ذكر صاحب الاستفتاء الأحاديث التي فيها: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، وفي بعضها: «الآخذ والمعطي فيه سواء» (^١). وذكر أثرًا عن أبي بكر أنه باع من أبي رافع ورِقًا بدراهم، فوُزِنتْ فرجحت الدراهم، فقال أبو رافع: هو لك، أنا أُحِلُّه لك، فقال أبو بكر: إن أحللتَه فإن الله لم يُحِلَّه لي (^٢). ثم ذكر حديث استسلاف النبي - ﵌ - بَكْرًا وقضائه رباعيًّا، وقوله: «خياركم أحسنكم قضاءً» (^٣). وأحاديث أخرى في الزيادة في القضاء، وأثرًا عن ابن عمر أخرجه مالك في «الموطأ» (^٤).
ثم قال صاحب الاستفتاء ما حاصله: فقد ثبت أن الزيادة في الربا ــ يعني في نحو بيع الورق بورق ــ حرام، وإن لم تُشْرَط وطابت بها النفس، فلو كان الزيادة في القرض ربًا لحرمت أيضًا وإن لم تشرط وطابت بها النفس. فلما دلَّت الأحاديث على جوازها إذا لم تشرط وطابت بها النفس علمنا أنها ليست بربًا وإن شُرِطت.
_________________
(١) سبق تخريجها.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنّفه» (١٤٥٦٩) وعبد بن حميد في «مسنده» (٦). وعزاه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١١٥) إلى أبي يعلى والبزار. وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي.
(٣) تقدم.
(٤) (٢/ ٦٨١). وفيه: «استسلف عبد الله بن عمر من رجلٍ دراهم، ثم قضاه دراهم خيرًا منها، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن! هذه خير من دراهمي التي أسلفتك، فقال عبد الله بن عمر: قد علمتُ، ولكن نفسي بذلك طيبة».
[ ١٨ / ٤٤٢ ]
والجواب
أن هذا قياس في مقابل النصّ، فهو فاسد الاعتبار. على أن بين الموضعين فرقًا سنوضِّحه في فصل القياس إن شاء الله تعالى. على أننا نشير إليه هنا فنقول: قد أومأ القرآن إلى أن العلة في حرمة الربا الذي نصّ عليه هو ظلم المربي لغريمه، قال ﷿: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. فإذا لم يكن هناك شرط، وأبى المستقرض إلا أن يزيد فزاد، فليس بمظلوم. وأما بيع الورق بالورق نقدًا فالزيادة فيه ليست بظلم، ولهذا حلَّت الزيادة من جهة الجودة والصنعة، فجاز أن يُباع صاع تمرٍ قيمتُه درهم بصاع تمر قيمته عشر دراهم، وأن يباع بالدينار خاتمٌ وزنُه دينار وفيه صنعة تُقوَّم بدنانير.
وإنما مُنِعت الزيادة في القدر لعلة أخرى، كما تقدم في القسم الأول، وتلك العلة لا توجد في الزيادة في قضاء القرض، والأحكام تدور مع عللها.
هذا، وقد قال صاحب الاستفتاء في حاشية (ص ٢٣) رقم (٢): «لا شك أن الربا كان شائعًا في العرب، لكن الكلام في تعيينه، ولم يظهر عن الآثار المنقولة عن التابعين أنه كان البيع أو الدين».
ثم قال في الحاشية رقم (٤) من الصفحة نفسها: «لا إنكار أن ربا الجاهلية كان في الديون، كما يدل عليه بعض روايات التابعين، لكن المراد من الديون في كلامهم ديون البيع إذا ابتاعوا نسيئةً، فما ثبت في وقتهم من الثمن المؤجل هو الدَّين ».
أقول: سيأتي البحث في ما ادعاه من اختصاص الدين بدين البيع، والمقصود هنا أنه قد سلَّم أنّ الزيادة على دين البيع ربًا من ربا الجاهلية. وقد
[ ١٨ / ٤٤٣ ]
قال في (صفحة ١٨): «ذهب الجمهور إلى جواز ما كان بدون شرط في العقد لما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة والحسان المحتج بها بإعطاء الزيادة في ديون البيع والقرض». ثم ذكر حديث الصحيحين (^١) وغيرهما في قضاء النبي - ﷺ - جابرًا ما تأخر في ذمته من قيمة الجمل، وزيادته قيراطًا، وفي رواية: «فأرجح في الميزان».
