قد أغنانا الله ﵎ عن القياس في هذه المسألة ــ أعني مسألة حرمة الزيادة المشروطة في القرض ــ بالنصوص الواضحة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين وإجماع الأمة، مع أننا قد بينا في القسم الأول مطابقة ذلك للعقل الصحيح والمصالح الحقيقية.
ولكن صاحب الاستفتاء تعرَّض للقياس الذي استند إليه بعض الفقهاء ممن لم يكلِّف نفسَه تدبُّرَ الكتاب والسنة، ثم ردَّه صاحب الاستفتاء زاعمًا أنه بذلك قد أثبت أنه لا يوجد دليلٌ صحيح على حرمة الزيادة المشروطة في القرض وأنها ربًا.
فرأيتُ أن أتعرض لذلك عملًا بالمثل المشهور في اليمن: «اتبع الكذابَ إلى باب بيته».
ذكر عن الكاساني (^١) أن الزيادة في القرض تكون ربًا قياسًا على بيع الشيء بجنسه متفاضلًا.
وعن ابن رشد (^٢) أنها ربًا قياسًا على ربا الجاهلية، وهو أن يكون للرجل على آخر دينٌ إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل قال: إمّا أن تقضي وإمّا أن تُربي، فيمدُّه في الأجل ويزيد على الدين.
ودفع صاحب الاستفتاء القياس الأول بأن بينهما فرقًا، وهو أن البيع
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٩٥).
(٢) «المقدمات الممهدات» (٣/ ١٤٩).
[ ١٨ / ٤٧٥ ]
مبادلة، وليس القرض مبادلة على ما تقدم.
[ق ٣٠] ودفع الثاني بأن بينهما فرقًا، «لأن الزيادة في الجاهلية كانت بعد حلول الأجل لا في ابتداء العقد، والكلام في الزيادة التي تكون من أول العقد، وليس هذا من ذاك».
أقول: أما ما أبداه من الفرق في القياس الأول فهو حقٌّ، ولكنه عليه لا له، وبيان ذلك أنه إذا حرمت الزيادة وكانت ربًا في المبادلة
_________________
(١) مع أن من شأنها في الجملة جواز المغابنة فلأن يكون كذلك في القرض من باب أولى، لأن الشارع نزَّله منزلة العارية، فكما أن المستعير ينتفع بالعين المستعارة ويردُّها نفسَها، فكذلك نزل القرض، كأن المستقرِض ينتفع بعين الدينار المستَقْرَض ثم يردُّه نفسه، فمنعُ الزيادة في ردّ العين أولى من منعها في ردّ الغير، إذ من شأن الشيء أن يزيد على غيره وينقص عنه، وليس من شأنه أن يزيد على نفسه. وجواب آخر، وهو أن القرض إنما يخرج من المبادلة ما لم يشترط زيادةً قدْرًا أو وصفًا، لأن المقرض إذا اشترط ذلك فقد ثبَّت أن الذي يطلبه مغايرٌ للذي يدفعه، وهذا مخالفٌ للتنزيل الشرعي الذي مبناه تنزيل العين المقْرَضة منزلة العين المعارة التي تبقى بعينها، حتى يردَّها الآخذ بعد انتفاعه بها. ويبقى النظر في هذه المخالفة هل تعتبر لازمة للعقد فيخرج بها عن القرض وتبطل المعاملة، أو تعتبر خارجةً عن العقد فتبطل هي دونه؟ ذهب الحنفية إلى الثاني، وغيرهم إلى الأول. ولا خفاء في أن الشرط إذا أُلغي بقي العقد سالمًا من المبادلة، وإنما الكلام فيما إذا لم يُلْغَ الشرط، ولا ريب أن
[ ١٨ / ٤٧٦ ]
العقد حينئذٍ مبادلة حتمًا، وقد قدَّمنا إيضاح ذلك، وهو بحمد الله واضح.
فنقول لصاحب الاستفتاء: إن أردتَ بقولك: «إن القرض ليس فيه مبادلة أصلًا عند الشارع» القرضَ الشرعي فمسلَّم، ولهذا جاز إقراض الذهب والفضة مع منع بيع الذهب بالذهب نسيئةً، والفضة بالفضة نسيئةً ونحو ذلك. وإن أردتَ القرض مع شرط الزيادة في القدر والوصف، فإن كان مع الحكم بإلغاء الشرط وإبطاله فمسلَّم أيضًا، وإن كان مع اعتباره كما تحاوله فباطلٌ قطعًا.
[ق ٣١] وأما ما أبداه من الفرق في القياس الثاني فليس بصحيح، لأن اتفاقهما عند حلول الأجل على أجل جديد بشرط الزيادة عقدٌ آخر، وعليه فهذه الزيادة في ابتداء عقد أيضًا، وهذا العقد الثاني قرض في المعنى بل هو هو. وقد صرَّح بعض الفقهاء بذلك، قال الدسوقي المالكي في «حاشيته على الشرح الكبير» (^١) عند قوله: «وحرم في القرض جرُّ منفعةٍ» ما لفظه: «ومن ذلك فرع مالك، وهو أن يقول شخص لربّ الدين: أخِّر المدينَ وأنا أعطيك ما تحتاجه، لأن التأخير سلف».
بل أقول: إن هذا الفرق على صاحب الاستفتاء لا له، وبيان ذلك: أن المدين إذا لم يؤدِّ الدينَ عند حلول الأجل كان ماطلًا، وهو بذلك يُلحِق بالدائن ضررًا لم يرضَ به الدائن ولم يوقع نفسه فيه، فإذا حرمت الزيادة وكانت ربًا في هذا فأولى أن تكون كذلك في القرض المبتدأ، لأن المستقرض لم يقع منه حينئذٍ مَطْلٌ، والدائن يلحق بنفسه ضرر التأجيل باختياره. والمفاسد التي
_________________
(١) (٣/ ٢٢٥).
[ ١٨ / ٤٧٧ ]