تصل إليهم إذا أهدى ثوابها الحي إلى الميت المسلم؛ لما تقدم من الأدلة على ذلك، وسأذكر في هذا المبحث أقوال العلماء مع بعض ما استدلوا به على النحو الآتي:
أولًا: قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأيُّ قربة فعلها، وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك، إن شاء الله، أما الدعاء، والاستغفار، والصدقة، وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافًا، إذا كانت الواجبات مما تدخله النيابة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٢)، ودعا النبي
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.
(٢) سورة محمد، الآية: ١٩.
[ ٣٠ ]
- ﷺ - لأبي سلمة حين مات (١)، وللميت الذي صلَّى عليه في حديث عوف بن مالك (٢)، ولكل ميت صلَّى عليه، ولذي النجادين حين دفنه (٣)،شرع الله ذلك لكل من صلَّى على ميت، وسأل رجل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» رواه أبو داود (٤)، وروي ذلك عن سعد بن عبادة - ﵁ - (٥)، وجاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق
_________________
(١) مسلم، كتاب الجنائز، بابٌ في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، برقم ٩٢٠.
(٢) مسلم، بابٌ في الدعاء للميت في الصلاة عليه، برقم ٩٦٣.
(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٢١.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة، برقم ١٣٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم ١٠٠٤.
(٥) أخرجه البخاري، برقم ٢٧٥٦، وأبو داود، برقم ٢٨٨٢، وقد تقدم تخريجه.
[ ٣١ ]
أن يُقضى» (١) وقال للذي سأله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «نعم» (٢)، وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القُرب؛ لأن الصوم، والحج، والدعاء، والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال لعمرو بن العاص: «لو كان أبوك مسلمًا فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك» (٣). وهذا عام في حج التطوع وغيره؛ ولأنه عمل برٍّ وطاعةٍ، فوصل نفعه وثوابه، كالصدقة، والصيام، والحج الواجب » (٤)، ثم ردَّ الإمام ابن قدمة ﵀
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم ١٨٥٤، ومسلم، برقم ١٣٣٤ وقد تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم ١٩٥٣، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم ١١٤٨.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في وصية الحربي يسلم وليه أيلزمه أن ينفذها، برقم ٢٨٨٣، وحسنه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ٣١٦١.
(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢، وانظر: الشرح الكبير، ٦/ ٢٥٧ - ٢٦٥، والكافي، ٢/ ٨٢.
[ ٣٢ ]
على من قال: لا يصل إلى الميت إلا الواجب، والصدقة، والدعاء، والاستغفار، وبيَّن أن المسلمين يهدون الثواب إلى أمواتهم من غير نكير؛ ولأن الحديث صح عن النبي - ﷺ -: «إنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه» (١)، والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة؛ ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية مخصوصة بما سلموه ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ وما اختلفنا فيه في معناه فنقيسه عليه (٢)، وقال: ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة » فإنما يدل على انقطاع عمله، وليس هذا من عمله فلا دلالة فيه
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، برقم ١٣٠٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٤.
(٢) المغني، ٣/ ٥٢٢ بتصرف.
[ ٣٣ ]