وقد تقدم في الكلام على زكاة الذهب والفضة بيان بعض المفاسد التي تترتب على حبسهما وكنزهما، أو نقول: احتكارهما، وقد قال الله ﷿: [﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]] (^١).
وقد تواتر عن أبي ذر الغفاري أحد أجلَّة الصحابة ﵃ أنه كان يرى أن هذه الآية على ظاهرها، وأن حكمها باقٍ إلى يوم القيامة (^٢)، وخالفه جمهور هذه الأمة.
فأما على قوله: فحَظْرُ الشريعة لحبسهما وتشديدها فيه واضح.
_________________
(١) بيض المؤلف للآية، ولم يكتبها.
(٢) انظر "صحيح البخاري" (١٤٠٦، ١٤٠٧، ٤٦٦٠) وصحيح مسلم (٩٩٢). وراجع "فتح الباري" (٣/ ٢٧٣).
[ ١٨ / ٣٧٩ ]
وأما على قول الجمهور، فإن كراهية الشريعة لحبسهما يظهر من أحكام أخرى.
منها: فرض الزكاة عليهما، ولو كانا حُلِيًّا، على خلافٍ في الحُلِيّ، والراجح الوجوب.
ومنها: تحريم الذهب على الرجال البتةَ، وتحريم الفضة عليهم إلا نحو الخاتم.
ومنها: تحريم الأكل والشرب في أوانيهما، وألحق به العلماء بحقٍّ سائرَ الاستعمالات، وكذا اتخاذ الأواني منهما وإن لم تستعمل.
ومنها: ما نحن بصدده؛ من تحريم بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل.
ولتوضيح فائدة هذا فنقول: الحكومات في عصرنا تكتنز الذهب، وتحتاج إلى ضرب الدراهم، فتضطر إلى شراء سبائك الفضة، فلو كانت مسلمة لمنعها الإسلام من شراء الفضة بدراهم إلا سواء بسواء في الوزن، ولمَا رضيت بذلك؛ لأن فيه خسارةً عليها، فتضطر إلى شراء سبائك الفضة بالدنانير، فيحصل المقصود.
والأغنياء كثيرًا ما يكنزون الدنانير، ثم يحتاجون إلى حلي فضة، فتارةً يريدون شراء سبائك فضة، ليعطوها الصاغةَ فيصوغوها، ولا تطيب أنفسهم أن يشتروا السبائك بوزنها دراهم، فيضطرون إلى شرائها بدنانير، فيحصل المقصود.
وتارةً يريدون شراء المصوغ المصنوع من الفضة، والغالب أنه لا يتأتى
[ ١٨ / ٣٨٠ ]
شراؤه بوزنه دراهم، إما لأن قيمة ذلك المصوغ أقل من قيمة وزنه دراهم، وإما عكسه.
فعلى الأول لا يرضى المشتري، وعلى الثاني لا يرضى البائع، فيضطرون إلى الشراء بالدنانير، فيحصل المقصود.
وقِسْ على هذا سبائك الذهب وحُلِيَّه في اضطرار المشتري إلى إخراج الدراهم.
وبهذا الحكم أيضًا يقل رغبةُ الصاغة في الصياغة، ولا سيما في الفضة التي هي أكثر وجودًا وأرخص، والصاغة أشدُّ بها تلاعبًا، فالصائغ يقول: أي فائدة لي أن أشتري سبائك الفضة بوزنها دراهم، ثم أصوغها وأتعب فيها، ثم أبيعها بوزنها دراهم، والذهب عزيز الوجود، لا أدري أأظفرُ براغبٍ في الشراء يكون عنده دنانير، أم لا؟
وأي فائدة لي في أن أكسر الدراهم، ثم أصوغها حُلِيًّا، ثم أبيعه بوزنه دراهم.
وبهذا يقل استعمال الحلي؛ لأن كثرة استعماله أغلب ما تجيء من عرض الصاغة الحُلِيَّ والأواني ونحوها، فيراها المُثْرون ونساؤهم فيرغبون فيها.
وقلما تجد الرجل يشتري السبائك، ويسلمها إلى الصائغ يصوغها له ويعطيه أجرته، أو يعطي الصائغ دراهم أو دنانير ليكسرها ويصوغها، ويأخذ أجرته. مع أن هذا الحكم يُضيِّق عليهم في هذا أيضًا، وقد جاء النهي عن كسر الدراهم والدنانير (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥٤٥٧) وأبو داود (٣٤٤٩) وابن ماجه (٢٢٦٣) من حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن تُكْسَر سكَّةُ المسلمين الجائزةُ بينهم إلّا من بأس". وإسناده ضعيف لضعف محمد بن فضاء أحد رجال الإسناد، وأبوه مجهول.
[ ١٨ / ٣٨١ ]