٤ - ومن أسباب حفظ الفروج منع الخلوة بين المرأة والرجل الذي ليس محرما لها: قال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان»، وعن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا محرم»، قال المجد في [المنتقى]: رواهما أحمد، وقد سبق معناه لابن عباس في حديث متفق عليه.
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٦ / ١٢٠): والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها، كما حكى ذلك الحافظ في [الفتح]، وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهما في المعصية، وأما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة؛ لامتناع وقوع المعصية مع حضوره. انتهى.
وقد يتساهل بعض النساء وأولياؤهن بأنواع من الخلوة وهي:
أ - خلوة المرأة مع قريب زوجها وكشف وجهها عنده، وهذه
[ ١١٠ ]
الخلوة أعظم خطرا من غيرها، قال النبي ﷺ: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو: الموت» (١) وقال: ومعنى الحمو: يقال: هو أخو الزوج، كأنه كره أن يخلو بها.
قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] (٩ / ٣٣١): قال النووي: اتفق أهل العلم باللغة على أن الأحماء: أقارب زوج المرأة؛ كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، وقال أيضا: المراد به في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، قال: وجرت العادة بالتساهل، فيخلو الأخ بامرأة أخيه، فشبهه بالموت، وهو أولى بالمنع. انتهى.
وقال الشوكاني في [نيل الأوطار] (٦ / ١٢٢): قوله: الحمو: الموت، أي: الخوف منه أكثر من غيره، كما أن الخوف من الموت أكثر من الخوف من غيره. انتهى.
فاتقي الله أيتها المسلمة، ولا تتساهلي في هذا الأمر، وإن تساهل به الناس؛ لأن العبرة بحكم الشرع لا بعادة الناس.
ب - تتساهل بعض النساء وأولياؤهن بركوب المرأة وحدها في
_________________
(١) رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه.
[ ١١١ ]
السيارة مع سائق غير محرم لها مع أن ذلك خلوة محرمة.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي البلاد السعودية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (١٠ / ٥٢): والآن لم يبق شك في أن ركوب المرأة الأجنبية مع صاحب السيارة منفردة بدون محرم يرافقها منكر ظاهر، وفيه عدة مفاسد لا يستهان بها سواء كانت المرأة خفرة (١) أو برزة (٢) والرجل الذي يرضى بهذا لمحارمه ضعيف الدين، ناقص الرجولة، قليل الغيرة على محارمه؛ وقد قال ﷺ: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، وركوبها معه في السيارة أبلغ من الخلوة بها في بيت ونحوه؛ لأنه يتمكن من الذهاب بها حيث يشاء من البلد أو خارج البلد طوعا منها أو كرها، ويترتب على ذلك من المفاسد أعظم ما يترتب على الخلوة المجردة. انتهى.
ولا بد أن يكون الشخص الذي تزول به الخلوة كبيرا، فلا يكفي وجود الطفل، وما تظنه بعض النساء أنها إذا استصحبت معها طفلا زالت الخلوة ظن خاطئ.
قال الإمام النووي (٩ / ١٥٩): وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية
_________________
(١) خفرة: صبية ذات وقار.
(٢) برزة عفيفة تبرز للرجال وتتحدث معهم.
[ ١١٢ ]
من غير ثالث معهما فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره لا تزول به الخلوة المحرمة.
ج - تتساهل بعض النساء وأولياؤهن بدخول المرأة على الطبيب بحجة أنها بحاجة إلى العلاج، وهذا منكر عظيم، وخطر كبير، لا يجوز إقراره والسكوت عليه.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في [مجموع الفتاوى] (١٠ / ١٣): وعلى كل حال، فالخلوة بالمرأة الأجنبية محرمة شرعا، ولو للطبيب الذي يعالجها لحديث: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، فلا بد من حضور أحد معها، سواء كان زوجها أو أحد محارمها الرجال، فإن لم يتهيأ فلو من أقاربها النساء، فإن لم يوجد أحد ممن ذكر وكان المرض خطرا لا يمكن تأخيره فلا أقل من حضور الممرضة ونحوها؛ تفاديا من الخلوة المنهي عنها. انتهى.
وكذا لا يجوز خلوة الطبيب بالمرأة الأجنبية منه، سواء كانت طبيبة زميلة له أو ممرضة، ولا خلوة المدرس الكفيف أو غيره بالطالبة، ولا خلوة المرأة المضيفة بالطائرة مع رجل أجنبي منها، وهذه الأمور قد تساهل فيها الناس باسم الحضارة الزائفة والتقليد الأعمى للكفار، ولعدم المبالاة بالأحكام الشرعية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ١١٣ ]
ولا تجوز خلوة الرجل بالخادمة التي تخدم في بيته، ولا خلوة المرأة صاحبة البيت بالخادم، ومشكلة الخدم مشكلة خطيرة ابتلي بها كثير من الناس في هذا الزمان، بسبب انشغال النساء بالدراسات والأعمال خارج البيوت، وذلك مما يوجب على المؤمنين والمؤمنات شدة الحذر، وعمل الاحتياطات اللازمة، وأن لا يتجاروا مع العادات السيئة.