وخلاصة المسألة في المسح على الجوربين بعد الرجوع إلى مَظانِّها في بطون أمهات الكتب الفقهية في المذاهب الأربعة:
* أنه يجوز المسح على الجوربين باتفاق المذاهب الأربعة إذا كان الجوربان مُجلَّدين أو مُنعَّلين (^١) ولا يَشِفُّ الجلد من تحتهما.
* أما إذا لم يكن الجوربان كذلك ففي المسألة خلاف:
١ - فعند المالكية -وأحد قولَي أبي حنيفة- لا يصح المسح عليهما.
٢ - وعند الحنابلة والصاحبين من الحنفية، وهو المفتى به في المذهب الحنفي يجوز المسح بشرطين:
أحدهما: أن يكون الجورب صفيقًا لا يَشفّ الجلد من تحته.
والثاني: أن يمكن متابعة المشي عليه عرفًا.
_________________
(١) وقد سَبقَ أنَّ الفرقَ بين المنعل والمجلد، أن المنعل ما جعل في أسفله جلدة، والمجلد ما جعل على أعلاه وفي أسفله.
[ ٢٦ ]
٣ - أما الشافعية فهم أيضًا اشترطوا لجواز ذلك شرطين، لكن أحدهما متفق عليه بينهم، وهو: أن يكون الجورب صفيقًا، والثاني محل خلاف، فمنهم من يشترط أن يكون منعلًا، ومنهم من جوزه مطلقًا مادام يمكن تتابع المشي عليه وإن لم يكن منعلًا كما حقق النووي ﵀.
ومن هنا نعلم -وأؤكد مرة ثانية وثالثة-أنَّ الجورب الذي نَلبَسُهُ اليوم لا يصح المسح عليه على أي قول من أقوال المذاهب الأربعة، حتى عند القائلين بجواز المسح على الجوربين (^١)؛ لأن المجيزين اشترطوا في الجورب شروطًا وأوصافًا تختلف تمامًا عن الجوارب التي نَلْبَسُها اليوم، فهم يشترطون أن يكون الجورب سميكًا يمكن المشي عليه عادة بدون نعل أو حذاء، وهذا ما لا يتأتى في جوارب اليوم.
فأخبروني بربكم بعد أن قرأنا هذه الشروط، والشرط المتفق عليه عند الأئمة الأربعة "مِنْ كَوْن الجورب مِمَّا يُمكِنُ مُتابعةُ المشيِ المعتَاد فِيه"، إن لم نقل كما قال الشافعية: -بقدر ما
_________________
(١) وهو ما ينسج من الصوف الغليظ، وقد يكون من القماش أو غيره.
[ ٢٧ ]
يحتاج إليه المسافر في حوائجه عند الحط والترحال- كيف نُرخص لأنفسنا المسح على جواربنا اليوم التي في الحقيقة لا تصلح أن يسير بها الإنسان خطوات خارج البيت لِرقّتها وضعفها؟!.
وبذلك يتبيَّنُ لنا على وجه اليقين أنَّ جوارب عصرنا لا تشبه جوارب عصر السّلف الأول إلَّا بالاسم.
وإنني لأعلم أن بعض المعاصرين يفتي بجواز المسح على الجوربين الرقيقين؛ لكنه للأمانة العلميَّة قول شاذٌ لا اعتبار له، ولا صحة في عزو ذلك لمذهب الإمام أحمد (^١).
* ثم عندي سؤال لكل من يمسح على الجوارب المعاصرة:
كيف يرتاح قلبك لفتوى خالفت قول جمهور السلف الذين قاربوا عصر النبوة؟! ثم كيف تُعرِّضُ صحةَ وضوئِك ثم صحة صلاتك لخطر الفتوى؟!
كيفَ يطمئن قلبك وأنت تعلم أن وضوئك غير صحيح
_________________
(١) انظر تحرير مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة في كتاب "الحق الحقيق في حكم المسح على الجورب الرقيق" للشيخ نضال آله رشي ص: ١٦ إلى ٢٠.
[ ٢٨ ]
عند الجمهور من الفقهاء؛ صحيح عند بعض المعاصرين؟!!.
ألم يقل النبي ﷺ: ﴿دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ﴾ [رواه الترمذي والنسائي]، فالرُّخَصُ لا تُناط بالشكّ، ولا عِبرَةَ بالظَّنِّ البَيِّنِ خَطَؤُهُ، كما هي القاعدة الفقهية الأصولية، والأحكام لا تثبت بالاحتمالات، والأصل كما هو معلوم غسل القدمين، كما هو ظاهر القرآن، والعدول عنه لا يجوز إلا بأحاديث صحيحة اتفق على صحتها أئمة الحديث كأحاديث المسح على الخُفين، فالاحتياط للعبادة أن نقصر المسح على الخُفِّ أو على جوارب مجلدة أو منعلة أو ما كان في حكمهما، ولأن المسح على الخُفَّين رخصةٌ جاءت على صفة مخصوصة فيقتصر الحكم على الوارد، والقياس في مثل هذا ضيق جدًا ..، والخروج من اختلاف العلماء أفضل لأنه أبعد عن الشبهة.
وقد كان أبو عبد الرّحمن العمريّ الزّاهد يقول: "إِذَا كَانَ الْعَبْدُ وَرِعًا تَرَكَ مَا يُرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يُرِيبهُ".
[الورع لابن أبي الدنيا ص: ٥٤]
[ ٢٩ ]
وقال ﷺ: ﴿وخَيْرُ دِينِكُمْ الوَرَعُ﴾
[الحاكم في المستدرك ١/ ١٧٠ قال الذهبي: على شرطهما]
وفي هذا القدر كفاية لأهل الدّراية، ولذوي العناية، ولمن أشرقت روحه بأنوار الهداية، والله الهادي إلى سواء السبيل.
نسأل الله السَّداد في الأقوال والأفعال والأحوال، وآخر دعوانا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وكتبه:
محمد مهدي قشلان
رجاء دعوة صالحة ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢٢ م
[ ٣٠ ]