ربا البيع
تواترت الأحاديث بالنهي عن بيع الذهب بالذهب، إلا مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، وهكذا الفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، وأن من زاد أو ازداد فقد أربى.
وصح من عدة أحاديث جواز بيع الذهب بالفضة متفاضلًا نقدًا.
وقال الدارقطني: ثنا محمد بن أحمد بن الحسن نا عبد الله بن أحمد نا هدبة بن خالد نا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن أبي الأشعث الصنعاني. (قال قتادة:) وحدثنا صالح أبو الخليل عن مسلم (بن يسار) المكي عن أبي الأشعث أنه شهد خطبةَ عبادة بن الصامت قال: سمعته يقول: "نهى رسول الله - ﵌ - أن يُباع الذهب بالذهب، إلا وزنًا بوزن، والورق بالورق إلا وزنًا بوزنٍ، تِبْره وعينه، وذكر الشعير بالشعير، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والملح بالملح، ولا بأس بالشعير بالبر يدًا بيد، والشعير أكثرهما يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى". قال عبد الله: فحدثتُ بهذا الحديث أبي فاستحسنه. "سنن الدارقطني" (ص ٢٩٦) (^١).
_________________
(١) (٣/ ١٨).
[ ١٨ / ٣٥٣ ]
أقول: محمد بن أحمد بن الحسن هو الدينوري، وعبد الله بن أحمد هو ابن الإمام أحمد بن حنبل، وبقية السند على شرط الشيخين، وقتادة يدلِّس؛ إلا أنه صرَّح بالسماع من أبي الخليل.
وقد أخرج أبو داود هذا الحديث من طريق همام عن قتادة عن أبي الخليل به. ولفظ أبي داود: "الذهب بالذهب: تِبْرها وعينها، والفضة بالفضة: تِبْرها وعينها، والبر بالبر مُدْيٌ بمُدْيٍ، والتمر بالتمر مُدْيٌ بمُدْيٍ، والملح بالملح مُدْيٌ بمُدْي، من زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرُهما يدًا بيد، وأما نسيئةً فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا".
قال أبو داود: روى هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي عن قتادة عن مسلم بن يسار بإسناده. "سنن أبي داود" (ج ٢ ص ١٢٠) (^١).
وأخرجه النسائي (^٢) من هذه الطريق بنحوه إلى قوله: "فقد أربى"، ولم يذكر ما بعده.
وأخرجه (^٣) من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة عن مسلم بن يسار [عن أبي الأشعث الصنعاني] (^٤) عن عُبادة أنه قام خطيبًا فقال: "أيها الناس، إنكم قد أحدثتم بيوعًا لا أدري ما هي، ألا إن الذهب بالذهب ولا بأسَ ــ يعني ــ
_________________
(١) رقم (٣٣٤٩).
(٢) (٧/ ٢٧٧).
(٣) سنن النسائي (٧/ ٢٧٦).
(٤) سقط من الأصل، والاستدراك من النسائي.
[ ١٨ / ٣٥٤ ]
ببيع الفضة بالذهب يدًا بيد والفضة أكثرهما، ولا تَصلُح النسيئةُ، ألا إن البر بالبر، والشعير بالشعير مُدْيًا بمُدْيٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالحنطة يدًا بيد، والشعير أكثرهما، ولا يصلح نسيئةً، ألا وإن التمر بالتمر مُدْيًا بمُدْيٍ، حتى ذكر الملح مدًّا بمد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى".
وأخرجه أيضًا هو والإمام أحمد بسند على شرط الشيخين عن سلمة بن علقمة عن ابن سيرين قال: حدثني مسلم بن يسار وعبدالله بن عبيد قالا: جمع المنزل بين عبادة بن الصامت ومعاوية، حدثهم عبادة قال: نهانا رسول الله - ﵌ - عن بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر ــ قال أحدهما: والملح بالملح، ولم يقله الآخر ــ إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، يدًا بيد، كيف شئنا. قال أحدهما: من زاد أو ازداد فقد أربى". "سنن النسائي" (ج ٢ ص ٢٢١ - ٢٢٢) (^١)، "المسند" (ج ٥ ص ٣٢٠) (^٢).
أقول: عبد الله بن عتيك، ويقال: ابن عبيد، وابن عتيق، ويدعى ابن هرمز، ذكره في "تهذيب التهذيب" (^٣)، فقال: "روى عن معاوية وعبادة بن الصامت، وعنه محمد بن سيرين، ذكره ابن حبان في الثقات" (^٤).
