اختلف الفقهاء في حكم إلزام المدين المماطل بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل على قولين:
القول الأول: أن المدين المماطل يُلزم بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل.
وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤) والحنابلة (^٥).
_________________
(١) صورة المسألة: أن يماطل المدين، ويغرم الدائن لاستخلاص حقه نفقات ومصروفات من أجرة تنقل، أو محامي، أو محضر، ونحو ذلك، فيلزم المدين المماطل بدفع هذه النفقات.
(٢) انظر: الجوهرة النيرة ١/ ٢٦١. وكلامهم عن أجرة العون -وهو رسول القاضي إلى الخصم-، وهي من تكاليف الشكاية، وفي المذهب الحنفي قولان؛ قول أنها على بيت المال، وقول أنها على الذي عليه الحق. جاء في الجواهر النيرة ١/ ٢٦١: "اختلف المشايخ في أجرة العون الذي يبعثه القاضي مع المدعي إلى خصمه قال بعضهم يجب في بيت المال وقال بعضهم على المتمرد وكذا السارق إذا قطعت يده فأجرة القاطع وثمن الدهن الذي يحسم به العروق على السارق؛ لأنه تقدم منه سبب وجوبها وهو السرقة. " فهم لا يكلفون الطالب أجرة العون فإما أن تكون من بيت المال أو على المتمرد الذي عليه الحق، ويجعلون أجرة القاطع على السارق؛ لأنه المتسبب، والمماطل هو المتمرد والمتسبب بالتكاليف التي لحقت الدائن في شكايته.
(٣) انظر: مواهب الجليل، للحطاب ٦/ ١١٣، شرح مختصر خليل، للخرشي ٥/ ٢٧٧، منح الجليل، لعليش ٦/ ٥١. قال ابن فرحون: "وإذا تبين أن المطلوب ألد بالمدعي، ودعاه الطالب إلى الارتفاع إلى القاضي فأبى، فيكون على المطلوب أجرة الرسول إليه، ولا يكون على الطالب من ذلك شيء" تبصرة الحكام ١/ ٣٧١.
(٤) انظر: أسنى المطالب، للأنصاري ٤/ ٣٢٦، تحفة المحتاج، للهيتمي ١٠/ ١٨٩ - ١٩٠، نهاية المحتاج، للرملي ٨/ ٢٨١، مغني المحتاج ٦/ ٢٨٤. وكلامهم كان عن أجرة العون والملازمة إن لم يكن لهم رزق من بيت المال، وهي تكاليف شكاية، وعندهم إذا طلبه القاضي ولم يأت دون عذر فإنهم يجعلونها على المدين لتعديه، والمماطل مثله فهو متعد بتأخره في الوفاء. وجاء في تحفة المحتاج ١٠/ ١٩٠: "فجعل أجرة الملازم بإذن الحاكم على المدين قال: لتقصيره بتأخير الوفاء مع القدرة، ولا يلزم الدائن ملازمته بنفسه". وأما قبل ثبوت الحق فإن الشافعية يجعلون أجرة العون والملازمة على الطالب إن لم يمتنع المطلوب من الحضور، وهذه لا تعكر على مسألتنا؛ لأن الحق فيها لم يتبين لمن؟ وكلامنا فيما إذا تبين أنه مماطل فإنه معتد فعليه التكاليف التي يغرمها الدائن لتحصيل حقه، وأيضًا عليه أجرة السجن والسجان إن لم يكن لهم رزق من بيت المال؛ لتعديه كما جاء في مغني المحتاج ٦/ ٢٨٤: "لو امتنع مديون من أداء ما عليه تخير القاضي بين بيع ماله بغير إذنه وبين سجنه … ونفقة المسجون في ماله، وكذا أجرة السجن والسجان".
(٥) انظر: الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي ٢/ ١٥٧، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٤١٩. قال ابن تيمية: "وإذا كان الذي عليه الحق قادرًا على الوفاء ومطَلَ صاحب الحق حقه حتى أحوجه إلى الشكاية، فما غرمه بسبب ذلك، فهو على الظالم المبطل، إذا كان غرمه على الوجه المعتاد" مجموع الفتاوى ٣٠/ ٢٤ - ٢٥. وقدصدر ما يوافق هذا القول في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية، ونصه: "يتحمل المدين المماطل مصروفات الدعوى وغيرها من المصروفات التي غرمها الدائن من أجل تحصيل أصل دينه" المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص ٣٤.
[ ٩٢ ]
القول الثاني: أن المدين المماطل لا يلزم بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل.
