من الدراهم وسبيكة الفضة وحليتها يُغني غناء الآخر في الجملة، ولو بتوسط صنعة.
فالدنانير وحلية الذهب يغني كلٌّ منهما غناء الآخر في الجملة بتوسط صنعة، بأن تُصاغ الدنانير حليةً، أو تُضرب الحليةُ دنانيرَ، وسبيكة الذهب وحلية الفضة يغني كل منهما غناء الآخر، بأن تُصاغ السبيكة حلية، أو تُضرب دنانير، وتضرب حلية الفضة دراهم، وقِسْ على ذلك.
والذي يظهر من مذاهب العلماء أنهم لم ينظروا إلى الحلية، ولكن منهم من نظر إلى الثمنية، فجعلها العلة في تحريم بيع الذهب بالفضة نساءً.
فإما أن يكون بنى على ما كان في صدر الإسلام من تبايع الأعراض بالذهب والفضة، وإن كانا غير مضروبين.
وإما أن يكون بنى على أن السبيكة والحلية يمكن تحويلهما إلى النقد بالصنعة، ولاسيما والمشروع في الإسلام أن تكون دار الضرب مفتوحةً للناس كلهم، من أراد أن يضرب ذهبه أو فضته نقدًا دفعها إلى دار الضرب، وأعطاهم أجرة تعبهم، فضربوا له. وهكذا كان في القرون الأولى.
وإنما تحجرت الحكومات دور الضرب ظلمًا؛ لتشتري وزن الدينارين من الذهب الخالص بدينار مغشوش، ثم تغش الذهب، وتضربه ثلاثة دنانير، أو نحو ذلك، ومثله في الفضة. ونشأ من ذلك من الظلم والفساد ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد وقعت أزمات مالية شديدة في بعض الأمم، كألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، هذا أساسها، وربما اشتدت الأزمة منها حتى تهدِّد العالم أجمع.
هل نظر القائل: إن العلة في بيع الذهب بالفضة هي الثمنية
_________________
(١) وهو مالك
[ ١٨ / ٣٦٤ ]
والشافعي رحمهما الله تعالى
_________________
(١) إلى المعنى الذي قررناه أولًا، أعني أن كلًاّ منهما يغني غناء الآخر في الجملة، فصار بيع أحدهما بالآخر نساءً في معنى الذهب بالذهب نساءً، والفضة بالفضة نساءً، وذلك في معنى القرض، فتحقق فيه الربا؟ أما الشافعي فلم ينظر إلى هذا حتمًا، فإنه أجاز بيع الشيء بآخر من جنسه نساءً في غير الذهب والفضة والمطعومات، وذلك كالحديد بالحديد، والنحاس بالنحاس، وغير ذلك، فإذا لم يعتد بالمماثلة، فكيف يعتد بالمقارنة؟ أعني أن يغني أحدهم غناء الآخر. وجعل العلة في الأربعة الباقية هي الطعم، ووسَّعه حتى منع بيع البر بالسقمونيا. ولا يخفى أن النسبة بينهما التباين، فإن البرّ قوتٌ، والسقمونيا مُسهِّل. [ص ٣٧] وأما مالك فقد ظن بعض المحققين من أصحابه أنه نظر إلى المعنى الذي قررناه؛ لأنه يحرِّم البيع نساءً في ما إذا اتفق العوضان في الجنس، ولو في الثياب والآنية وغيرها. وأكد ذلك أنه يشترط مع الاتفاق في الجنس الاتفاق في المنفعة المقصودة، فأجاز بيع البعير النجيب بالبعير من حاشية الإبل، وهذا يدل أنه نظر إلى المعنى الذي قدمناه. وجعل العلة في الأربعة الباقية هي القوت مع الادّخار، وفسر بعض أصحابه ذلك بأن البر والتمر لما اتفقا في المنفعة المقصودة، وهي القوت مع الادخار، صارا كالجنس الواحد، فأما البر والشعير فإنه جعلهما جنسًا واحدًا حتى لا يجوز تبايعهما نقدًا إلا مثلًا بمثل.