_________________
(١) انظر: سنن النسائي (٧/ ٢٧٤).
(٢) انظر: المسند (٢٢٧٢٩).
(٣) (٥/ ٣١٢).
(٤) "الثقات" (٥/ ٣٦).
[ ١٨ / ٣٥٥ ]
وأخرج الإمام الشافعي عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن مسلم بن يسار ورجل آخر، ولفظه: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورِقَ بالورِقِ، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، [ص ٣٢] عينًا بعين، يدًا بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر، يدًا بيد، كيف شئتم، ونقص أحدهما الملح أو التمر". "الأم" (ج ٣ ص ١٢) (^١)، و"مسند الشافعي" بهامش "الأم" (ج ٦ ص ١٥٥) (^٢)، وزاد فيه: "قال أبو العباس الأصم: في كتابي: أيوب عن ابن سيرين، ثم ضرب عليه، يُنظر في كتاب الشيخ، يعني الربيع".
أقول: وأخرجه البيهقي في "السنن" من طريق أبي العباس الأصم عن الربيع عن الشافعي، وفيه: "عن أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار ورجل"، وزاد بعد "ولا الشعير بالشعير": "ولا التمر بالتمر"، وزاد في آخره: "وزاد أحدهما: من زاد أو ازداد فقد أربى". "سنن البيهقي" (ج ٥ ص ٢٧٦).
والحديث في "سنن الشافعي" رواية الطحاوي عن المزني (ص ٤٣ - ٤٤) (^٣) كما ذكره البيهقي.
أقول: سياق رواية سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين يدل على حفظه، فإنه سمى الرجل الآخر: عبد الله بن عتيك، وذكر القصة، وهو قوله:
_________________
(١) (٤/ ٣١، ٣٢) ط. دار الوفاء.
(٢) (ص ١٤٧) ط. دار الكتب العلمية.
(٣) رقم (٢٢١) ط. دار القبلة.
[ ١٨ / ٣٥٦ ]
جمعَ المنزلُ إلخ، وضبط ما نقصه أحدهما، وهو: "والملح بالملح". وسياق رواية الثقفي عن أيوب عن ابن سيرين يدل على عدم الإتقان، فإنه لم يُسمِّ الرجلَ ولا ذكر القصةَ ولا ضبطَ الناقصَ، بل قال: "ونقص أحدهما التمرَ أو الملح". وهذا يوقع الشك في زيادته التي زادها، وهي قوله: "والتمر بالملح، والملح بالتمر، يدًا بيد، كيف شئتم".
وعبد الوهاب ثقة جليل، ولكن ذكروا أن في حفظه شيئًا.
وأما مسلم بن يسار فذكروا أنه لم يسمع من عبادة، ولكنه سمع من أبي الأشعث، وقد جاء في "صحيح مسلم" (^١) وغيره عن أيوب عن أبي قِلابةَ قال: كنتُ بالشام في حلقةٍ فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدِّثْ أخانا (يعني مسلم بن يسار) حديثَ عبادة بن الصامت، قال: نعم. غزونا غزاةً فبلغ عبادةَ بن الصامت فقال: إني سمعت رسول الله - ﵌ - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى".
فقد تبين أن عبادة سمعه من النبي - ﵌ -، وإن قصَّر به ابن أبي عروبة على ما وقع في "سنن النسائي"، وأن أبا الأشعث سمعه من عبادة، وذلك متفق عليه، وأن أبا قلابة سمعه من أبي الأشعث، ودلت رواية الدارقطني أنه سمعه أيضًا من أبي أسماء الرحبي عن أبي الأشعث، فكأن أبا قلابة سمعه من أبي الأشعث مجملًا، وسمعه من أبي أسماء عن أبي الأشعث مفسرًا، ومسلم بن
_________________
(١) رقم (١٥٨٧).
[ ١٨ / ٣٥٧ ]
يسار سمعه من أبي الأشعث، وقتادة سمعه من صالح أبي الخليل عن أبي الأشعث عن مسلم، وقتادة قد سمعه من مسلم ومن أبي الأشعث، ولكنه يدلِّس، فكأنه في رواية ابن أبي عروبة وهشام دلَّس، فرواه عن مسلم، وأسقط رجلين.
وقد اعتضدت هذه الرواية الصحيحة المفسرة برواية عبد الله بن عتيك.
