حكم زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في بيع الأقساط.
اتفق الفقهاء من الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦)، ونُقل الإجماع (^٧) على جواز زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في بيع الأقساط، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
_________________
(١) مراتب الإجماع، لابن حزم ص ٨٥.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٠/ ٣٢.
(٣) انظر: المبسوط، للسرخسي ١٣/ ٨، المحيط البرهاني، لابن مازه ٧/ ٤٥، بدائع الصنائع، للكاساني ٥/ ٢٢٤
(٤) انظر: حاشية الدسوقي ٣/ ٥٨، التاج والإكليل، للمواق ٦/ ٢٢٨، البيان والتحصيل، لابن رشد ٨/ ١٧٤
(٥) انظر: تكملة المجموع، للمطيعي ١٢/ ٦٥، مغني المحتاج، للشربيني ٢/ ٤٧٩، حاشية البجيرمي ٣/ ١٨٢
(٦) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٢٠٢، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١١٠، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٣٣٨، مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٤٩٩
(٧) انظر: معالم السنن، للخطابي ٣/ ١٠٦، مجموع الفتاوى ٢٩/ ٤٩٩. وقد نسب الشوكاني ﵀ القول بتحريم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء إلى زين العابدين بن علي بن الحسين، والناصر، والمنصور بالله، والهادوية، والإمام يحيى، وقال به من المعاصرين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، والشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق. انظر: نيل الأوطار، للشوكاني/ ٤٥، سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني ٥/ ٤٢٦، والقول الفصل في بيع الأجل، لعبد الرحمن بن عبد الخالق ص ٤٣. ولشذوذ هذا القول من الناحية العلمية والعملية لم أقم بعرضه ومناقشته.
[ ١٦٥ ]
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (^١)
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على جواز جميع أنواع البيوع، إلا ما قام الدليل على تحريمه، وبيع السلعة إلى أجل بثمن أكثر من ثمنها الحال نوع من أنواع البيوع، ولا يوجد أي دليل يحرمه (^٢).
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣)
وجه الدلالة من الآية: أن بيع السلعة إلى أجل بثمن أكثر من ثمنها الحال من التجارة التي حصلت عن تراضي بين الطرفين، ولا يوجد دليل يحرمها (^٤).
الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَيْشًا عَلَى إِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، حَتَّى نَفِدَتْ، وَبَقِيَ نَاسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اشْتَرِ لَنَا إِبِلًا بقَلَائِصَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ إِذَا جَاءَتْ، حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِمْ»، فَاشْتَرَيْتُ الْبَعِيرَ بِالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثِ قَلَائِصَ، حَتَّى فَرَغْتُ، فَأَدَّى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ" (^٥)
_________________
(١) سورة البقرة، آية ٢٧٥
(٢) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٤٩٩، تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص ١١٧، أحكام من القرآن الكريم، للعثيمين، ص ٣٤٣، فتاوى ابن باز ١٩/ ١٠٥
(٣) سورة النساء، جزء من الآية ٢٩.
(٤) انظر: الإمام زيد، لمحمد أبو زهرة، ص ٢٩٤، حكم بيع التقسيط، لمحمد عقلة الإيراهيم، بحث منشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت، العدد السابع، شعبان ١٤٠٧ هـ ص ١٧٦.
(٥) رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب في الرخصة في الحيوان بالحيوان نسيئة، برقم ٣٣٥٩، وأحمد، مسند الإمام أحمد ١١/ ١٦٤، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، برقم ٦٥٩٣، واللفظ له، والدارقطني، كتاب البيوع، برقم ٢٦٢، والحاكم، المستدرك على الصحيحين ٢/ ٥٧، كتاب البيوع، برقم ٢٣٤٠. والحديث ضعيف؛ فقد جاء من طريقين: الطريق لأول: عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمر بن حريش عن عمرو بن العاص؛ وعمرو بن حريش وأبو سفيان ومسلم بن جبير مجهولون، وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن وفيه خلاف والراجح أنه ضعيف موصوف بالتدليس. الطريق الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد سبق الكلام عن هذه السلسلة وبيان ضعفها. انظر: تهذيب الكمال، للمزي ٢٤/ ٤٢٣، ميزان الاعتدال، للذهبي ٣/ ٢٥٢، ٤/ ١٠٢، تقريب التهذيب، لابن حجر ص ٧٣٣، ٩٣٧.
