٥ - يباح للنساء الخروج من البيوت للصلاة مع الرجال في المساجد، وصلاتهن في بيوتهن خير لهن، فقد روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، وقال ﷺ: «لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن» (٢) فبقاؤهن في البيوت وصلاتهن فيها أفضل لهن من
_________________
(١) رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة.
(٢) رواه أحمد وأبو داود.
[ ٤٨ ]
أجل التستر.
وإذا خرجت إلى المسجد للصلاة فلا بد من مراعاة الآداب التالية:
أ - أن تكون متسترة بالثياب والحجاب الكامل، قالت عائشة ﵂: «كان النساء يصلين مع رسول الله ﷺ، ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس» (١) .
ب - أن تخرج غير متطيبة؛ لقوله ﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات» (٢) ومعنى " تفلات " أي: غير متطيبات، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة» (٣) وروى مسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود: «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا» .
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٣| ١٤٠، ١٤١): فيه دليل على أن خروج النساء إلى المساجد إنما يجوز إذا لم يصحب ذلك ما فيه فتنة وما هو في تحريك الفتنة نحو البخور، وقال: وقد
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه أحمد وأبو داود.
(٣) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
[ ٤٩ ]
حصل من الأحاديث أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة من طيب أو حلي أو أي زينة. انتهى.
ج - ألا تخرج متزينة بالثياب والحلي، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: لو أن رسول الله ﷺ رأى من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها (١) .
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] على قول عائشة: (لو رأى ما رأينا) يعني: من حسن الملابس والطيب والزينة والتبرج، وإنما كان النساء يخرجن في المرط والأكسية والشملات الغلاظ.
وقال الإمام ابن الجوزي ﵀ في كتاب [أحكام النساء] صفحة ٣٩: ينبغي للمرأة أن تحذر من الخروج مهما أمكنها، إن سلمت في نفسها لم يسلم الناس منها، فإذا اضطرت إلى الخروج خرجت بإذن زوجها في هيئة رثة، وجعلت طريقها في المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، واحترزت من سماع صوتها، ومشت في جانب الطريق لا في وسطه. انتهى.
د - إن كانت المرأة واحدة صفت وحدها خلف الرجال؛ «لحديث أنس ﵁ حين صلى بهم رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٥٠ ]
قمت أنا واليتيم وراءه وقامت العجوز من ورائنا» (١) .
وعنه: «صليت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي خلفنا - أم سليم -» رواه البخاري.
وإن كان الحضور من النساء كثر من واحدة فإنهن يقمن صفا أو صفوفا خلف الرجال؛ لأنه ﷺ كان يجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان، رواه أحمد، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (٢) .
ففي الحديثين دليل على أن النساء يكن صفوفا خلف الرجال، ولا يصلين متفرقات إذا صلين خلف الرجال، سواء كانت صلاة فريضة أو صلاة تراويح.
هـ - إذا سهى الإمام في الصلاة فإن المرأة تنبهه بالتصفيق ببطن كفها على الأخرى؛ لقوله ﷺ: «إذا نابكم في الصلاة شيء فليسبح الرجال، وليصفق النساء» (٣) وهذا إذن إباحة لهن في
_________________
(١) رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
(٢) رواه الجماعة إلا البخاري.
(٣) رواه أحمد.
[ ٥١ ]
التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب، ومنها سهو الإمام؛ وذلك لأن صوت المرأة فيه فتنة للرجال، فأمرت بالتصفيق ولا تتكلم.
وإذا سلم الإمام بادرت النساء بالخروج من المسجد وبقي الرجال جالسين؛ لئلا يدركوا من انصرف منهن؛ لما روت أم سلمة قالت: إن النساء كن إذا سلمن من المكتوية قمن وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال.
قال الزهري: فنرى ذلك - والله أعلم - أن ذلك لكي ينفذ من ينصرف من النساء، رواه البخاري، انظر [الشرح الكبير على المقنع] (١|٤٢٢) .
