قال في "التحفة" (^٧) بعد ما مرّ: "وبذلك يُعلم أن من قال لآخر قبل رمضان: وكَّلتك في إخراج فطرتي وأخرِجْها في رمضان صحَّ؛ لأنّه نجز الوكالة، وإنّما قيّدها بما قيَّدها به الشارع، فهو كقول مُحرِم: زَوِّجْ بنتي إذا
_________________
(١) "أسنى المطالب" (٢/ ٢٦٦).
(٢) "مغني المحتاج" (٢/ ٢٢٣).
(٣) "شرح المحلِّي على منهاج الطالبين" (٢/ ٣٤١).
(٤) "فتح الوهاب شرح منهاج الطلاب" (٣/ ٤٠٧).
(٥) "تحفة المحتاج" (٥/ ٣١٢).
(٦) "نهاية المحتاج" (٥/ ٢٩).
(٧) "تحفة المحتاج" (٥/ ٣١٢).
[ ١٧ / ٥٥٤ ]
حللتُ، وقول وليٍّ: زَوِّجْ بنتي إذا طُلِّقتْ وانقضتْ عدتها".
فيقال: دلّت عبارة "التحفة" على أنّ الشرط في عبارة "المنهاج" السالفة ونظائرها أريد به ما هو أعمُّ من الشرط الجعلي والشرط الشرعي، فعلى هذا يشمل مسألتنا.
الجواب:
هذه دعوى من ابن حجر يردُّها نصوصهم على أنّه لا يصحّ التوكيل إلاّ ممّن يملك التصرف في الذي يوكَّل فيه بملكٍ أو ولاية، كما تقدّم أولَ هذه الرسالة عن "المهذب".
[ص ٨] وفي "الروض" (^١): "الأوّل ما يجوز فيه التوكيل، وله شروط:
الأول: الملك، فلا يصح في طلاق من سينكحها وتزويج من ستنقضي عدتها، ونحوه".
وفي "المحرر" (^٢): "وفي الموكَّل فيه أن يملِكه الموكِّل، فأظهر الوجهين أنّه لا يجوز أن يُوكِّل ببيع عبدٍ سيملكه، وطلاقِ زوجة سينكحها".
وفي "المنهاج" مع المحلّي (^٣): " (وشرط الموكَّل فيه أن يملكه الموكِّل) حين التوكيل (فلو وكّله ببيع عبدٍ سيملكه وطلاقِ من سينكحها بطل في الأصح) لأنّه لا يتمكن من مباشرة ذلك بنفسه، فكيف يستنيب فيه غيره".
_________________
(١) "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (٢/ ٢٦٠).
(٢) "المحرر" (ص ١٩٥).
(٣) "منهاج الطالبين" (٢/ ١٦١) و"شرح المحلّي" (٢/ ٣٣٨).
[ ١٧ / ٥٥٥ ]
ونحوه في "المغني" (^١) و"التحفة" (^٢) و"النهاية" (^٣)، وعبارة "المنهج" مع شرحه (^٤): " (و) شرط (في الموكَّل فيه أن يملِكه الموكِّل) حين التوكيل (فلا يصح) التوكيل (في بيع ما سيملكه وطلاق من سينكحها) لأنّه إذا لم يباشر ذلك بنفسه فكيف يستنيب غيره".
فهذه النصوص ونحوها تبيِّن ما قلناه: إنّ مرادهم بالشرط في قولهم: "فإن نجَّزها وشرط للتصرف شرطًا جاز" إنّما هو الشرط الجعلي، وتمثيلهم سلفًا وخلفًا يشهد لذلك، وقد حكى في "النهاية" كلام ابن حجر ثم قال (^٥): "والأقرب إلى كلامهم عدم الصحة؛ إذ كلُّ من الموكِّل والوكيل لا يملِك ذلك عن نفسه حال التوكيل".
نعم، وافق على صحة التصرف بناءً على ما فهموه في مسألة التعليق، وسيأتي بيان وهمهم فيها إن شاء الله تعالى، ويأتي هناك الكلام على مسألة: زوِّجْ بنتي إذا طلقتْ وانقضتْ عدتها، ومسألة المحرم ستأتي قريبًا.
[ص ٩] هذا، ولو سلّمنا صحة الوكالة في مسألة الفطرة كما قال في "التحفة"، أو صحة الأداء على ما وافق عليه في "النهاية"، فبينها وبين توكيل الولي غير المجبر قبل إذنها فرقٌ من وجوه:
الأول: ما اشتهر بينهم أنّه يُحتاط للأبضاع ما لا يحتاط لغيرها.
_________________
(١) "مغني المحتاج" (٢/ ٢١٩).
(٢) "تحفة المحتاج" (٥/ ٣٠١).
(٣) "نهاية المحتاج" (٥/ ٢١).
(٤) "فتح الوهاب شرح منهج الطلاب" (٣/ ٤٠٣).
(٥) "نهاية المحتاج" (٥/ ٢٩).
[ ١٧ / ٥٥٦ ]
الثاني: أنّ التوكيل في أداء الفطرة ليس فيه افتياتٌ على أحد، وتوكيل غير المجبر قبل إذنها فيه افتياتٌ عليها، وقد قال جماعة من أصحابنا: إنّها إذا أذنت له بتزويجها ولم تتعرّض لنهيه عن التوكيل ولا الإذن له به، أنّه ليس له أن يوكل، وقد مضت هذه المسألة بما لها وعليها، وبيّنا أنّ دليلها قويٌّ، وأنّ المنع هو الموافق لنصّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
الثالث: أنّ أداء الفطرة عبادة يتشوّف إليها الشارع كالعتق والوقف، فيحتمل أن يُسامح فيها ما لا يسامح في غيرها.
الرّابع: أنّ أداء الفطرة أمرٌ هيّن لا يترتب عليه أمرٌ عظيم له خطر، بخلاف التزويج.
الخامس: أنّ أداء الوكيل لفطرة الموكِّل يبعد أن يندم عليه الموكِّل، بخلاف التزويج، فيمكن أن يندم، فيحتاط للتوكيل بالتزويج بأن لا يلزم الموكّل به إلاّ إذا وكّل وهو تام الولاية، كما في الوصية لغير الوارث، حيث لم تُعتبر [ص ١٠] إجازة سائر الورثة في حياة المُورِث ولو عند الغرغرة، وإنّما تعتبر إذا وقعت بعد موته حيث يصير الحقُّ كله للورثة.