وهو قول لبعض المالكية (^١) وبعض الشافعية (^٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (^٣).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث نصًا على أن مطل الغني ظلم، فإذا ترتب على رفع هذا الظلم بذل مال من صاحب الحق، فهو على المماطل الظالم؛ لأنه المتسبب في ذلك (^٤).
الدليل الثاني: أن هذ الحكم يحمل المماطل على المبادرة بالسداد؛ لأن كثيرًا من المماطلين أو وكلائهم يقصدون التأخر والتطويل بقدر الإمكان،
_________________
(١) انظر: تبصرة الحكام، لابن فرحون ١/ ٣٧١، التاج والإكليل، للمواق ٨/ ١٥٣، مواهب الجليل، للحطاب ٦/ ١١٣.
(٢) انظر: تحفة المحتاج، للهيتمي ١٠/ ١٨٩ - ١٩٠، نهاية المحتاج، للرملي ٨/ ٢٨١.
(٣) سبق تخريجه
(٤) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٠، ٢٤ - ٢٥، الإتقان والإحكام، لمياره ١/ ٢٦، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ٤١٩، مطالب أولي النهى، للرحيباني ٣/ ٣٦٩.
[ ٩٣ ]
لتيئيس صاحب الحق من حقه، وتزهيده فيه، أو المضارة له، لما يتكبد من المتاعب والمشاق، وبذل الأموال؛ لأجل الوصول إلى حقه، من المرافعات والمطالبات، والأجور والنفقات، فيحجم عن المطالبة، ويدع الحق بيد المماطل، ومن ثم كان من الواجب معاملة هذا الظالم المماطل بنقيض قصده، فيلزم بإيفاء ما عليه من حق، وما أنفق صاحب الحق من مال لأجل مطالبته (^١).
الدليل الثالث: أن دفع الدائن المال لأجل تحصيل حقه ظلم وضرر تجب إزالته، ولا يمكن إزالة هذا الضرر إلا بتغريم المدين المماطل ما خسره الدائن من نفقات لاستخلاص حقه منه (^٢).
الدليل الرابع: أن نفقات الشكاية تكلف صاحب الحق أكثر من ماله الذي يطالب به، وعدم إلزام المدين المماطل بدفع التكاليف قد يسبب ترك المطالبة بالحق؛ لكثرة التكاليف، وفي ذلك تضييع للحقوق (^٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الأصل أنه يجب على الدائن أن يخلص حقه ويتوصل له وعليه التكاليف التي يدفعها للوصول لحقه (^٤).
يناقش: بأنه في جعل تكاليف الشكاية ونفقات التحصيل على الدائن سبب في تركه هذا الواجب، وأن الذي يُطالب بحقه يجب أن يعان وأن تُيسر له السبل للوصول لحقه، وفي جعل تكاليف الشكاية عليه سبب في تعسير
_________________
(١) انظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ ١٣/ ٥٤ - ٥٥.
(٢) انظر: التعويض عن أضرار التقاضي، لعبد الكريم اللاحم ص ٣٣.
(٣) المرجع السابق ص ٣٤.
(٤) انظر: فتوى مصاريف المحاكمة وتكلفة المحاماة من يتحملها، بموقع إسلام ويب، مركز الفتوى، برقم ٧٤٣٤٠.
[ ٩٤ ]
الوصول للحق وتطويل إجراءاته؛ لأن الذي ارتكب جرم المطل لن يتورع عن تأخير الوفاء عندما يعلم أنه لن يغرم غير الدين الذي عليه، وقد يزيد في المماطلة لتزيد التكاليف على الدائن.
الدليل الثاني: أن الأصل حرمة مال المسلم، والمطل ذنب لا يبيح ماله، فالتكاليف على طالب الحق ولا يحق له أن يأخذ شيئًا من المدين غير ماله (^١).
نوقش: بأن هذا ليس من باب استباحة المال، بل المماطل معتد وهو الذي تسبب في إدخال غريمه في غرم، وعرض بإتلاف ماله بعدم انقياده إلى الحكم فتوجه عليه غرم ذلك (^٢).
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن الراجح هو القول الأول، القائل بجواز إلزام المدين المماطل بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولضعف أدلة القول الثاني بما ورد عليه من مناقشة، وأن هذا القول مقتضى العدل؛ لأن المماطل هو الذي تسبب بتغريم الدائن هذه النفقات، ويشترط لهذا القول ألا يغرم المدين المماطل إلا ما يغرمه صاحب الدعوى من نفقات الشكاية على الوجه المعتاد والمعروف (^٣)، ويكون الحكم فيها للقاضي؛ سدًا للتحايل على الربا.
_________________
(١) انظر: تبصرة الحكام، لابن فرحون ١/ ٣٧١
(٢) المرجع السابق
(٣) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٠/ ٢٤ - ٢٥
[ ٩٥ ]