[ ١٨ / ٣٦٥ ]
ومع هذا ففي كونه نظَرَ إلى المعنى الذي قدمناه نظرٌ لوجهين:
الأول: أنه يمنع بيع (^١) البر بالملح نساءً، وهكذا البر بشيءٍ آخر مما يكون فيه إصلاحٌ للطعام، كالأُدم والأَبزار، كالفلفل والكمُّون، مع أن الملح لا يغني غناء البر، والفلفل لا يغني غناء البر.
الثاني: أنه يجيز بيع الشيء بما يغني غناءه نساءً في غير الذهب والفضة والأقوات المدَّخَرة ومُصلِحاتها.
وقد استشكل المحقق الشاطبي المالكي ذلك، فقال بعد أن ذكر ربا القرآن: "وإذا كان كذلك، وكان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادةً على غير عوض، ألحقت السنةُ به كلَّ ما فيه زيادة بذلك المعنى".
ثم ذكر حديث عبادة، ثم قال: "ثم زاد على ذلك بيع النَّساء إذا اختلفت الأصناف، وعدَّه من الربا وذلك لأن بيع هذا الجنس بمثله في الجنس من باب بدل الشيء بنفسه لتقارب المنافع فيما يراد منها، فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء، وهو ممنوع ويبقى النظر لِمَ جاز مثل هذا في غير النقدين والمطعومات ولم يجز فيهما؟ محل نظر يخفى وجهه على المجتهدين، وهذا من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها إلى اليوم ". "الموافقات" (ج ٤ ص ٢٢ - ٢٣).
وقوله: "بيع هذا الجنس بمثله في الجنس" يريد به نحو بيع الفضة بالذهب، والبر بالتمر، كما يرشد إليه السياق. فأما إذا اتحد الجنس، فإن أبا حنيفة ﵀ يحرم النَّساء في ذلك مطلقًا، وهكذا مالك، إلا أنه يشترط
_________________
(١) في الأصل: "بين" سهوًا.
[ ١٨ / ٣٦٦ ]
مع الاتفاق في الجنس الاتفاقَ في المنافع المقصودة.
أقول: قد ظهر لي أن مالكًا رحمه الله تعالى إنما منعه عن طرد الحكم في كل شيئين تقاربت النسبة بينهما، بحيث يغني كل منهما غناء الآخر في الجملة، أنه رأى أن معنى الربا ليس بالقوي، فإن من باع ذهبًا بفضة إلى أجل، قد تبين أنه لم يكن يريد الاحتفاظ بالذهب عينه، غاية الأمر أنه كان ينوي الاحتفاظ بأحدهما، لا بعينه.
وإذا كان الأمر كذلك فقد قام احتمال أنه لو لم يعطِ الذهب بفضة إلى أجل يمكن أن يعطيه بفضةٍ نقدًا، ثم يعطي الفضة بذهبٍ نقدًا، وهكذا، وذلك مظنة الربح.
ثم يحتمل أحد أمور ثلاثة:
الأول: أن يكون رأى التعليلَ بالربا مع ضعفه يقوى في الذهب والفضة وفي الأقوات بعضها ببعض؛ لغلبة التعامل بالقرض في هذه الأشياء، وقوة احتمال أن التبايع بها نَساءً إنما جُعِل حيلةً على الربا، بخلاف ما يقارب من الثياب والأدوية والآنية، فلم تجر العادة بتقارُضِها، ولا بالربا فيها، فلهذا لم يطرد الحكم.
[ص ٣٨] الثاني: أن يكون رأى أن الربا لا يصلح للعلية أصلًا، وإنما العلة الاحتكار على ما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى، ورأى أن الاحتكار إنما يشتد ضرره في النقدين والأقوات ومُصلحاتِها.