فنقول: قد سلّمتَ أن الزيادة في دين البيع ربًا من ربا الجاهلية، ثم أثبتَّ بأن النبي - ﵌ - زاد في دين البيع، وليس بيدك جواب إلّا أن الزيادة كانت بغير شرط، وكانت بطيب نفس، فإذْ لم يلزم من جواز ذلك هنا أن لا يكون ربًا إذا شُرِطت، لم يلزم من جوازها بطيب نفس وبغير شرط في القرض أن لا يكون فيه ربًا إذا شُرِطتْ (^٢).
فإن قال: إنما تكون الزيادة في قضاء دين البيع ربًا إذا كانت في مقابل أجلٍ جديد كما وردت به الآثار، والأحاديث في الزيادة في القضاء عند حلول الأجل الأول. فعلى هذا فأنا ألتزم أن الزيادة عقب الأجل الجديد ربًا مطلقًا.
فالجواب أن قوله - ﵌ -: «خيركم أحسنكم قضاءً» مطلق لم يقيده بالأجل الأول، ولا نعلم أحدًا من أهل العلم فرَّق هذه التفرقة. ولا يظهر وجهٌ للفرق، بل الظاهر أنها إذا حَسُنَت الزيادة عقب الأجل الأول فلَأن تحسُنَ عقب الثاني أولى، لأنها إنما حسنت لأجل الشكر كما يُومئ إليه
_________________
(١) البخاري (٢٣٠٩، ٢٠٩٧) ومسلم (٧١٥/ ١١١) من حديث جابر.
(٢) كتب المؤلف بعدها: «ملحق»، ووجدتُه في آخر الدفتر (ص ٤٢).
[ ١٨ / ٤٤٤ ]
حديث عبد الله بن أبي ربيعة عند البيهقي (^١) وغيره مرفوعًا، وفيه: «إنما جزاء السلف الحمد والوفاء». ويصرِّح به أثر ابن عمر عند مالك (^٢) وغيره، وفيه: «إن أعطاك أفضلَ مما أسلفتَه طيبةً به نفسُه فذلك شكرٌ شكَرَه لك».
ولا ريب أن شكر الأجل الثاني آكدُ من شكر الأجل الأول، ولاسيما في دين البيع، إذ لعل البائع قد زاد في الثمن لأجل النسيئة.
وقد يتخيل التفريق بما يؤدّي سرْدُه وردُّه إلى تعمق وتدقيق لا أرى تحته طائلًا، ولعلنا نتعرض له في بحث القياس إن شاء الله تعالى.
نعم، قد يقال: إن صاحب الاستفتاء وإن اعتراف في عبارته التي تقدمت بأن ربا الجاهلية معروف، فقد أنكره في موضع آخر، وأشار إلى ردّ أثر زيد بن أسلم (^٣) ومن معه بأنها ليست مرفوعة، يعني أنها مقاطيع فلا تكون حجة. ويؤخذ من كلامه دفعٌ آخر، وهو اختيار أن الربا مجمل، وإذا كان مجملًا لم يلزم أن يكون ربا الجاهلية داخلًا فيه.
وتفصيل الجواب يطول، فلنقتصر على أن نقول: فليسقط أثر زيد بن أسلم وما في معناه، ولا يضرنا ذلك شيئًا، بل نربح سقوطَ الشبهة الأولى من أصلها. والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) «السنن الكبرى» (٥/ ٣٥٥). وأخرجه أيضًا أحمد في «مسنده» (١٦٤١٠) والنسائي (٧/ ٣١٤) وابن ماجه (٢٤٢٤)، وإسناده صحيح.
(٢) «الموطأ» (٢/ ٦٨٢).
(٣) الذي في «الموطأ» (٢/ ٦٧٢). وقد سبق ذكره.
[ ١٨ / ٤٤٥ ]