرطبي، فقيه الأندلس ومفتيها، ارتحل ولزم ابن القاسم مدة، وكان صالحًا ورعًا، وكانت الفتيا تدور عليه بالأندلس، لا يتقدمه أحد، توفي سنة ٢١٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٠/ ٤٣٩، وفيات الأعيان، لابن خلكان ٥/ ١١٨، الأعلام، للزركلي ٥/ ١٠٢.
(٣) تحرير الكلام في مسائل الالتزام، للحطاب ص ١٧٦، وانظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص ٤٥ - ٤٦، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٩.
(٤) تحرير الكلام في مسائل الالتزام، للحطاب ص ٦٨.
(٥) انظر: المماطلة في الديون، للدخيل ص ٥١٤ - ٥١٥، الشروط التعويضية، لعياد العنزي ١/ ٢١٧.
[ ٨٩ ]
يُرد: بأنه إذا جاز إلزام المدين نفسه بذلك فإنه يجوز أن يكون مشروطًا في العقد، ولو كان هذا الالتزام يعد عندهم من الربا لما جاز للمدين أن يلزم نفسه بذلك؛ لأن أي زيادة مشروطة على الدين هي ربا سواء كانت برضا المدين أو بغير رضاه، وليس بالضرورة أن يستلمه منه الدائن بل يسلَّمه المدين للجهات الخيرية ويأخذ منهم كتابًا بأنه أدى ما التزم به.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: قول رسول الله ﷺ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (^١).
وجه الدلالة من الحديث: أن العقوبة في الحديث مطلقة، فيعاقب المدين المماطل بما يردعه عن مطله، إذا لم يكن هناك محذور شرعي من هذه العقوبة، ومعاقبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية تدفع للجهات الخيرية، ليس فيها محذور شرعي بل فيها إحسان للفقراء والمساكين.
الدليل الثاني: أن الأصل في الشروط والعقود الإباحة إلا ما دل الدليل على منعه، واشتراط تغريم المماطل للجهات الخيرية، شرط صحيح يجب على المدين الوفاء به؛ لأن تلك الزيادة لا يأخذها الدائن، وتحفز المدين على الوفاء في الوقت المحدد، وتكون سببًا لاطمئنان الدائن على حقه، وفيها نفع للفقراء (^٢).
نوقش الدليلان: بعدم التسليم بأن الشرط بأخذ غرامة مالية من المدين المماطل للجهات الخيرية ليس فيه محذور شرعي، وأنه لا دليل على منعه، بل إن هذه الزيادة ربا؛ لإن الدائن يأخذ زيادة على رأس ماله، وأخذ الزيادة على
_________________
(١) سبق تخريجه
(٢) انظر: بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، لمحمد الأشقر وآخرين ٢/ ٨٧٩.
[ ٩٠ ]
رأس المال حرام، وظلم سواء أخذها الدائن لنفسه أو صرفها للجهات الخيرية (^١).
يجاب: بأن هذه المال الذي يدفعه المماطل ليس زيادة للدائن على رأس ماله، ولا يستلمها الدائن منه، بل هي للجهات الخيرية وهي التي تستلمها منه، ولا ظلم فيه على المماطل بل هو الذي ظلم نفسه وغيره بالتأخر في الوفاء، ولا دليل يمنع من جواز هذا الشرط خصوصًا أن المماطل رضي بذلك، وهو قادر على ألا يدفع هذا المال متى ما التزم بالوفاء في الوقت المحدد.
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الثاني، القائل بجواز عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية بشرط أن المدين هو الذي يتولى تسليم هذه الغرامة للجهة الخيرية ولا يكون التسليم من طريق الدائن؛ وذلك لأن الأصل في الشروط الصحة إلا ما دل الدليل على منعه، ولا دليل يدل على منع هذا الشرط، ولأن المدين رضي بهذا الشرط وهو قادر على أن يحفظ ماله بأن يوفي الدائن حقه في وقته.
_________________
(١) انظر: بحث في أن مطل الغني ظلم، للمنيع، ص ٢٤٤، المماطلة في الديون، للدخيل ص ٥١١.
[ ٩١ ]