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٢| ٣٢٦): الحديث فيه أنه يستحب للإمام مراعاة أحوال المأمومين والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحظور، واجتناب مواقع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت. انتهى.
قال الإمام النووي ﵀ في [المجموع] (٣| ٤٥٥): ويخالف النساء الرجال في صلاة الجماعة في أشياء: أحدها: لا تتأكد في حقهن كتأكدها في الرجال.
الثاني: تقف إمامتهن وسطهن.
[ ٥٢ ]
الثالث: تقف واحدتهن خلف الرجل لا بجنبه، بخلاف الرجل.
الرابع: إذا صلين صفوفا مع الرجال فآخر صفوفهن أفضل من أو لها. انتهى.
ومما سبق يعلم تحريم الاختلاط بين الرجال والنساء.
ز - خروج النساء إلى صلاة العيد: عن أم عطية ﵂ قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة - وفي لفظ: المصلى - ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين» (١) .
قال الشوكاني: والحديث وما في معناه من الأحاديث قاضية بمشروعية خروج النساء في العيدين إلى المصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض وغيرها ما لم تكن معتدة أو كان خروجها فتنة أو كان لها عذر. . انتهى. انظر [نيل الأوطار] (٣|٣٠٦) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في [المجموع] (٦|٤٥٨، ٤٥٩): فقد أخبر المؤمنات أن صلاتهن في البيوت
_________________
(١) رواه الجماعة.
[ ٥٣ ]
أفضل لهن من شهود الجمعة والجماعة إلا العيد، فإنه أمرهن بالخروج فيه - ولعله والله أعلم - لأسباب: الأول: أنه في السنة مرتين، فقبل بخلاف الجمعة والجماعة.
الثاني: أنه ليس له بدل، بخلاف الجمعة والجماعة فإن صلاتها في بيتها الظهر هو جمعتها.
الثالث: أنه خروج إلى الصحراء لذكر الله، فهو شبيه بالحج من بعض الوجوه؛ ولهذا كان العيد الأكبر في موسم الحج موافقة للحجيج. انتهى.
وقيد الشافعية خروج النساء لصلاة العيد بغير ذوات الهيئات.
قال الإمام النووي في [المجموع] (٥| ١٣): قال الشافعي والأصحاب ﵏: يستحب للنساء غير ذوات الهيئات حضور صلاة العيد، وأما ذوات الهيئات فيكره حضورهن. . إلى أن قال: وإذا خرجن استحب خروجهن في ثياب بذلة، ولا يلبسن ما يشهرهن، ويستحب أن يتنظفن بالماء، ويكره لهن الطيب، هذا كله حكم العجائز اللواتي لا يشتهين ونحوهن، وأما الشابة وذات الجمال ومن تشتهي فيكره لهن الحضور؛ لما في ذلك من خوف الفتنة عليهن وبهن، فإن قيل: هذا مخالف حديث أم عطية المذكور، قلنا: ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت
[ ٥٤ ]
نساء بني إسرائيل، ولأن الفتن وأسباب الشر في هذه الأعصار كثيرة بخلاف العصر الأول، والله أعلم. انتهى.
قلت: وفي عصرنا أشد.
وقال الإمام ابن الجوزي في كتاب [أحكام النساء] ص ٣٨: قلت: قد بينا أن خروج النساء مباح، لكن إذا خيفت الفتنة بهن أو منهن فالامتناع من الخروج أفضل؛ لأن نساء الصدر الأول كن على غير ما نشأ نساء هذا الزمان عليه، وكذلك الرجال. . انتهى.
يعني كانوا على ورع عظيم.
ومن هذه النقولات تعلمين أيتها الأخت المسلمة أن خروجك لصلاة العيد مسموح به شرعا؛ بشرط الالتزام، والاحتشام، وقصد التقرب إلى الله، ومشاركة المسلمين في دعواتهم وإظهار شعار الإسلام، وليس المراد منه عرض الزينة والتعرض للفتنة، فتنبهي لذلك.
[ ٥٥ ]