بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمد لله ربِّ العالَمين، والصَّلاة والسَّلام على سيَّد المرسلين سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ: فإنَّ العلماءَ هُمْ ورَثَةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا دِرهمًا ولا دينارًا، وإنَّما ورَّثوا العِلمَ النَّافعَ، فمَن طَلبَ العِلْمَ فقد أخذَ بالحظِّ الوافِرِ، ولا شَكَّ أنَّ من أشرف العلوم التَّفقُّهُ في الدِّين، فهو من أعظمِ المِنن، وأجلِّ المِنَح، وأعلى الفضائل، وأسمى المنازل، وهو المفتاح الدقيق المُوصِلُ لفهم سُنَّة الحبيب ﷺ؛ ذلك أن الفقهَ في الدِّين يُرشدُنا إلى معاني التنزيل ودفائنِه، ونُكَتِه ولطائفِه، ويُرشدُنا إلى عمل الطاعة وتجنُّب المعصية، ويتحصَّل منه الفضلُ العظيم في الكتاب، والثوابُ الكبير يوم الحساب.
[ ٩ ]
قال أبو هريرة ﵁: "لَأنْ أتفقَّه ساعةً، أحبُّ إليَّ من أن أُحْيِيَ ليلةً أصلِّيها حتى أصبح، ولَفقيهٌ واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عابدٍ، ولكل شيء دِعامة، ودِعامة الدِّين الفقهُ". [حلية الأولياء ٢/ ١٩٢].
وكان عبدُ الله بن مسعود ﵁ يقول: "لَأنْ أجلسَ في مجلسِ فقهٍ ساعةً، أحبُّ إليَّ من صيام يوم وقيام ليلة". [البيهقي في المدخل إلى علم السنن ٢/ ٧٢٢].
وقال أبو الدرداء ﵁: "لَأنْ أَذكُرَ الفقهَ ساعةً، أحبُّ إليَّ من قيام ليلة". [الفقيه والمتفقه ١/ ١٠٢]
ومما اشتهر قول محمد بن شهاب الزُّهريِّ ﵀: "ما عُبِدَ اللهُ بمثلِ الفقه". [جامع بيان العلم وفضله ١/ ١١٩]
وقد حصل بالتتبع والاستقراء اتِّفاقُ كلمة العلماء على أنَّ مِنْ أشرفِ العلوم جمعًا، وأعظمِها خيرًا ونَفعًا عِلْمَ أحكامِ أفعالِ العباد، المشتهر بعدُ باسم "الفقه الإسلامي"، المشمول في عموم قول النَّبِيُّ ﵌: ﴿مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خيرًا يُفَقِّهه في الدِّين﴾. [متفق عليه].
[ ١٠ ]
وهذا العلم يختص الله به من يشاء من عباده، وهو يحتاج إلى فطنة، وطول صحبة، ودأبٍ على القراءة والمطالعة، من غير كللٍ ولا مَلَل.
وللهِ دَرُّ الشَّافعيِّ ﵀ حَيثُ قال:
أَخِي لَنْ تَنالَ العِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ … سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفصِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَةٌ … وَصُحْبَةُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ
هذا وقد قرَأْتُ رسالة الشيخ الأستاذ محمد مهدي نذير قشلان: "تنبيه الحائر على عدم جواز المسح على الجورب المعاصر" فأَلفَيتُها رِسالةً جامعةً مانعةً في بابِها، حَيثُ جَمعَ أقوالَ العلماء من المذاهب الأربعة حول المسح على الجوربين، وحرص كل الحرص على ضبط الأقوال، وإسنادها إلى قائليها، وإرجاعها إلى مصادرها، وكان مُوفَّقًا في تحرير موضع النِّزاعِ في هذه المسألة التي كثر فيها الخائضون بغيرِ عِلْمٍ ولا تحرٍّ، وخَلُص إلى أنَّ جُلَّ الجوارب اليوم غير صالحة للمسح عليها بعدَ استقراءٍ طويلٍ لأقوال العلماء والفقهاء
[ ١١ ]
والمحققين.
أسألُ اللهَ تعالى أنْ يُجْزِلَ الثوابَ للمؤلِّفِ، وأنْ يجعلَ هذا العملَ المميَّزَ في صَحَائفِ أعمالِه ووالِدَيه، وأنْ يَنفعَ بهِ طلبةَ العلمِ، وأنْ يَكتُبَ اللهُ تعالى لهُم أجرَ الصدقةِ الجاريةِ، والعلمَ النافعَ الذي يَنفعُ النَّاس، إنهُ تعالى لا يُضيعُ أجرَ مَنْ أحسنَ عملًا.
تحريرًا في يوم الخميس: ٧/ شعبان/ ١٤٤٣ هـ، الموافق لـ: ١٠/ آذار/ ٢٠٢٢ م
كتبه
توفيق إبراهيم ضَمْرَة
مدرس القرآن الكريم في المسجد
الحسيني الكبير والمجاز بإقراء العشر الصغرى والكبرى
[ ١٢ ]
بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم