الحاجة
يقولون: إننا وإن عبَّرنا بالضرورة، فلسنا نريد الضرورة المتعارفة، وإنما أردنا الحاجة.
وقد عُهِد من الشريعة استثناءُ صورٍ من التحريم مع وجود علة التحريم فيها، ولكن لأن الحاجة تدعو إليها، وقد مثَّل العلماء لذلك بالقرض في الأموال الربوية، فإنه في المعنى بيع الربوي بمثله نسيئةً، وكذلك السلم مع أنه بيع مجهول، وكذلك الحوالة مع أنها بيع دينٍ بدين، في أمور أخرى كالعرايا وغيرها، ولم يُشترط في شيء من ذلك تحقق ضرورة ولا حاجة، بل أطلق صحتها ولو كانت لغير حاجة، وعروض الحاجة إلى بيع العهدة لا تقلُّ عن الحاجة لبعض هذه المعاملات، إن لم تزد على بعضها.
[ص ٢٨] الجواب
نقول نحن: أيَّ حاجة تريدون؟
يقولون هم: حاجة صاحب الأرض إلى النقد لقُوته وقوتِ أهله، أو ليتزوَّج، أو يزوِّج أحد بنيه، أو ليسافر سفرًا احتاج إليه، أو ليعمر بيته إذا انهدم، أو لغير ذلك.
نحن: وهل كان هذا الاحتياج يَعرِض لمُلَّاك العقارات في العهد النبوي وما بعده إلى أن اخترع هذا البيع؟
هم: نعم!
نحن: فما بال الشريعة لم تعلن بجواز بيع الوفاء لمُلَّاك العقارات؛ لسدّ هذه الحاجة، وهكذا الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون ومن بعدهم،
[ ١٨ / ٣٤٥ ]
حتى نشأ القول به أخيرًا؟
هم: كان مستغنًى عنه بإمكان الاستقراض، وبعد تلك القرون قَلّت رغبة الناس عن (^١) الإقراض.
نحن: وإمكان البيع الشرعي!
هم: إمكان البيع الباتّ لمن يؤثره على الاستقراض، والاستقراض لمن لا يريد البيع الباتّ، إذا كان يرى البيع ضارًّا به.
نحن: وهل كان المستقرض يستقرض ويؤدي؟
هم: نعم.
نحن: فكيف كان يصنع إذا لم يمكنه الأداء إلا ببيع أرضه؟
هم: (يتحيرون).
نحن: أليس كان يضطر إلى بيعها، وإذا لم يبعها باعها القاضي جبرًا، كما قررته الشريعة، وأثبته العلماء في كتبهم في بيع الرهن، وبيع أموال المفلس، وعقدوا لكل من ذلك بابًا؟
هم: بلى، ولكن كان يقلُّ وقوع مثل هذا؛ لرغبة الناس في الإنظار.
نحن: إنما كانوا يرغبون في الإنظار الذي أمرهم الله تعالى به، لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. ومالك العقار ليس بمُعْسِر، وقد باع النبي - ﵌ - أموال معاذ، ومعاذ معاذ.
هم: لم يكن يقع ذلك كثيرًا، وكان الراهن أو المفلس إذا ضايقه غرماؤه
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب: "في".
[ ١٨ / ٣٤٦ ]