يدًا بيد، فلننظر فيما دلت السنة على أنه ربا. فأشهر ذلك حديث «الصحيحين» (^١) عن عمر مرفوعًا: «الورِقُ بالذهب ربا إلا هاءَ وهاءَ، والبر بالبر ربا إلا هاءَ وهاءَ، والشعير بالشعير ربا إلا هاءَ وهاءَ، والتمر بالتمر ربا إلا هاءَ وهاءَ». («صحيح مسلم» ج ٥ ص ٤٣).
وحديثهما (^٢) عن عُبادة: «سمعت رسول الله - ﵌ - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى». («صحيح مسلم» ج ٥ ص ٤٣).
ونحوه حديث أبي سعيد الخدري (^٣)، وفي آخره: «مثلًا بمثلٍ، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذُ والمعطي فيه سواء». («صحيح مسلم» ج ٥ ص ٤٤).
ونحوه حديث أبي هريرة (^٤)، وفيه: «مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى» (أيضًا).
وحديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم (^٥) في بيع الورق بالذهب نسيئةً، وفيه مرفوعًا: «ما كان يدًا بيد فلا بأس، وما كان نسيئة فهو ربًا»
_________________
(١) البخاري (٢١٣٤) ومسلم (١٥٨٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٥٨٧)، ولم أجده عند البخاري.
(٣) أخرجه البخاري (١١٧٦) ومسلم (١٥٨٤).
(٤) أخرجه مسلم (١٥٨٨).
(٥) أخرجه البخاري (٣٩٣٩، ٣٩٤٠) ومسلم (١٥٨٩).
[ ١٨ / ٤٠٤ ]
(«صحيح مسلم» [ج ٥ ص] ٤٥).
وحديث أبي سعيد (^١): «جاء بلال بتمر بَرْنيّ، فقال له رسول الله - ﵌ -: «من أين هذا؟» فقال بلال: تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي - ﵌ -. فقال رسول الله - ﵌ - عند ذلك: «أُوَّهْ، عينُ الربا » («صحيح مسلم» ج ٥ ص ٤٨).
فالجصاص يقول (^٢): دلت هذه الأحاديث أن الربا يكون في البيع، ولم تكن العرب تعرف ذلك. وفيها أن بيع واحدٍ من الستة بجنسه متفاضلًا نقدًا ربا، ولم تكن العرب تعرف ذلك. فدلّ هذا أن لفظ الربا قد نقل عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي، فيكون في القرآن مجملًا تبيِّنه السنة.
والجواب أنه كما أن هذا ليس من الربا اللغوي فليس من الربا في القرآن، لِما قدَّمنا أن سياق القرآن يدل أن الربا الذي ذكره غير البيع، وأنه إنما يكون في النسيئة وإذا كان الأمر هكذا فلا يمكن أن تكون هذه الأحاديث بيانًا للربا الذي في القرآن، بل الصواب ما نحا إليه الطحاوي وغيره، وحاصله ــ مع إيضاح وتكميل ــ أن ما حرَّمه النبي - ﵌ - من البيوع وسماه ربا، منه ما هو في معنى الربا كبيع الشيء بأزيدَ منه من جنسه نسيئةً، إذ لا فرق بينه وبين الربا المذكور في القرآن إلا لفظ البيع؛ ومجرد اختلاف اللفظ لا يغيِّر الحكم، وإلا لفسدت السماوات والأرض. وكذا بيع الذهب بالفضة [نسيئة] على ما ظهر لي.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣١٢) ومسلم (١٥٩٤).
(٢) في «أحكام القرآن» (١/ ٤٦٤، ٤٦٥) بمعناه. وقد سبق النص فيما مضى.
[ ١٨ / ٤٠٥ ]
ومنها ما أراد بتسميته ربا أنه كالربا على ما تقدم إيضاحه في القسم الأول.
* * * *
[ ١٨ / ٤٠٦ ]
[ق ١٢] الزيادة المشروطة في القرض ربا منصوص