الثالث: أن يكون رأى أن العلة هو مجموع الأمرين، لأن معنى الربا وحده ليس بالقوي كما تقدم، ومعنى الاحتكار لا يخلو عن ضعف كما
[ ١٨ / ٣٦٧ ]
ستعلمه في تفصيله إن شاء الله تعالى.
وعلى كل من الثلاثة فإنما اشترط الادّخار؛ لأن ما لا يُدَّخر لا تَقوى التهمةُ بإرادة الاحتفاظ به ولا باحتكاره.
والبر والملح وإن لم يتقاربا بحيث يغني كل منهما غناء الآخر في الجملة، لكنهما مما جرت العادة بالتقارض فيه كثيرًا، فقوي معنى الحيلة على الربا، وأما بالنظر إلى الاحتكار، فلا يشترط فيه التقارب كما سيأتي.
وبعد، فالراجح أنه رأى العلة في النهي عن بيع الفضة بالذهب نساءً هو الربا فقط؛ لأمور:
الأول: أنه روى حديث عمر بلفظ: "الذهب بالورق ربًا إلا هاءَ وهاءَ، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء". رواه مالك (^١) عن ابن شهاب عن مالك بن أوس، فذكر قصة، ثم ذكر قول عمر: قال رسول الله - ﵌ -، فذكره.
وفي "فتح الباري": "قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك فيه، وحمله عنه الحفاظ، حتى رواه يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي عن مالك، وتابعه (يعني تابع مالكًا في روايته عن الزهري هكذا) معمر والليث وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة (عن الزهري)، وشذ أبو نعيم عنه (أي عن ابن عيينة) فقال: "الذهب بالذهب"، وكذلك رواه ابن إسحاق عن الزهري". "الفتح" (ج ٤ ص ٢٥٩) (^٢).
_________________
(١) في "الموطأ" (٢/ ٦٣٦، ٦٣٧).
(٢) (٤/ ٣٧٨) ط. السلفية. وانظر "التمهيد" (٦/ ٢٨٢ ــ ٢٨٤).
[ ١٨ / ٣٦٨ ]
أقول: وابن إسحاق ليس بحجة فيما خالف فيه، على أن القصة تشهد أن الرواية كما ذكره مالك ومن معه.
وحاصلها: أن عمر إنما ذكر هذا الحديث إنكارًا على من أراد صرفَ ذهبٍ بورق، والورق مؤجل، فقال: "واللَّهِ لا تفارقه حتى تأخذ منه" فذكر الحديث.
فلو كان لفظ الحديث: "الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر " لما كان فيه شاهد ظاهر للإنكار.
والحديث في "الصحيحين" (^١)، ولم أجد حديثًا صحيحًا مصرحًا بأن البر بالشعير أو التمرِ إلى أجل ربًا.
الثاني: أن معنى الربا ظاهرٌ جدًّا في الدنانير بالدراهم نساءً، وما نسبة الدراهم إلى الدينار إلا كنسبة القطع الصغار المضروبة من الذهب إلى القطعة الكبيرة، كما لو ضُربت قِطَعٌ صغار من الذهب كل منها ثمن دينار، فالثمان منها دينار، فكما يكون اشتراء عشر منها بدينار ــ والقطع مؤجلة ــ ربًا ظاهرًا، فهكذا لو كان صرف الدينار ثماني رُبيّات، فاشترى عشر رُبيّات بدينار، والربّيات مؤجلة، وما لم يكن مضروبًا تبع للمضروب؛ لأنه يمكن ضربه، كما تقدم.
فأما الأقوات بعضها ببعض، فهي على الاحتمالات الثلاثة. والله أعلم.
[ص ٣٩] ولنعقد لأحكام هذه الستة بابين:
_________________
(١) البخاري (٢١٧٤) ومسلم (١٥٨٦).
[ ١٨ / ٣٦٩ ]