[ ١٦٦ ]
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على جواز أن يكون الثمن المؤجل في بيع الأقساط أكثر من الثمن الحال من وجهين:
الوجه الأول: أن ثمن البعير بعير مثله، فلما أجل صار البعير بالبعيرين والثلاثة، وذلك من أجل التأجيل، فدل على جواز الزيادة في الثمن من أجل التأجيل (^١).
الوجه الثاني: أنه إذا جاز بيع غير الربوي بجنسه إلى أجل بزيادة، كما في بيع البعير إلى أجل بالبعيرين والثلاثة، فمن باب أولى أن يجوز إذا كان بغير جنسه كما هو الغالب في بيع التقسيط (^٢).
الدليل الرابع: أن البيع إلى أجل بزيادة الثمن من جنس بيع السلم، فالبائع يبيع بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به في وقت السلم فيكون المسلم فيه مؤجلًا والثمن معجلًا، عكس مسألة البيع إلى أجل بزيادة الثمن، والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل، فسببها في السلم تأخير تسليم المبيع، وفي البيع إلى أجل تأخير تسليم الثمن (^٣).
الدليل الخامس: أن حاجة الناس داعية إلى هذا النوع من البيوع، كحاجتهم للسلم أو أشد، فإنه ليس كل من احتاج إلى شراء سلعة ملك ثمنها حالًا، فيحتاج إلى من يبيعه إلى أجل، والبائع لا يرضى أن يبيع إلى أجل بمثل الثمن
_________________
(١) انظر: بيع التقسيط، للإبراهيم ص ١٧٦، بيع التقسيط وأحكامه، للتركي ص ٢١٥.
(٢) انظر: بيع التقسيط وأحكامه، للتركي ص ٢١٥.
(٣) انظر: بيع التقسيط، للإبراهيم ص ١٧٨.
[ ١٦٧ ]
الحال، وفي القول بجواز زيادة الثمن المؤجل تتحقق مصلحة البائع والمشتري، فالمشتري تسد حاجته، والبائع يندفع عنه الضرر (^١).
الدليل السادس: أن في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، يشترط التماثل والتقابض (^٢)، ويحرم ربا الفضل والنساء، أما في بيع الذهب بالفضة، فيشترط التقابض فقط ويجوز التفاضل، وأما في بيع الذهب بالبر، أو الفضة بالملح، فلا يشترط تماثل ولا تقابض، فيجوز الفضل لاختلاف الصنفين، والفضل لاختلاف الزمنين، أي لأجل النساء، ولو لم يجز الفضل للنساء لحرم النساء (^٣).
الدليل السابع: أن العلماء أجمعوا على جواز زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في البيع، قال الخطابي (^٤) بعد أن ذكر من قال أنه لا بأس أن يقول الرجل: هذا الثوب نقدا بعشرة، وإلى شهر بخمسة عشر، فيأخذ بأحدهما قبل المفارقة،: "إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه، وذكر ما سواه لغو لا اعتبار به" (^٥)، وسئل ابن تيمية ﵀ عن رجل محتاج،
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم ٥/ ٨١٣، فتاوى ابن باز ١٩/ ١٠٤، مجلة البحوث الإسلامية ٧/ ٥٢، بيع التقسيط، للتركي ص ٢٢٢.
(٢) كما جاء في حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا، برقم ١٥٨٧.
(٣) انظر: بيع التقسيط، لرفيق المصري ص ٤٩
(٤) هو حمد بن محمد بن إبراهيم البستي، أبو سليمان الخطابي، ولد سنة ٣١٩ هـ، فقيه محدث، إمام من أئمة المسلمين، من أشهر تآليفه: "معالم السنن" في شرح سنن أبي داود، توفي سنة ٣٨٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٧/ ٢٣، طبقات الشافعية، للسبكي ٣/ ٢٨٢.
(٥) معالم السنن، للخطابي ٣/ ١٠٦.
[ ١٦٨ ]
أتى إلى تاجر عنده قماش، فقال: أعطني هذه القطعة، فقال التاجر: مشتراها بثلاثين، وما أبيعها إلا بخمسين إلى أجل، فهل يجوز ذلك، أم لا؟ فأجاب: المشتري على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون مقصوده السلعة ينتفع بها للأكل، والشرب، واللبس، والركوب، وغير ذلك، والثاني: أن يكون مقصوده التجارة فيها، فهذان نوعان جائزان بالكتاب، والسنة، والإجماع" (^١).
وقد صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة، رقم (٥٣/ ٢/ ٦)، حيث جاء فيه:
"تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقدًا، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد، أو التأجيل" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٤٩٩
(٢) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السادس، شعبان ١٤١٠ هـ ١/ ٤٤٧.
[ ١٦٩ ]