حقيقة الجهاد انطلاقًا من هذا الإيضاح لمفهوم النِّحلة والأمة. يتبين أن الإسلام ليس بتلك النِّحلة الضيقة
[ ١٠٦ ]
وأهلَ الإسلام ليسوا بتلك الأمة المنحصرة في نفسها وبناء عليه فإن الجهاد مشروع لنشر الحق وليدخل الناس في الإسلام كافة.
وفي هذا الصدد يحسن التنبيه إلى أن المصطلح الإسلامي هو " الجهاد " وليس الحرب أو القتال.
فلفظ الحرب غالبًا ما يراد بها القتال الذي يشب لهيبه وتستعر ناره بين الرجال والأحزاب والشعوب لمآرب شخصية وأغراض ذاتية وأهداف مادية والقتال المشروع في الإسلام ليس من هذا القبيل وليس لهذه الأغراض ولا لتلك الأهداف.
الإسلام لا ينظر إلى مصلحة أمة دون أمة ولا يقصد إلى النهوض بشعب دون شعب ولا يهمه في قليل ولا كثير أن تملك أرض ويستولي عليها هذا القائد أو ذاك ولكن المقصود هو سعادة البشر
[ ١٠٧ ]
وفلاحهم فكل توجه غير هذا وكل أهداف سوى هذا فلا اعتبار لها في الإسلام بل لا بد من مقاومتها حتى يكون الدين كله لله والأرض كلها لله ويرثها الصالحون من عباد الله والجهاد الإسلامي يتوجه من أجل ذلك كله لا لتستبد أمة بالخيرات أو ينفرد شعب بالثروات بل لينتفع الجنس البشري كله بأجمعه بالسعادة البشرية تحت راية الإسلام.
ومن هنا فتستخدم القوى والوسائل لتحقيق ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ثم الجهاد بمعناه العميق.
بعد هذا الإيضاح لمعنى الجهاد وسر اختيار هذه الكلمة على غيرها من مرادفاتها والتي تعني بذل الجهد والطاقة لا بد من التنبيه إلى كلمة لصيقة بها في المصطلح الإسلامي ألا وهي عبارة " في سبيل الله ".
[ ١٠٨ ]
إنها تحدد بجلاء المقصود من هذه القوة الإسلامية، إنه شرط لا ينفك عنه أبدًا بل لو انفك عنه لبطل المصطلح ولفسد الأمر واضمحل الهدف.
إن معنى " في سبيل الله " أن كل عمل يقوم به المسلم يقصد به وجه الله ثم المصالح العامة وسعادة الأمة فهو في سبيل الله، فإنفاق المال في وجوه الخير والبر إذا قصد به المنفق منافع دنيوية أو ثناء الناس فهو ليس في سبيل الله حتى ولو دفعه إلى مسكين أو معوز.
" في سبيل الله " مصطلح يطلق على الأعمال التي تؤدى خالصة لوجه الله من غير أن يشوبها شيء من شوائب الأهواء والشهوات، والجهاد ما قُيِّد بهذا القيد إلا للدلالة على هذا المعنى. فالجهاد الإسلامي الحق لا بد أن يكون مجردًا من كل غرض
[ ١٠٩ ]
مبرءًا من كل هوى أو نزعات شخصية، لا يقصد إلا تأسيس نظام عادل يقوم عليه الناس بالقسط ينشر الحق وينصر العدل.
وفي النص القرآني: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦] النساء٧٦.
وفي النص النبوي: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. . .» البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد.
والقرآن والسنة مملوءان ببيان هذا المعنى وتأكيده وضرورة التزامه.