وقال ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقد ذكرتُ الآيات والأحاديث وأقوال العلماء في هذا المعنى في رسالة «العبادة».
وتغيُّر الأحكام جرى على ألسنة بعض العلماء يريدون به شيئًا محدودًا، فأراد دعاةُ الضلالة في عصرنا أن يوسِّعوا دائرتَه بحيث يزلزلون به قواعد الشريعة من أساسها.
إن مَن يقول بتغير بعض الأحكام يوجِّه ذلك بأن الحكم إذا ثبت ترتُّبه على علة معروفة، فقد تكون العلة موجودة في أمر من الأمور في العهد النبوي، فيُثبِت الشارع له ذلك الحكم، ثم قد يتفق زوال تلك العلة عن ذلك الأمر بعد العهد النبوي، فينبغي حينئذٍ أن ينتفي عنه ذلك الحكم. وقد يكون الأمر سالمًا من تلك العلة في العهد النبوي، فيُثبِت له الشارع حكمًا آخر، ثم قد تحدثُ له العلة بعد العهد النبوي فينبغي حينئذٍ أن يثبت له الحكم المناسب لها.
ومما قد يُمثَّل به لذلك حدُّ الخمر، المقصود منه الزجر، ولم يزد في العهد النبوي على أربعين جلدة لعدم المقتضى للزيادة، فلما تهاون الناس بعده بالأربعين اتفق الصحابة على زيادة أربعين أخرى ليحصل المقصود، وهو الزجر.
وبيع أمهات الأولاد، لم يُمنع في العهد النبوي لغلبة الحاجة إلى المال،
[ ١٨ / ٤٨١ ]
فلما غلب الاستغناء بعده ذهب أكثر الصحابة إلى منعه.
والطلقات المجموعة كانت تُعدّ في العهد النبوي طلقةً، لأنها لم تكن تقع إلّا نادرًا، فلم يكن هناك مقتضٍ للزجر عن الجمع والردْع عنه، فلما كثر جمعُ الطلقات في عهد عمر احتيج إلى زجرهم وردْعهم، فقال عمر (^١): إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه ووافقه الصحابة أو أكثرهم.
وقالت عائشة (^٢): [لو أن رسولَ الله - ﷺ - رأى ما أحدث النساءُ لمنعهنَّ المسجدَ كما مُنِعتْ نساءُ بني إسرائيل].
وقال بعض العلماء (^٣) في بعض أنواع المؤلفة قلوبهم: إنما كانوا يُعطَون لضعف المسلمين، وقد قوي المسلمون فلا يُعطَون.
[ق ٣٤] وفي هذه الأمثلة خلاف، وفي كونها من تغيير الأحكام بحثٌ ليس هذا موضعه.
والأصل الذي ينبغي اعتماده أنه إذا ثبت بحجة شرعية أن هذا الحكم إنما بُني على هذه العلة فقط، وثبت أنها كانت موجودة في هذا الأمر في العهد النبوي، وأنها انتفتْ عنه بعد ذلك= كان هناك مجالٌ للنظر: أيبقى
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٧٢) من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه البخاري (٨٦٩) ومسلم (٤٤٥) واللفظ له. وما بين المعكوفتين بيَّض له المؤلف.
(٣) انظر «تفسير ابن أبي حاتم» (٦/ ١٨٢٢، ١٨٢٣) و«مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٢٣).
[ ١٨ / ٤٨٢ ]
الحكم على ما هو عليه كما بقي الرملُ في الطواف، أم ينبغي تغييره؟ وإذا ثبت بحجة شرعية أن هذه العلة مقتضية لهذا الحكم، وأنها كانت منتفيةً عن هذا الأمر في العهد النبوي، وأنها حدثت له بعد ذلك، وأنه لم يقم به ما يعارضها= ساغَ تغيُّر الحكم.
فكلُّ ما ثبت عن الصحابة فإننا نعتقد أنهم قد راعَوا فيه هذا المعنى، فإن ثبت إجماعُهم على شيء فإننا نعتقد أن هذا المعنى كان ثابتًا في نفس الأمر، وإن اختلفوا فإننا نعتقد أن من قال بالتغيُّر كان يرى هذا المعنى ثابتًا، وقد يكون مخطئًا. وأما ما جاء عمن بعدهم فإن كان مجتهدًا فالظنُّ به أنه كان يرى هذا المعنى ثابتًا، ولعله أخطأ في ذلك، وإن كان غير مجتهد فأمره إلى الله، ولا يجوز تقليده.
وليس من هذا اختيارُ الفقيه المقلّد قولًا يخالف مذهب إمامه، ولكنه ثابت عن إمام آخر، وإنما هذا بناء منهم على أن المقلّد مخيَّر، يجوز له الخروج عن مذهب إمامه في بعض الفروع، ولاسيما إذا رأى الحاجة داعيةً إليه. فهذه الاختيارات لا يصح إيرادها في أمثلة تغيُّر الأحكام الشرعية، ومن هذا ما ذكره صاحب الاستفتاء من تجويز متأخري الحنفية الاستئجارَ على تعليم القرآن والأذان والإمامة وغيرها، فإنهم إنما اختاروا في ذلك مذهب الشافعي وغيره أنه يجوز ذلك مطلقًا، فلما رأوا الحاجةَ داعيةً إلى ذلك رأوا المصلحة تقليدَ من قال بذلك. ولمتأخري الشافعية اختيارات من هذا القبيل لا حاجة إلى ذكرها.
* * * *
[ ١٨ / ٤٨٣ ]