قال ابن قدامة ٦٢٠ هـ -﵀في المغني: "إنَّما يجوز المسح على الجورب بالشَّرطَينِ اللَّذَين ذُكرا في الخُفِّ،
أحَدُهُمَا: أنْ يكون صَفيقًا، لا يَبدو منه شيءٌ مِنَ القَدَم.
الثّاني: أنْ يُمكن متابعة المشي فيه ..، وعَلَّلَ الإمامُ أحمد بقوله: إنّما مسح القوم على الجوربين لأنَّه كان عندهم بمنزلة الخفِّ، يقوم مقام الخُفِّ في رِجْل الرَّجُلِ، يَذهبُ فيه الرَّجُل ويَجيء".
ا. هـ (المغني لابن قدامة ١/ ٢١٥ - ٢١٦).
* ويُلاحَظُ في كلام الإمام أحمد أنَّ شرط المسح على الجوربين أن يذهب فيه الرجل ويجيء كالخُفِّ إن أراد ذلك.
والواضح أن الذهاب والمجيء بالجوربين ليس في البيت على السُّجاد أو الرخام، وإنما خارج المنزل في طريقه إلى المسجد الذي يصلي به عادة، أو في طريقه إلى العمل، أو في طريقه إلى الأسواق أو في طريقه إلى الأسفار.
[ ٢٠ ]
جاء في حاشية الروض:
"لأن ما لا يمكن متابعة المشي عليه لا تدعو الحاجة إليه فلم تتعلق به الرخصة". ا. هـ. … (حاشية الروض المربع لابن قاسم ١/ ٢١٩)
* وقال ابن تيميَّة ٧٢٨ هـ﵀-: "ما لا يُمكن مُتابعةُ المشي فيه إمَّا لضيقه أو ثِقَلِه أو تَكَسُّرِه بالمشي أو تعذُّرِه كرقيق الخِرَق أو اللُّبود، لم يجُز مسحُه؛ لأنّه ليس بمنصوصٍ ولا في معنى المنصوص".
(شرح العمدة ١/ ٢٤٢).
*وجاء في شرح "زاد المستقنع في اختصار المقنع" لمحمد بن محمد المختار الشنقيطي -معاصر-:
"فإن الجورب الذي يجوز المسح عليه يشترط فيه أن يكون صفيقًا، وعلى ذلك كلمة أكثر مَنْ يَرى المسح على الجوربين، أنه لا بد أن يكون صفيقًا، وهي عبارات العلماء، لأن الجوارب الخفيفة الشّفافة هذه لم تكن موجودة على عهد النبي -ﷺ-؛ إنما كانوا يلبسون الجوارب الثخينة، وكانوا
[ ٢١ ]
يمشون بها، ولذلك كانوا يلفون الخرق على أقدامهم، وهو المُعبَّرُ عنه بالتساخين في بعض الروايات، وهذا يدل على ما اعتبره العلماء من اشتراط الصَّفاقَةِ أي: كونه صفيقًا، وأيضًا النظر يقتضيه، فإن الجورب مُنزَّلٌ منزلة الخُفِّ، والخفُّ أصله من الجلد، ولا يمكن للجورب أن يُنزَّلَ منزلَته إلا بالثّخانة، والصّفاقة، وعلى هذا فإنه يصح المسح عليه إذا كان صفيقًا ثخينًا فالذي يشف البشرة، أو يكون غير ثخين فإنه لا يمُسح عليه؛ لأنه غير معروف على عهد النبي -ﷺ-، ومَن قال بجوازه يقوله بالقياس فيقول: أقيس هذا الشَّفاف على الجورب الموجود على عهد النبي -ﷺ- ..
ويجاب عنه: بأنه قياس مع الفارق، والفارق هنا مؤثر، ومن شرط صحة القياس واعتباره أن لا يكون قياسًا مع الفارق ثم إن المسح على الخُفَّينِ رخصةٌ جاءت على صفة مخصوصة فيقتصر الحكم على الوارد، والقياس في مثل هذا ضيق.
وعليه فإنه لا يصح المسح على الجوربين إلا إذا كانا
[ ٢٢ ]
صفيقين، كما نبَّه عليه الأئمة، ومنهم الإمام ابن قدامة -رحمة الله عليه-في المغني، وغيره من أصحاب المتون المشهورة في المذهب الحنبلي - الذين يقولون بجواز المسح على الجوربين -كالإمام الحَجَّاوي في الإقناع، وابن النَّجَّار في المُنتهى، وغيرهم ﵏، كلُّهم نصُّوا على كونه صفيقًا؛ إخراجًا للخفيف الذي يصف البشرة، أو يكون غير ثخين. ا. هـ
(شرح زاد المستقنع للشنقيطي ص: ٢١٥)
[ ٢٣ ]