ثانيا: الاستحاضة ١ - أحكام الاستحاضة الاستحاضة: سيلان الدم في غير وقته على سبيل النزيف من عرق يسمى العاذل، والمستحاضة أمرها مشكل لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة.
فإذا كان الدم ينزل منها باستمرار أو غالب الوقت، فما الذي
[ ٢٨ ]
تعتبره منه حيضا وما الذي تعتبره استحاضة لا تترك من أجله الصوم والصلاة، فإن المستحاضة يعتبر لها أحكام الطاهرات.
وبناء على ذلك فإن المستحاضة لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون لها عادة معروفة لديها قبل إصابتها بالاستحاضة، بأن كانت قبل الاستحاضة تحيض خمسة أيام أو ثمانية أيام مثلا في أول الشهر أو وسطه، فتعرف عددها ووقتها، فهذه تجلس قدر عادتها، وتدع الصلاة والصيام، وتعتبر لها أحكام الحيض، فإذا انتهت عادتها اغتسلت وصلت واعتبرت الدم الباقي دم استحاضة؛ لقوله ﷺ لأم حبيبة: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي» (١) ولقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة» (٢) .
الحالة الثانية: إذا لم يكن لها عادة معروفة ولكن دمها متميز بعضه يحمل صفة الحيض بأن يكون أسود أو ثخينا أو له رائحة، وبقيته لا تحمل صفة الحيض بأن يكون أحمر ليس له رائحة ولا ثخينا ففي هذه الحالة تعتبر الدم الذي يحمل صفة الحيض
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) متفق عليه.
[ ٢٩ ]
حيضا، فتجلسه وتدع الصلاة والصيام، وتعتبر ما عداه استحاضة تغتسل عند نهاية الذي يحمل صفة الحيض، وتصلي وتصوم وتعتبر طاهرا؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان الحيض فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي» (١) ففيه أن المستحاضة تعتبر صفة الدم، فتميز بها بين الحيض وغيره.
الحالة الثالثة: إذا لم يكن لها عادة تعرفها ولا صفة تميز بها الحيض من غيره فإنها تجلس غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر؛ لأن هذه عادة غالب النساء؛ لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش: «إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنقأت فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء» (٢) .
والحاصل مما سبق أن المعتادة ترد إلى عادتها، والمميزة ترد إلى العمل بالتمييز، والفاقدة لهما تحيض ستا أو سبعا، وفي هذا جمع بين السنن الثلاثة الواردة عن النبي ﷺ في المستحاضة.
_________________
(١) رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم.
(٢) رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
[ ٣٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والعلامات التي قيل بها ست: إما العادة، فإن العادة أقوى العلامات؛ لأن الأصل مقام الحيض دون غيره، وإما التمييز؛ لأن الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضا من الأحمر، وإما اعتبار غالب عادة النساء؛ لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار، ثم ذكر بقية العلامات التي قيل بها، وقال في النهاية: وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة، وإلغاء ما سوى ذلك. . انتهى.