فأما ما أخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن أبي الليث عن الأشجعي عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث، وفيه: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوها يدًا بيد كيف شئتم لا بأس به، الذهب بالفضة يدًا بيد كيف شئتم، والبر بالشعير يدًا بيد كيف شئتم، والملح بالتمر (وفي نسخة بالبر) يدًا بيد كيف شئتم". وقال البيهقي: "وهذه رواية صحيحة مفسرة" "سنن البيهقي" (ج ٥ ص ٢٨٢) = فهي صحيحة من الأشجعي إلى من فوق فقط، فإن إبراهيم بن أبي الليث متروك، يُرمَى بالكذب. انظر ترجمته في "لسان الميزان" (^١).
وأخرج البيهقي (^٢) من طريق عبد الله (بن محمد بن سعيد) بن أبي مريم عن الفريابي عن سفيان بنحوه.
وعبد الله هذا واهٍ، قال ابن عدي: حدث عن الفريابي بالبواطيل، ثم قال: إما أن يكون مغفلًا أو متعمدًا، فإني رأيت له مناكير. (لسان الميزان) (^٣).
_________________
(١) (١/ ٣٣٧).
(٢) في "السنن الكبرى" (٥/ ٢٧٧).
(٣) (٤/ ٥٦٢). وانظر "الكامل" (٤/ ٢٥٥).
[ ١٨ / ٣٥٨ ]
والحديث في "صحيح مسلم" (^١) من رواية جماعة عن وكيع عن سفيان بسنده، ولفظه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبِيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (ج ٥ ص ٤٤).
وأخرجه الإمام أحمد عن وكيع، وفيه: "فإذا اختلف فيه الأوصاف" بدل "فإذا اختلفت هذه الأصناف" "المسند" (ج ٥ ص ٣٢٠) (^٢).
[ص ٣٣] وأخرجه مسلم (^٣) وغيره من طريق أيوب عن أبي قلابة سمع أبا الأشعث سمع عُبادةَ: "سمعتُ رسول الله - ﵌ - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى". (ج ٥ ص ٤٣).
والأوصاف في رواية أحمد عن وكيع معناها الأصناف، كما في رواية غيره عن وكيع، وهكذا الألوان في حديث أبي هريرة عند مسلم (^٤) وغيره: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه".
ومما يدل على ذلك ــ مع الإجماع ــ حديث "الصحيحين" (^٥) وغيرهما
_________________
(١) رقم (١٥٨٧/ ٨١).
(٢) كذا في الطبعة القديمة، وفي المحققة رقم (٢٢٧٢٧): "فإذا اختلفت فيه الأصناف".
(٣) رقم (١٥٨٧/ ٨٠).
(٤) رقم (١٥٨٨).
(٥) أخرجه البخاري (٢٢٠١، ٢٢٠٢) ومسلم (١٥٩٣) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.
[ ١٨ / ٣٥٩ ]
في النهي عن بيع الجَمْعِ بالجنيب متفاضلًا، مع أنهما لونان من التمر، وأوصافهما مختلفة، وأدلة أخرى.
إذا تقرر هذا فقد قال بعض المتأخرين: إن ظاهر حديث عبادة عند مسلم الذي ساق فيه الستَّة مساقًا واحدًا، ثم قال: "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" ظاهره أنه لا يحلُّ نسيئةً حتى الملح بالفضة، إلا إن ثبت الإجماع على خلافه.
أقول: ما أجملتْه هذه الروايةُ قد فسَّرته الروايات المفصّلة، فجعلت الذهب والفضة بابًا، والبر والشعير بابًا آخر.
فعُلِم منها جوازُ بيع الذهب بالفضة متفاضلًا نقدًا، ومنعُه نسيئةً، والبر بالشعير كذلك، وسكتت عن بيع البر بالذهب مَثَلًا، فكان على الجواز إلا أن يقوم دليل على منعه.
ثم إن رواية الشافعي جعلت التمر والملح بابًا ثالثًا، ووافقتْها على ذلك روايتان لا تصلحان للمتابعة، والروايات الأخرى توافق رواية الشافعي في ظهور أن التمر والملح ليسا من باب البر والشعير، ولكن لا يظهر منها أنهما باب واحد، أو كل منهما باب على حدة.
ولم أظفر بما يبين الحكم في ذلك من السنة، إلا أن إطلاق الأحاديث أنه ربا مع حديث "الصحيحين" (^١) وغيرهما: "لا ربا [إلا] في النسيئة" قد يهدينا إلى الحق.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٧٨، ٢١٧٩) ومسلم (١٥٩٦) عن أسامة بن زيد.
[ ١٨ / ٣٦٠ ]